848 حَدِيثٌ مُوفِي ثَلَاثِينَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا وَوَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ . هَكَذَا يَرْوِيهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ وَقُتَيْبَةُ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ . حَدَّثَنَاهُ خَلَفٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ هَكَذَا . قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعُثْمَانِيُّ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَيْلَكَ ارْكَبْهَا . اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رُكُوبِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرُكُوبِ الْهَدْيِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ كَرَاهِيَةُ رُكُوبِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَكَرِهَ مَالِكٌ رُكُوبَ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ شُرْبَ لَبَنِ الْبَدَنَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ رَيِّ فَصِيلِهَا ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ نَقَصَهَا الرُّكُوبُ أَوْ شُرْبُ لَبَنِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا وَقِيمَةُ مَا نَقَصَهَا الرُّكُوبُ . وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّهُ مَا خَرَجَ لِلَّهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا لَجَأْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيْلَكَ ، فَمَخْرَجُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ إِذْ أَبَى مِنْ رُكُوبِهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَقَالَ لَهُ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ أَنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : الْوَيْلُ لَكَ فِي مُرَاجَعَتِكَ إِيَّايَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ : وَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ ، وَوَيْحٌ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا · ص 296 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة في قول النبي لرجل يسوق بدنة اركبها · ص 252 848 811 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ ، أَوِ الثَّالِثَةِ . 17525 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الِاخْتِلَافَ عَلَى أَبِي الزِّنَادِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالِاخْتِلَافَ أَيْضًا فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . 17526 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رُكُوبِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ . 17527 - فَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَغَيْرِ ضَرُورَةٍ . 17528 - وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْكَبْهَا . 17529 - وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرُكُوبِ الْهَدْيِ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . 17530 - وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : كَرَاهِيَةُ رُكُوبِ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . 17531 - وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ شُرْبَ لَبَنِ الْبَدَنَةِ . وَإِنْ كَانَ بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا . قَالَ : فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 17532 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ نَقَصَهَا الرُّكُوبُ أَوْ شَرِبَ لَبَنَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا ، وَقِيمَةُ مَا نَقَصَهَا الرُّكُوبُ . 17533 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ مَا خَرَجَ لِلَّهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ . 17534 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني أحمد بن حنبل ، قال : حدثني يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا . 17535 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَذِنَ فِي رُكُوبِ الْهَدْيِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَيَانًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا يَخْرُجُ لِلَّهِ ، وَلَوْ وَجَبَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ يُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ ، وَقَدْ سَكَتَ عَنْ إِيجَابِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَمَا سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُ ، وَالذِّمَّةُ بَرِيئَةٌ إِلَّا بِيَقِينٍ . 17536 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيْلَكَ فَمَخْرَجُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ إِذْ أَبَى مِنْ رُكُوبِهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَقَالَ لَهُ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ أَنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : الْوَيْلُ لَكَ فِي مُرَاجَعَتِكَ إِيَّايَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَأَعْرِفُ . 17537 - وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ : وَيْلَكَ كَلِمَةُ عَذَابٍ : وَوَيْحَكَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ . وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْهَدْيِ · ص 483 838 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ، فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ . 848 838 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ ( يَسُوقُ بَدَنَةً ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : مُقَلَّدَةٌ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : مُقَلَّدَةٌ نَعْلًا ، وَالْبَدَنَةُ تَقَعُ عَلَى الْجَمَلِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا كَانَ هَدْيًا . وَفِي الْبُخَارِيِّ : قَالَ مُجَاهِدٌ : سُمِّيَتِ الْبُدْنَ بِبَدَنِهَا ، بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِضَمِّهَا وَسُكُونِ الدَّالِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لِبَدَانَتِهَا ، أَيْ سِمَنِهَا . وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِنَّمَا سَمِّيَتِ الْبُدْنَ مِنْ قِبَلِ السِّمَانَةِ ( فَقَالَ : ارْكَبْهَا ) لِضَرُورَتِكَ ، فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بدنة وَقَدْ أُجْهِدَ ، فَقَالَ لَهُ : ارْكَبْهَا . ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ) أَيْ : هَدْيٌّ ( فَقَالَ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ، فِي الثَّانِيَةِ ، أَوِ الثَّالِثَةِ ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالثَّوْرِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عِجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ارْكَبْهَا وَيْحَكَ قَالَ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ : ارْكَبْهَا وَيْحَكَ زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا وَهَذِهِ الطُّرُقُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَدَنَةَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْبَيْتِ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَدْلُولَهَا اللُّغَوِيَّ لَمْ يَحْسُنِ الْجَوَابُ بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ لَأَنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ كَوْنُهَا هَدْيًا ، فَقَالَ : إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً ، وَلِذَا قَالَ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ : وَيْلَكَ ؛ تَأْدِيبًا لِمُرَاجَعَتِهِ مَعَ عَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ ، وَبِهِ جَزْمُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَبَالَغَ فَقَالَ : الْوَيْلُ لِمَنْ رَاجَعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا ، وَلَوْلَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ مَا اشْتَرَطَ لَهَلَكَ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْهُ تَرْكَ رُكُوبِهَا عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي السَّائِبَةِ وَغَيْرِهَا ، فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ فَهِيَ دُعَاءٌ ، وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا : وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ ؛ لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِتَوَقُّفِهِ عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا أَوْ إِثْمٌ ، وَأَنَّ الْإِذْنَ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكَةٍ مِنَ الْجُهْدِ ، وَوَيْلٌ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ ، فَالْمَعْنَى أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ ، فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَارٌ ، وَقِيلَ : هِيَ كَلِمَةٌ تُدَعِّمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا ، وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِمْ : لَا أُمَّ لَكَ ، وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ وَيْحَكَ بَدَلَ وَيْلَكَ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : وَيْلَكَ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ يَسْتَحِقُّهَا ، وَوَيْحٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا . وَفِي الْحَدِيثِ تَكْرِيرُ الْفَتْوَى ، وَالنَّدْبُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَزَجْرُ مَنْ لَمْ يُبَادِرْ وَتَوْبِيخُهُ ، وَجَوَازُ مُسَايَرَةِ الْكِبَارِ فِي السَّفَرِ ، وَأَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِلصَّغِيرِ لَا يَأْنَفُ عَنْ إِرْشَادِهِ إِلَيْهَا ، وَاحْتَجَّ بِإِطْلَاقِهِ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ( سُورَةُ الْحَجِّ : الْآيَةُ 33 ) مَنْ أَجَازَ رُكُوبَ الْهَدْيِ اخْتِيَارًا حَيْثُ لَا يَضُرُّهَا . وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَرِهَهُ الْجُمْهُورُ ، وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، مَرْفُوعًا : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا قَالَ الْمَازِرِيُّ : لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ وَالْمُقَيَّدُ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ ، وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ خَرَجَ عَنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ ، وَلَوْ أُبِيحَ النَّفْعُ بِلَا ضَرُورَةٍ أُبِيحَ إِجَارَتُهُ ، وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ ، ثُمَّ إِذَا رَكِبَ لِلْعُذْرِ لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ اسْتِصْحَابًا لِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْهُ أَيْضًا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وُجُودِ غَيْرِهَا ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : يَجِبُ رُكُوبُهَا تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَلِمُخَالَفَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ . وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا كَثِيرًا ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ : أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ هَلْ يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ يَرْكَبُونَ هَدْيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِسْنَادُهُ صَالِحٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْبَدَنَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبَهَا غَيْرُ مُنْهِكِهَا قُلْتُ : هَذَا الْمُرْسَلُ مُقَيَّدٌ بِالْحَاجَةِ ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، فَلَا يُرَدُّ عَلَى أَبِي عُمَرَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالْوَاجِبِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ صَاحِبَ الْبَدَنَةِ عَنْ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابِعِهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ .