ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ الْهِلَالِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَعْتَقَتْهُ وَأَعْتَقَتْ إِخْوَتَهُ عَطَاءً وَعَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَ اللَّهِ بَنِي يَسَارٍ مَوَالِيَهَا ، فَوَلَاؤُهُمْ لَهَا ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ مَدَارُ الْفَتْوَى بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يُكْنَى أَبَا أَيُّوبَ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مُقَدَّمًا فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ ، وَكَانَ نَظِيرًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَكَانَ مُكَاتِبًا لِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدَّى فَعُتِقَ ، وَوَهَبَتْ مَيْمُونَةُ وَلَاءَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَتْ خَالَتَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ فِعْلِهَا ، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ . قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سُوقَ الْمَدِينَةِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَةً وَاحِدَةً فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ : سُلَيْمَانُ بْنُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى أَشْهَبُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِسْرَافٌ وَإِفْرَاطٌ ، وَلَيْسَ سُلَيْمَانُ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْفِقْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ وَالسِّيَرِ ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْقَهِ أَهْلِهَا ، فَقِيلَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . وَقِيلَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ : مَنْ أَفْقَهُ مَنْ أَدْرَكْتُمَا ؟ فَقَالَا : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ عِنْدَنَا بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَفْقَهَ رَجُلٍ كَانَ مُلْزِمًا بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَتَّفِقَانِ فِي الْقَوْلِ ، وَكَانَ إِذَا ارْتَفَعَ الصَّوْتُ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ سَمِعَ فِيهِ سُوءًا قَامَ عَنْهُ . ذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : اخْتَلَفَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ ، فَقَالَ لِي : قُمْ فَسَلْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْهَا . فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يَسْأَلُكَ مَتَى تُبَاعُ الثَّمَرَةُ ؟ قَالَ : إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا . فَأَتَيْتُ سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ائْتِهِ فَاسْأَلْهُ مَتَى يَتَبَيَّنُ صَلَاحُهَا ؟ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : قَالَ سُلَيْمَانُ : مَتَى يَتَبَيَّنُ صَلَاحُهَا ؟ قَالَ : إِذَا سَنْبَلَ الزَّرْعُ وَاحْمَرَّ الزَّهْرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَسُلَيْمَانُ فَقِيهٌ عَالِمٌ وَرِعٌ نَبِيلٌ ، كَانَتْ لَهُ جَلَالَةٌ وَقَدْرٌ بِالْمَدِينَةِ ، ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ . قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً . وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا ، قَالَ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ . فَقَالَ : يُقَالُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ غَيْرُهُ إِنَّهُ طَاوُسٌ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . 806 - حَدِيثٌ أَوَّلُ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ ، وَقَدْ سَمِعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ؛ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ النَّحْرِ - وَالْفَضْلُ رِدْفُهُ - فَقَالَتْ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَسَّكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَهَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَاهُ أَوَّلًا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ . فَلَمَّا جَاءَنَا الزُّهْرِيُّ تَفَقَّدْتُ هَذَا فَلَمْ يَقُلْهُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنُبَيِّنُهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ رُكُوبِ نَفْسَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِذَا أَطَاقَتِ الدَّابَّةُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِارْتِدَافِ وَذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَالْجَلِيلُ مِنَ الرِّجَالِ جَمِيلٌ بِهِ الِارْتِدَافُ وَالْأَنَفَةُ مِنْهُ تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ ، حَبَّبَ اللَّهُ إِلَيْنَا الطَّاعَةَ بِرَحْمَتِهِ . وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ فِي الْآدَمِيِّينَ مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ وَمَا يُخَافُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ شُبَّانِ بَنِي هَاشِمٍ ، بَلْ كَانَ أَجْمَلَ أَهْلِه زَمَانِهِ فِيمَا ذَكَرُوا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مَنْعُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِنَّ وَمِنْهُنَّ الْفِتْنَةُ مِنَ الْخُرُوجِ وَالْمَشْيِ فِي الْحَوَاضِرِ وَالْأَسْوَاقِ ، وَحَيْثُ يَنْظُرْنَ إِلَى الرِّجَالِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ الْآيَةَ - مَا يَكْفِي لِمَنْ تَدَبَّرَ كِتَابَ اللَّهِ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ بِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَجَعَلَ يَلْحَظُ إِلَى امْرَأَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ يَا غُلَامُ ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فِيهِ بَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا ، وَهَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحُجُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حُجِّي عَنْ أَبِيكِ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ كَانَ مَعَكِ ذُو مَحْرَمٍ . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ لَيْسَ مِنَ السَّبِيلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِهِ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَكَانَ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ كَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ الْجَوَابِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ ، وَجَعَلُوا أَبَا الْخَثْعَمِيَّةِ مَخْصُوصًا بِالْحَجِّ عَنْهُ كَمَا كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَخْصُوصًا بِرَضَاعِهِ فِي حَالِ الْكِبَرِ مَعَ اشْتِرَاطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ ، فَكَذَلِكَ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مَعَ شَرْطِ اللَّهِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ الِاسْتِطَاعَةَ وَهِيَ الْقُدْرَةُ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَالْقُدْرَةِ وَتَكُونُ أَيْضًا فِي الْمَالِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِبَدَنِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِثْلِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ؛ فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ نَصًّا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنِ الْحَاجُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الشَّعِثُ التَّفِلُ . فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْعَجُّ وَالثَّجُّ . فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا : السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، قَالَ : السَّبِيلُ أَنْ يَصِحَّ بَدَنُ الْعَبْدِ وَيَكُونُ لَهُ ثَمَنُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْحِفَ بِهِ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ الْحَجُّ إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً مِنَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ : ذُو الْمَحْرَمِ فِي الْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ، وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ الله . وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ ، وَبِهِ اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الْبَدَنُ فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالنُّكْتَةُ الَّتِي بِهَا اسْتَدَلُّوا وَعَلَيْهَا عَوَّلُوا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْحَجَّ إِذْ فُرِضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَبُوهَا فِي حَالٍ لَا يَسْتَطِيعُهُ بِبَدَنِهِ ، فَأَخْبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَالدَّيْنِ تَقْضِيهِ عَنْهُ ، فَكَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَعَانٍ ، مِنْهَا : أَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ لَا فِي الْبَدَنِ . وَمِنْهَا : أَنَّ عَمَلَهَا فِي ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالصَّلَاةِ الَّتِي لَا يَعْمَلُهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . وَمِنْهَا : أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْمَالِ كَمَا تَكُونُ بِالْبَدَنِ ، وَاحْتَجُّوا مِنَ الْآثَارِ بِكُلِّ مَا ذُكِرَ فِيهِ تَشْبِيهُ الْحَجِّ بِالدَّيْنِ ، وَسَنَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْحَجَّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . وَقَالَ دَاوُدُ : الْحَجُّ عَلَى الْعَبْدِ وَاجِبٌ . وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : لَا حَجَّ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَاجِدًا مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ . قَالَ : الْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونُ مَعْضُوبًا بِبَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى رَكْبٍ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَهُ أَنَّ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ أَوْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِهَذَا الْوَجْهِ . قَالَ : وَمَعْرُوفٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَنَا مُسْتَطِيعٌ أَنْ أَبْنِيَ دَارًا أَوْ أَخِيطَ ثَوْبًا ؛ يَعْنِي بِالْإِجَارَةِ أَوْ بِمَنْ أَطَاعَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ ; حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْبَيْتِ وَإِقَامَةِ الْمَنَاسِكِ بِأَيِّ وَجْهٍ قَدَرَ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ أَوْ مَاشِيًا عَلَى رِجْلَيْهِ فَقَدْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ فَلَيْسَ بِمُخَاطَبٍ فِي الْحَجِّ . هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَعْضُوبَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ . وَالْمَعْضُوبُ الضَّعِيفُ الْهَرِمُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّهُوضِ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : رَجُلٌ مَعْضُوبٌ كَأَنَّمَا لُوِيَ لَيًّا ، وَالْمَعْضُوبُ الَّذِي كَادَتْ أَعْضَاؤُهُ تَنْتَشِرُ جَزَعًا . أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُقْرِئِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ : سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، قَالَ : السَّبِيلُ الصِّحَّةُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : إِذَا كَانَ شَابًّا فَلْيُؤَاجِرْ نَفْسَهُ بِأَكْلَةٍ وَعُقْبَةٍ حَتَّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَيْضًا وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَبِأَيِّ وَجْهٍ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَقَدَرَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، وَلَيْسَ اسْتِطَاعَةُ غَيْرِهِ اسْتِطَاعَةً لَهُ ، وَالْحَجُّ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ عَمَلِ الْأَبْدَانِ ، فَلَا يَنُوبُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ . وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ شَاءَ لَا عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَحُجُّ عَنْ أَبِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ حَمَلُوا فِيهِ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَصْحَابِهِ ، وَقَالُوا : هَذَا حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ أَحَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَوْ فِي كِتَابِ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرُهُ ، وَقَدْ خَطَّأُوهُ فِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ فَقَالُوا : هَذَا لَفْظٌ مُنْكَرٌ لَا تُشْبِهُهُ أَلْفَاظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يَدْرِي هَلْ يَنْفَعُ أَمْ لَا يَنْفَعُ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرِيُّ قَالَ : لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ لَا كُوفِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ وَلَا أَحَدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا ظَاهِرُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَظَاهِرٌ جَمِيلٌ ، لِأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ ثِقَةٌ ، وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَهُشَيْمٌ . وَكَذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ ثِقَةٌ ، وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ بِالثَّوْرِيِّ مَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلِ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَهَؤُلَاءِ جِلَّةُ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ثِقَةٌ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ ، وَيُدْخَلُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ أَصْلًا يَقِيسُونَ عَلَيْهِ وَلَا يُجِيزُونَ صَلَاةَ أَحَدٍ منْ أَحَدٍ وَلَا يَقُولُونَ فِيهَا إِنَّهَا إِنْ لَمْ تَزِدِ الْمُصَلَّى عَنْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا كَمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْحَجِّ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ بِخِدْمَةِ النَّاسِ أَوْ بِالسُّؤَالِ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ وَصَلَ إِلَيْهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الفرض ووجب عليه الحج ، وَأَنَّهُ إِذَا أَيْسَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي لَا زَادَ لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ السُّؤَالُ وَالتَّبَذُّلُ ، فَإِنْ حَجَّ أَجَزَأَهُ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْفَقِيرَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ وَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ حِينَئِذٍ - قِيلَ لَهُ : لَوْ كَانَ الْحَجُّ لَا يَجِبُ فَرْضًا إِلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَمَا تَعَيَّنَ فَرْضُهُ عَلَى الْفَقِيرِ بِدُخُولِهِ مَكَّةَ ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ عَلَى الْعَبْدِ بِدُخُولِهِ مَكَّةَ ، وَلَوْ كَانَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ لَاسْتَوَى فِيهِ حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرُهُمْ كَمَا اسْتَوَوْا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْحَجُّ إِلَّا بِهِمَا ، وَيَدْخُلُ عَلَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ : إِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْعَبِيدِ بَاقِيَةٌ لَمْ تَزُلْ وَهِيَ الرِّقُّ ، وَعِلَّةُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ ثُمَّ اسْتَطَاعَ قَدْ زَالَتْ . وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ! قَالَ : احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ ، فَهَلْ يُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَحُجَّ عَنْهُ . وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ هَذَا سَوَاءً . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ ! قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَاقْضُوا اللَّهَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . قَالُوا : وَتَشْبِيهُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِالدَّيْنِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ بِبَدَنِهِ عَنِ الِامْتِسَاكِ عَلَى الدُّؤْبَةِ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِذَا اسْتَطَاعَ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ أَوْ بِمَالِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي تَشْبِيهِهِ الْحَجَّ بِالدَّيْنِ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا خُصُوصٌ لِلْخَثْعَمِيَّةِ كَمَا خُصَّ أَبُوهَا بِأَنْ يُعْمَلَ عَنْهُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ خُصَّتْ بِالْعَمَلِ عَنْهُ لِتُؤْجَرَ وَيَلْحَقَهُ ثَوَابُ عَمَلِهَا بِدَلِيلِ الْقُرْآنِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ ، وَبِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَرْضًا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَعْمَلُ عَنْهُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَيُشْرِكُهُ فِي ثَوَابِهِ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ . وَجَعَلُوا حَجَّ الْخَثْعَمِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا كَالْحَجِّ بِالصَّبِيِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ التَّبَرُّكُ لَا الْفَرْضُ ، وَأَدْخَلَ بَعْضُ مَنْ يَحْتَجُّ لِمَالِكٍ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ قَالَ : لَوْ ثَبَتَ تَشْبِيهُ الْحَجِّ بِالدَّيْنِ لَكُنْتَ مُخَالِفًا لَهُ ، لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ مَنْ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَ قُوَّةً أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ الدَّيْنُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إِذَا أُدِّيَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُؤَدَّى ثَانِيَةً ، وَانْفَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْهُ لِعَدَمِهِ الِاسْتِطَاعَةَ بِبَدَنِهِ ، فَلَمَّا صَحَّ كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِبَدَنِهِ ، فَأَشَارَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ بِالشُّهُورِ يَطْرَأُ عَلَيْهَا الْحَيْضُ فَتَعُودُ إِلَيْهِ ، وَأَدْخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ ، وَلَا يُجِيزُ الصَّلَاةَ وَلَا الصِّيَامَ أَنْ يَعْمَلَهُمَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِ مَيِّتٍ وَلَا حَيٍّ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ وَأَعْمَالِ الْبَدَنِ ، وَلِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تَشْغِيبٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ وَلَا يَجْمُلُ اجْتِلَابُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلصَّحِيحِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَطَوُّعًا . وَقَالَ : لِلْمَرِيضِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِفَرْضِهِ ، وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَإِنْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِالْحَجِّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَجَزَأَهُ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُوَاجِرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ نَحْوَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيُوصِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُوصِ فَحَجَّ عَنْهُ وَلَدُهُ فَحَسَنٌ ، إِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ يَقْضِيهِ ، وَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ لِذِي الْقَرَابَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ قَرَابَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا قَرَابَةَ لَهُ فَمَوَالِيهِ إِنْ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا تَطَوُّعًا فَلَا بَأْسَ . قَالَ : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلْيَحُجَّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَحُجَّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ . قَالَ : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَبْدَأْ بِدَيْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ يَحُجُّ بِهِ حَجَّ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قَدْرَ مَا إِنْ حَجَّ بِهِ أَضَرَّ بِعِيَالِهِ فَلْيُنْفِقْ عَلَى عِيَالِهِ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ بِدَيْنٍ إِذَا كَانَ لَهُ عُرُوضٌ إِنْ مَاتَ تَرَكَ وَفَاءً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ شَيْءٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَسْأَلَ النَّاسَ فَيَحُجَّ بِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَحُجَّ بَعْدَ أَنْ يُوسِرَ ، هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : يَنْبَغِي لِلْأَعْزَبِ إِذَا أَفَادَ مَالًا أَنْ يَحُجَّ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ . قَالَ : وَحَجُّهُ أَوْلَى مِنْ قَضَائِهِ دَيْنًا عَنْ أَبِيهِ . قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَلْتَخْرُجِ الْمَرْأَةُ مَعَ وَلِيِّهَا ، فَإِنْ أَبَى وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ وَوَجَدَتْ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهَا مِنَ الرِّجَالِ أَوْ نِسَاءٍ مَأْمُونِينَ فَلْتَخْرُجْ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ المَذَاهِبَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا يَخْرُجُ مَعَهَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ وَيُجْزِيهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنِ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُلْبَسُ وَالرَّجُلَ لَا يُلْبَسُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنْ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ صَرُورَةٌ كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلنَّفْلِ لَغْوًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يُوَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ وَلَسْتُ أَكْرَهُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يُوَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ الْحَجَّ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُ الْمُتَقَرِّبِ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ مُسْلِمٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِلْمُسْلِمِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى كِتَابِ الْمُصْحَفِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَحَفْرِ الْقُبُورِ وَصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ ، وَالصَّدَقَاتُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدْ أَبَاحَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ ، وَلَا مَعْنًى لِاعْتِبَارِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَحُجُّ عَنِ الْمُسْلِمِ تَطَوُّعًا وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمُسْلِمِ . وَفِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ هَذَا رَدٌّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ عَنِ الرَّجُلِ ، وَحُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ . وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَبَى جَوَازَ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ الرَّجُلِ وَهُوَ صَرُورَةٌ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ . فَقَالَ : مَنْ شُبْرُمَةُ ؟ قَالَ : أَخٌ لِي - أَوْ : قَرِيبٌ لِي . فَقَالَ : حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ . وَمَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا يَذْكُرُ عَزْرَةَ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ عِلَلًا يَجِبُ بِهَا التَّوَقُّفُ عَنِ الْقَوْلِ بِالْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ لَوْ لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا · ص 118 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في سؤال النبي عن الحج عن الغير · ص 49 806 ( 30 ) بَابُ الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ 769 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ . فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ . فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا . لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ . أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 16763 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ سَمِعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . 16764 - حَدَّثَنِي سَعْيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ . 16765 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ . قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ النَّحْرِ ، وَالْفَضْلُ رَدِيفُهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ هَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 16766 - قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَاهُ : أَوَّلًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أوَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاه غَيْرُهُ عَنْهُ . قَالَ فَلَمَّا جَاءَنَا الزُّهْرِيُّ تَفَقَّدْتُ هَذَا ; فَلَمْ يَقُلْهُ . 16767 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ مَحْفُوظَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ . وَلَيْسَ مَا سَمِعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِ مَا سَمِعَهُ هُوَ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَعَمْرٌو أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ . 16768 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ رُكُوبُ شَخْصَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ ، هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيه ، جَوَازِهِ إِذَا أَطَاقَتِ الدَّابَّةُ ذَلِكَ . 16769 - وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِارْتِدَافِ ، وَذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَأَفْعَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا سُنَنٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا يَحْسُنُ التَّأَسِّي بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَجَمِيلٌ الِارْتِدَافُ بِالْجَلِيلِ مِنَ الرِّجَالِ . 16770 - وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ فِي الْآدَمِيِّينَ مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ فِي الرِّجَالِ ، وَالرِّجَالِ فِي النِّسَاءِ وَمَا يُخَافُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَجْمَلِ الشُّبَّانِ فِي زَمَانِهِ . 16771 - وَفِيهِ : أَنَّ عَلَى الْعَالِمِ وَالْإِمَامِ أَنْ يُغَيِّرَ مِنَ الْمُنْكِرِ كُلَّ مَا يُمْكِنُهُ بِحَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِذَا رَآهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنْهُ . 16772 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِنَّ وَلَا مِنْهُنَّ الْفِتْنَةُ ، وَمِنَ الْخُرُوجِ وَالْمَشْيِ مِنْهُنَّ فِي الْحَوَاضِرِ وَالْأَسْوَاقِ ، وَحَيْثُ يَنْظُرْنَ إِلَى الرِّجَالِ وَيُنْظَرُ إِلَيْهِنَّ . 16773 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ . 16774 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 16775 - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمَرْأَةِ الْخَثْعَمِيَّةِ : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ كَانَ مَعَكِ ذُو مَحْرَمٍ . 16776 - وَهَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مِنَ الدَّلِيلِ ، لِأَنَّ الْعِلْمَ مَا نُطِقَ بِهِ لَا مَا سُكِتَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ . 16777 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَهُ سُنَّ وَذَلِكَ حَجُّ الْمَرْءِ عَنْ مَنْ لَا يُطِيقُ الْحَجَّ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِهِ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ . بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَلَمْ يَكُنْ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ إِلَيْهِ سَبِيلًا ; فَخُصَّ بِأَنْ يُقْضَى عَنْهُ وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ ، وَخُصَّتِ ابْنَتُهُ أَيْضًا أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا وَهُوَ حَيٌّ . 16778 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ . قَالُوا : خُصَّ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ وَالْخَثْعَمِيَّةُ بِذَلِكَ ، كَمَا خُصَّ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِرَضَاعِهِ فِي حَالِ الْكِبَرِ . 16779 - وَهَذَا مِمَّا يَقُولُ بِهِ الْمُخَالِفُ فَيَلْزَمُهُ . 16780 - وَرُوِيَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالضَّحَّاكِ . 16781 - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : وَالِاسْتِطَاعَةُ : الْقُوَّةُ . 16782 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الِاسْتِطَاعَةُ : الصِّحَّةُ . 16783 - وَقَالَ أَشْهَبُ : قِيلَ لِمَالِكٍ : الِاسْتِطَاعَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَرُبَّ رَجُلٍ يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَسِيرِ ، وَآخَرُ يَقْوَى يَمْشِي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا 16784 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ فِي الْبَدَنِ وَالْقُدْرَةِ ، وَتَكُونُ أَيْضًا بِالْمَالِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِبَدَنِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . 