838 حَدِيثٌ ثَامِنَ عَشَرَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُومِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : كَلَّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ : فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَنَاةُ حَجَرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهُ ، وَكَانَ فِي الْمُشَلَّلِ الْجَبَلِ الَّذِي تَصْدُرُ مِنْهُ إِلَى قُدَيْدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ مَعْنَى نُزُولِ الْآيَةِ وَمَخْرَجَهَا وَجَاءَتْ بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَى قَوْلِهَا عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ : إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ فَرْضًا ، وَعَلَى مَنْ نَسِيَهُ أَوْ نَسِيَ شَوْطًا وَاحِدًا مِنْهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِ بَلَدِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ كَامِلًا ، كَمَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ : طَوَافَ الْإِفَاضَةِ سَوَاءٌ ، أَوْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعِرَاقِيُّونَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ عَمَلَ الْحَجِّ يَنُوبُ فِيهِ التَّطَوُّعُ عَنِ الْفَرْضِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَمَذْهَبُ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ . وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَقُولُونَ : هُوَ تَطَوُّعٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وَمُصْحَفِ ) ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، إِلَّا أَنَّ تَلْخِيصَ مذهب أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ : إِنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ وَتَرَكَ ثَلَاثَةً فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، وَإِنْ تَرَكَ شَوْطَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ كَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ تَرَكَ شَوْطًا وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ هَذَا يَبْلُغُ دَمًا ، فَإِنْ بَلَغَ دَمًا أَطْعَمَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ فَأَجْزَى عَنْهُ ، وَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ كُلَّهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ نَاسِيًا أَوْ فِي الْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ . وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عُمْرَةٌ . وَاخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحُدُهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ مَسَاكِينَ ، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاةً فَأَطْعَمَهَا الْمَسَاكِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُجَوَّدَةً مُمَهَّدَةً مَبْسُوطَةً بِمَا فِيهَا مِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، إِذْ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنَّظَرِ فِي بَابِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ هَاهُنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ · ص 150 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في سبب نزول آية إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ · ص 211 838 ( 42 ) بَابُ جَامِعِ السَّعْيِ 801 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَلَّا . لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ ، لَكَانَتْ : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا . إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ . كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ . وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قَدِيدٍ . وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ . سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا 17392 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ مَا قَالَهُ إِذْ كَانَ فِي غَيْرِ السِّنِّ . 17393 - وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ مِمَّنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَ عَائِشَةَ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ . 17394 - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي إِيجَابِ السَّعْيِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا . 17395 - وَأَمَّا مَا احْتَجَّتْ بِهِ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ قَوْلِهَا : لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَلَوْ كَانَتْ قِرَاءَةً صَحِيحَةً مَا جَهِلَتْهَا عَائِشَةُ ، وَلَا عَابَتْ عَلَى عُرْوَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُجَاوِبُهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ قِرَاءَةَ أُبَيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّهَا مِمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ . 17396 - وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْنَاهُ سُقُوطُهَا مِنَ الْمُصْحَفِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ . 17397 - وَأَمَّا مَنَاةُ فَصَنَمٌ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَحَدُ الْأَصْنَامِ الثَّلَاثَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى 17398 - وَإِنَّمَا تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَوْضِعَ ذَبَائِحِهِمْ لِأَصْنَامِهِمْ ; فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لِئَلَّا يُتَحَرَّجَ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا وَالطَّوَافِ بِهِمَا . 17399 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَقَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ : هَذَا الْعِلْمُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يُنْزِلِ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطَّوَّفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فِيمَنْ طَافَ ، وَفِيمَنْ لَمْ يَطُفْ . 17400 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ . . . يَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ . يَعْنِي مَنَاةَ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَنْصَارِ لِئَلَّا يُعَظِّمُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَتْ لَهُمُ آلِهَةٌ يَعْبُدُونَهَا قَدْ نَصَبُوهَا بَيْنَ الْمَسْلَكِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ; فَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَجْلِ مَنَاةَ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ ، وَمَا أَدْرِي مَوْضِعَ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى . وَالْفَرِيقُ الثَّانِي هُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا كُنَّا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَلَّا نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ كُلَّهَا . 17401 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا مِمَّنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ . يُرِيدُ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَوْلَيْنِ مَعًا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمَا ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ عِلْمٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ : إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ . وَهَذَا الْعِلْمُ . 17402 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : هَذَا الْعِلْمُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ وَاحْتِجَاجِهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَيْ قَدْ جَعَلَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّعَائِرِ الَّتِي أَرَادَهَا مِنْ عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا قَالَ : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْعِلْمِ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 17403 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَ مَا قُلْتَ ، يَا ابْنَ أُخْتِي ! إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا كَانَتْ : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ . قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا ; كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ثُمَّ قَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّوَافَ بِهِمَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا . 17404 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا قُلْتُ : وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا . قَالَتْ : بِئْسَ مَا قُلْتَ . . . وَذَكَرَ الْخَبَرَ ، وَفِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هَشِامٍ ; فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ : إِنَّ طَوَافًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . 17405 - وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ : إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ نُؤْمَرْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ 17406 - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَأَرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ السَّعْيِ · ص 471 42 - بَاب جَامِعِ السَّعْيِ 828 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [ البقرة : 158 ] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَلَّا ، لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [ البقرة : 158 ] . 42 - بَابُ جَامِعِ السَّعْيِ 838 828 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 6 ) وَهَلْ يُقَالُ لَهُنَّ أَيْضًا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ ؟ قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ ( وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ) أَيْ صَغِيرٌ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : كِنَايَةٌ عَنِ الشَّبَابِ وَأَوَّلِ الْعُمُرِ ، وَالْحَدِيثُ ضِدُّ الْقَدِيمِ ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ عُذْرِهِ فِي السُّؤَالِ ، وَأَنَّ الْتِبَاسَهُ عَلَيْهِ نَشَأَ مِنَ الْحَدَاثَةِ ( أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ ) أَيْ أَخْبِرِينِي عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ( تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ جَبَلَيِ السَّعْيِ اللَّذَيْنِ يُسْعَى مِنْ إحَدِاهِمَا إِلَى الْآخَرِ ، وَالصَّفَا فِي الْأَصْلِ جَمْعُ صَفَاةٍ ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ وَالْحَجَرُ الْأَمْلَسُ ، وَالْمَرْوَةُ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَيِ الْمَعَالِمِ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا - قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ الْحَجِّ وَكُلُّ مَا جُعِلَ عِلْمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ . فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِشَدِّ الطَّاءِ أَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِهِ ، وَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ ( بِهِمَا ) أَيْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا ( فَمَا عَلَى الرَّجُلِ ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ ، وَالْمُرَادُ الْحَاجُّ أَوِ الْمُعْتَمِرُ ( شَيْءٌ ) وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَالتِّنِّيسِيِّ : فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَظُنُّ ، وَبِفَتْحِهَا أَعْتَقِدُ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ : فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ ( أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) إِذْ مَفْهُومُهَا أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ وَهُوَ الْإِثْمُ عَنْ فَاعِلِهِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ عَلَّامَةُ الْإِبَاحَةِ ، وَيُزَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِإِثْبَاتِ الْأَجْرِ وَالْوُجُوبِ بِعِقَابِ التَّارِكِ . ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ ) رَدًّا عَلَيْهِ ( كَلَّا ) رَدْعٌ لَهُ وَزَجْرٌ عَنِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ وَفَهْمِهِ مِنَ الْآيَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي ( لَوْ كَانَ ) الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ ( كَمَا تَقُولُ ) وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ : كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ ( لَكَانَتِ ) الْآيَةُ : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) أَيْ لَا جُنَاحَ فِي تَرْكِ الطَّوَافِ بِهِمَا ، فَكَانَتْ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ التَّارِكِ ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ ، أَمَّا وَلَفْظُهَا بِدُونِ لَا ، فَهِيَ سَاكِتَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ مُصَرِّحَةٌ بِعَدَمِ الْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ ، وَحِكْمَتُهُ مُطَابِقَةٌ جَوَابَ السَّائِلِينَ ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَجَاءَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ كَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ نُسُكٍ مَعَ قَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا مِنْ بَدِيعِ فِقْهِ عَائِشَةَ وَمَعْرِفَتِهَا بِأَحْكَامِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا اقْتَضَى ظَاهِرُهَا رَفْعَ الْحَرَجِ مِنَ الطَّائِفِ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ نَصًّا فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ، وَلَوْ كَانَ نَصًّا لَقَالَ أَنْ لَا يَطُوفَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا وَيَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِهِ عَلَى صِفَةٍ كَمَنْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ لَهُ صَلَاتُهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ ، فَسَأَلَ فَقِيلَ : لَا حَرَجَ عَلَيْكَ إِنْ صَلَّيْتَهُ ، فَالْجَوَابُ صَحِيحٌ ، وَلَا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الظُّهْرِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَيَّنَتْ لَهُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبٍ ، فَقَالَتْ : ( إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ ) بِالرَّاءِ كَمَا عَزَاهُ الْخَطَّابِيُّ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَأَنَّ فِي بَعْضِهَا الْأَنْصَابَ - بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الرَّاءِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ جَمْعُ نُصُبٍ ، وَهُوَ مَا يُنْصَبُ مِنَ الْأَصْنَامِ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، انْتَهَى . وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُمَا : عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ قَرَؤوا الْآيَةَ أَنْ لَا يَطُوفَ ، وَأَجَابَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّحَاوِيُّ بِحَمْلِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَا زَائِدَةٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا : لَا حُجَّةَ فِي الشَّوَاذِّ إِذَا خَالَفَتِ الْمَشْهُورَ ( كَانُوا يُهِلُّونَ ) أَيْ يَحُجُّونَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا ( لِمَنَاةَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ فَأَلِفٍ ثُمَّ تَاءٍ مَخْفُوضٌ بِالْفَتْحَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَائِكَ كَانَتْ تُمَنَّى ، أَيْ تُرَاقُ عِنْدَهَا وَهِيَ صَنَمٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَتْ صَخْرَةً نَصَبَهَا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لِهُذَيْلٍ ، فَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا . ( وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ مُقَابِلَ ( قُدَيْدٍ ) بِضَمِّ الْقَافِ ، وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ ، ثُمَّ مُهْمَلَةٌ ، قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ - قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى - ثَنْيَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى قُدَيْدٍ . ( وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ ) - بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ، أَيْ يَتَحَرَّزُونَ ( أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ) أَيْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْحَرَجِ ، وَهُوَ الْإِثْمُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ : يَتَحَنَّثُ وَيَتَأَثَّمُ ، أَيْ يَنْفِي الْحِنْثَ وَالْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا ، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِمَنَاةَ . ( فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ) وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَهْلٍ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ : إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ عَنْ هِشَامٍ ، وَخَالَفَ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ ، يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ ، ثُمَّ يَجِيؤُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ تَحَرُّجَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِئَلَّا يَفْعَلُوا فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَعَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ أَفْعَالَهَا إِلَّا مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّارِعُ ، فَخَشَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَبْطَلَهُ ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَنْصَارَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا فَرِيقَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ ، وَاشْتَرَكَ الْفَرِيقَانِ فِي الْإِسْلَامِ فِي التَّوَقُّفِ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا ، لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْجَمْعِ الْبَيْهَقِيُّ ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ وَهْمٌ ، فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا قَطُّ عَلَى شَطِّهِ ، وَإِنَّمَا كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنَاةُ مِمَّا يَلِي جِهَةَ الْبَحْرِ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ ، وَلِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ : كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا يَمْسَحُونَ بِهِمَا . وَسَقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ : إِهْلَالُهُمْ أَوَّلًا لِمَنَاةَ ، فَكَأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ يَبْدَؤونَ بِهَا ، ثُمَّ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ ، فَمِنْ ثَمَّ تَحَرَّجُوا عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَاصِمٍ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَعْلَامُ مَنَاسِكِهِ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ . فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ إِثْمَ ( عَلَيْهِ ) فِي أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : قَالَتْ : فَطَافُوا . وَزَادَ أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ . وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ بِالسُّنَّةِ ، لَا نَفْيَ الْفَرِيضَةِ لِقَوْلِهَا : مَا أَتَمَّ اللَّهُ . . . إِلَخْ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ وَاجِبٌ ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَصَى وَجَبَرَ بِالدَّمِ وَصَحَّ حَجُّهُ . وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . وَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : إِنَّهُ تَطَوُّعٌ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 184 ) لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا إِلَى خُصُوصِ السَّعْيِ ، لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَتِ الْأَنْصَارُ : إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ صَنَمٌ بِالصَّفَا يُدْعَى إِسَافٌ ، وَوَثَنٌ بِالْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَةَ ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ رَمَى بِهِمَا ، وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ أَوْثَانِهِمْ ، فَأَمْسَكُوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ . وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَزَادَ فِيهِ : يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَوُضِعَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا ، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ عُبِدَا . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُبَاحَثَةِ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ ، وَاسْتِنْبَاطِهِ بِحُضُورِهِ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَتَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ : أَرَأَيْتَ ، وَلَفْظِ : مَا أَرَى ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُنْكِرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَأَبُو دَاوُدَ هُنَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ - الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِنَحْوِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ هِشَامُ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَغَيْرِهِمَا بِنَحْوِهِ .