16785 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 16786 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، كُلُّهُمْ وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ يَقُولُونَ : السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . 16787 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْبَدَنِ وَالْمَالِ . 16788 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : ( السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مُرْسَلَةٌ ، وَمِنْهَا ضَعِيفَةٌ . 16789 - وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَكُونُ بَالْمَالِ ، وَتَكُونُ بِالْبَدَنِ . 16790 - وَتَقُولُ الْعَرَبُ : أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْنِيَ دَارِي . يَعْنِي بِمَالِهِ . 16791 - وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا يُشْبِهُهُ ذَلِكَ ، وَالِاحْتِجَاجُ لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ يَطُولُ ، وَلَيْسَ هُنَا مِمَّا قُصِدَ بِهِ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا أُصُولَ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 16792 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَعْضُوبِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِكِبَرٍ أَوْ لِضَعْفٍ ، أَوْ لِزَمَانَةٍ . 16793 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا حَجَّ عَلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِمَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ مِنْ مَالِهِ . 16794 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ مُسْتَطِيعٌ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ . 16795 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ ، وَالْآخَرُ مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجِّ : زَادٌ وَرَاحِلَةٌ . قَالَ : وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْضُوبًا بِبَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَرْكَبٍ بِحَالٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَه أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ ، أَوْ بِاسْتِحْبَابِهِ لَهُ ، فَيَكُونُ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ . 16796 - وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ . 16797 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَحُجُّ عَنْ أَبِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا . 16798 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَخَطَّؤوهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ لَمْ يُرْوهِ أَحَدٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرُهُ ، فَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَالُوا : هَذَا حَديِثٌ مُنْكَرٌ لَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَا يَدْرِي أَيَنْفَعُ أَمْ لَا . 16799 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرِيُّ ، قَالَ : لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ : كُوفِيٌّ ، وَلَا بَصْرِيٌّ ، وَلَا حِجَازِيٌّ ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . 16800 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِالثَّوْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، مِثْلُ : الْقَطَّانِ ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَوَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالْفِرْيَابِيِّ ، وَالْأَشْجَعِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ - عُلِمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ قَدْ وَهِمَ فِيهِ لَفْظًا وَأُشْبِهَ عَلَيْهِ . 16801 - وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ ؟ قَالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ . 16802 - وَقَدْ رَوَى هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، فَمَاتَتْ ; أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ . . اللَّهُ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ . 16803 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ . 16804 - وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 16805 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا تُقْضَى الصَّلَاةُ عَنْ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ إِيجَابِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَضَعُفَ عَنْ إِقَامَتِهِ بِبَدَنِهِ جَوَازٌ حج الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ . 16806 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 16807 - فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، إِلَّا عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ . 16807 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ . 16808 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلصَّحِيحِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَإِنْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِالْحَجِّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَجْزَاهُ . 16809 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ . 16810 - وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 16811 - قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيُوصِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُوصِ فَحَجَّ عَنْهُ وَلَدُهُ فَحَسَنٌ ; فَإِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ يَقْضِيهِ . 16812 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ لِذِي الْقَرَابَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ قَرَابَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا قَرَابَةَ لَهُ فَمَوَالِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَوَالِي ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا تَطَوُّعًا فَلَا بَأْسَ . 16813 - قَالَ سُفْيَانُ : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلْيُحَجَّ عَنْهُ ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ . 16814 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ وَيَجْزِيهِ . 16815 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . 16816 - وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ . 16817 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، والْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ . 16818 - وَقَالَ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ . 16819 - وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ ، وَلَا يَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَرْأَةِ ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ وَالرَّجُلَ لَا يَلْبَسُ . 16820 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ صَرُورَةً كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلنَّفْلِ لَغْوًا . 16821 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ وَلَسْتُ أَكْرَهُهُ . 16822 - وَقَالَ مَالِكٌ : وَأَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ . 16823 - وَهَكَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ . 16824 - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ ( عَزَّ وجل ) وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُ الْمُتَقَرِّبِ بِهِ . 16825 - وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ مُسْلِمٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِلْمُسْلِمِ . 16826 - وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى كَتْبِ الْمُصْحَفِ ، وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، وَحَفْرِ الْقَبْرِ وَصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ . 16827 - وَالصَّدَقَاتُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ أَبَاحَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا الْأَجْرَ عَلَى عِمَالَتِهِ . 16828 - وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَدَاءِ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إِجْمَاعُهُمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ فِي التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ ، وَهُمْ يُحَرِّمُونَهُ لِلْمُسْلِمِ فِي التَّطَوُّعِ فَكَذَلِكَ الْفَرْضُ . 16829 - وَفِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ - حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا - رَدٌّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ فِي قَوْلِهِ : أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ عَنِ الرَّجُلِ . وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ . 16830 - وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَبَى مِنْ جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ وَهُوَ صَرُورَةٌ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عُزرةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ . قَالَ : ( مَنْ شُبْرُمَةُ ؟ ) قَالَ : أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - فَقَالَ : حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ . 16831 - وَمَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ . . . الْحَدِيثَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 16832 - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا يَذْكُرُ عَزْرَةَ . 16833 - وَالَّذِي يَقْبَلُهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ الَّذِي رفَعَهُ حَافِظٌ قَدْ حَفِظَ مَا فَسَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ ، فَوَجَبَ قَبُولُ زِيَادَتِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، هُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ · ص 435 30 - بَاب الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ 795 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 30 - بَابُ الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ 806 795 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) الْهِلَالِيِّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ) أَكْبَرُ وَلَدِهِ ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ ، اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بَأَجْنَادِينَ ، هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً ، فَذَكَرَهُ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ الْفَضْلِ ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلَتْ مُحَمَّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ رَوَاهُ بِلَا وَاسِطَةٍ ، انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ رَجَّحَ هَذَا لِأَنَّ الْفَضْلَ كَانَ رَدِيفَ الْمُصْطَفَى حِينَئِذٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ تَقَدَّمَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى مَعَ الضَّعَفَةِ ، فَكَأَنَّ الْفَضْلَ حَدَّثَ أَخَاهُ بِمَا شَاهَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ حَاضِرًا ، فَلَا مَانِعَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مَعَهُ ، فَحَمَلَهُ تَارَةً عَنْ أَخِيهِ ، وَتَارَةً حَدَّثَ بِهِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ ، فَقَالَ : كَانَ الْفَضْلُ ( رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ ، وَفِيهِ جَوَازِ الْإِرْدَافِ ، وَهُوَ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا أَطَاقَتْهُ الدَّابَّةُ ، وَالرَّجُلُ الْجَلِيلُ جَمِيلٌ بِهِ الِارْتِدَافُ ، وَالْأَنَفَةُ مِنْهُ تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ تُسَمَّ ( مِنْ خَثْعَمَ ) - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ الْقَبِيلَةِ لَا الْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنُ الْفِعْلِ ، قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهَا ، وَاسْمُهُ أَفْتَلُ بْنُ أَنْمَارٍ ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ إِنَّمَا سُمِّيَ خَثْعَمَ بِجَمَلٍ يُقَالُ لَهُ : خَثْعَمُ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَمَّا تَحَالَفَ وَلَدُ أَفْتَلَ عَلَى إِخْوَتِهِ نَحَرُوا بَعِيرًا ، ثُمَّ تَخَثْعَمُوا بِدَمِهِ ، أَيْ تَلَطَّخُوا بِهِ بِلُغَتِهِمْ ( تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ ) الْمَرْأَةُ ( إِلَيْهِ ) وَكَانَ جَمِيلًا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا النَّظَرُ هُوَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ ، فَإِنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى الصُّورَةِ الْحَسَنَةِ ، وَلِذَا قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : وَكَانَ الْفَضْلُ أَبْيَضُ وَسِيمًا . ( فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الْمَرْأَةُ ، مَنْعًا لَهُ عَنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَرَدًّا إِلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وتبعه عِيَاضٌ : فِيهِ مَا يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يُخْشَى فِتْنَتُهُ ، وَمَنْعُهُ مَا يُنْكَرُ فِي الدِّينِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ حُرْمَةُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . قَالَ الْأَبِّيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّ صَرْفَهُ وَجْهَ الْفَضْلِ لَيْسَ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ عِيَاضٍ ، وَالنَّوَوِيِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ الْوُقُوعِ ، كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : إِنْ أَرَادَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ ، فَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ أَرَادَ الْأَعَمَّ مِنْ خَوْفِهَا وَأَمْنِهِ ، فَفِي حَالَةِ أَمْنِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصْطَفَى خَشِيَ عَلَيْهِمَا الْفِتْنَةَ ، وَبِهِ صَرَّحَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً ، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ يَدِهِ عَلَى الْفَضْلِ كَانَ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهَا . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ وَجْهَهُ ، بَلْ عُنُقَهُ ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ مُبَالَغَةٌ فِي مَنْعِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْوَلِيِّ : فَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ ، فَلَوَى عُنُقَهُ تَارَةً ، وَوَضْعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ تَارَةً ، وَبَيَّنَ اسْتِفْتَاءَ مَا يَقُولُهُ ( فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي ) - لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا - ( شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ ، أَوْ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَدَاخِلَةِ ، أَوْ شَيْخًا بَدَلٌ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِأَنْ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَحَصَلَ لَهُ الْمَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( أَفَأَحُجُّ ) أَيْ : أَيَصِحُّ أَنْ أَنُوبَ عَنْهُ ، فَأَحُجَّ ( عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) أَيْ حُجِّي عَنْهُ ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ كَالشَّافِعِيِّ : تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ الْفَرْضِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ قَوْلَهَا : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ ، لَا يُوجِبُ دُخُولَ أَبِيهَا فِي هَذَا الْفَرْضِ ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ بِالِاسْتِطَاعَةِ نَزَلَ وَأَبُوهَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، فَسَأَلَتْ هَلْ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ ، وَلَا يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ : فَحُجِّي عَنْهُ ، لِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ ، وَرُخْصَةٌ لَهَا أَنْ تُعَلَّ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ لِأَبِيهَا . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ خَاصٌّ بِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 97 ) وَكَانَ أَبُوهَا مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فَكَانَتِ ابْنَتُهُ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ الْجَوَابِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ الْمَارِي لِلْآيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الِاسْتِطَاعَةِ أَنَّهَا الْبَدَنِيَّةُ ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْمَالِيَّةَ ، لَقَالَ : أَحُجَّاجُ الْبَيْتِ ، وَالْحَجُّ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَمَلٌ بِدُونِ صَرْفٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَلَا اسْتِنَابَةَ فِيهِ . وَالثَّانِي : مَالُ صَرْفٍ كَالصَّدَقَةِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْقُدْرَةُ وَلَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ دُونَ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ : هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا : أَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا كُلُّهَا ، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ صَحَّ ، فَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ السَّبَبُ فَقَدْ تَضَمَّنَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ أَمْنَ الطَّرِيقِ ، وَصِحَّةَ الْجِسْمِ . ( وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، يَوْمَ النَّحْرِ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الرَّمْيِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَشُعَيْبٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سَبْعَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ .