990 حَدِيثٌ ثَامِنٌ وَعِشْرُونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ يَحْيَى ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ قَالَ : فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ ، فَأَرْسَلَنِي قَالَ : فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْتُ : مَا بَالُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ : فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ وَجَلَسْتُ . ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ : عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، وَلَمْ يُسَمِّهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ : عَنْ مَالِكٍ عُمَرُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ; مِنْهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ : عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ مَدَنِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، فَقَالَ : هَذَا مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَوْنٍ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي بَابِ عَمْرِو : عمرو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ مَدَنِيٌّ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْيَمَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَمْرُو بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ لَيْسَ هُوَ عُمَرَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَإِنَّمَا الَّذِي رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَجْلَانَ ، وَغَيْرُهُ . وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَوْنٍ ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ مِمَّنْ لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَهُوَ كَبِيرٌ أَكْبَرُ مِنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ ، وَأَظُنُّهُمَا أَخَوَيْنِ ، وَلَكِنَّ عُمَرَ بْنَ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ أَجَلُّ مِنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ وَأَشْهَرُ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَيْسَ لِعَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ فِي الْمُوَطَّأِ ذِكْرٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُقِمِ اسْمَهُ وَصَحَّفَهُ . وَأَمَّا أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، فَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَاسْمُهُ نَافِعٌ يُعْرَفُ بِالْأَقْرَعِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ شِهَابٍ وَحَسْبُكَ ، وَرَوَى عَنْهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْجُلَّةِ . وَأَمَّا أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، فَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ عَلَى اخْتِلَافٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُقَلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ - كَمَا قِيلَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : سَيْفُ اللَّهِ ، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ مِنْ شُجْعَانِ فِتْيَانِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصَرَةٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَّلَهُ سَلَبَ قَتِيلِهِ . وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَسَاقَ سِيَاقَةً حَسَنَةً - وَكَانَ حَافِظًا ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ عِشْرِينَ قَتِيلًا ، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ . وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي ضَرَبْتُ رَجُلًا عَلَى حِبَالِ الْعَاتِقِ ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ ، فَأُعْجِلْتُ عَنْهَا أَنْ آخُذَهَا ، فَانْظُرْ مَعَ مَنْ هِيَ ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنَا أَخَذْتُهَا ، فَأَرْضِهِ مِنْهَا أَوْ أَعْطِنِيهَا ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ . فَقَالَ عُمَرُ : لَا يَنْزِعُهَا مِنْ أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ ، وَيُعْطِيكَهَا . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : صَدَقَ عُمَرُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا مِنِ الْفِقْهِ : مَعْرِفَةُ غَزَاةِ حُنَيْنٍ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهِ عَنْ إِيرَادِهِ ، وَلَوْلَا كَرَاهَتُنَا التَّطْوِيلَ لَذَكَرْنَا هُنَا خَبَرَ تِلْكَ الْغَزَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدُّرَرِ فِي اخْتِصَارِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُزِمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَأَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمُ الْكَرَّةُ بَعْدُ ، وَالظَّفَرَةُ ، وَالْغَلَبَةُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الْآيَةَ ، إلى قوله وَأَنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَوْضِعِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى وُجُوهٍ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى جُلِبَ هَذَا الْحَدِيثُ وَنُقِلَ ، فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُنَفَّلُ إِلَّا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ النَّفَلِ فِي مَذْهَبِهِ ، وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، وَلَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ حُنَيْنٍ قَالَ : وَلَا بَلَغَنِي فِعْلُهُ عَنِ الْخَلِيفَتَيْنِ ، فَلَيْسَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ الْإِمَامُ ، وَالِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ : ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فِيمَا مَضَى ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَازِمًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ السَّلَبَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِلَا يَمِينٍ ، وَيَخْرُجُ ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنَ الْخُمُسِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ مُؤْتَنَفٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَلْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ مَنْ كَانَ قَدْ حَازَهُ لِنَفْسِهِ فِي الْقِتَالِ ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْهُ ، فَأَمَرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالسَّلَبُ مِنَ النَّفَلِ ، وَالْفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَلَا نَفَلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ ، وَلَا نَفَلَ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ ، وَيَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَآخِرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ : مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْفِكَ أَحَدٌ دَمَهُ عَلَى هَذَا ، وَقَالَ : هُوَ قِتَالٌ عَلَى جُعْلٍ ، وَكَرِهَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ : مَنْ قَاتَلَ فَلَهُ كَذَا ، وَمَنْ بَلَغَ مَوْضِعَ كَذَا فَلَهُ كَذَا ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا أَوْ نِصْفُ مَا غَنِمَ قَالَ : وَإِنَّمَا نَفَّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْقِتَالِ . هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ مِنْ غَنِيمَةِ الْجَيْشِ حُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، والليث ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، قَالَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إِنَّمَا يَكُونُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ إِذَا قَتَلَ قَتِيلَهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ عَنْهُ ، فَلَا سَلَبَ لَهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَكْحُولٌ : السَّلَبُ مَغْنَمٌ ، وَيُخَمَّسُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يُخَمَّسُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا السَّلَبَ ، فَإِنَّهُ لَا يُخَمَّسُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : بَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الزَّآرَةِ ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ ، فَبَلَغَ سَلَبُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ : إِنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا كَثِيرًا ، وَلَا أَرَانَا إِلَّا خَامِسِيهِ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ حَمَلَ عَلَى مَرْزُبَانَ الزَّآرَةِ ، فَطَعَنَهُ طَعْنَةً دَقَّ قُرْبُوسَ سَرْجِهِ وَقَتَلَهُ وَسَلَبَهُ ، فَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بِهَذَا الْقَوْلِ : إِذَا اسْتَكْثَرَ الْإِمَامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ ، وَذَلِكَ إِلَيْهِ . وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ أَبَا قَتَادَةَ فَقَتَلَ مَلِكَ فَارِسٍ بِيَدِهِ ، وَعَلَيْهِ مِنْطَقَةٌ ثَمَنُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَنَفَّلَهُ عُمَرُ إِيَّاهَا . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ : بَلَغَنِي أَنَّكَ بَارَزْتَ دِهْقَانًا وَقَتَلْتَهُ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ ، وَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ مَرْفُوعًا : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا كَانَ لَهُ سَلَبُهُ ، نَادَى بِهِ الْإِمَامُ أَمْ لَمْ يُنَادِ ، مُقْبِلًا قَتَلَهُ أَوْ مُدْبِرًا ، هَارِبًا أَوْ مُبَارِزًا ، إِذَا كَانَ فِي الْمَعْرَكَةِ ، وَلَيْسَ سَبِيلُ السَّلَبِ سَبِيلَ النَّفَلِ ; لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يَكُونُ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِهِ قَبْلُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ : لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ سَلَبَهُ لَهُ ; إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَعْمَعَةِ الْقِتَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَرُدُّ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ لِاشْتِرَاطِهِ فِي السَّلَبِ الْقَتْلَ فِي الْمَعْرَكَةِ خَاصَّةً . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : السَّلَبُ لِكُلِّ قَاتِلٍ ، فِي مَعْرَكَةٍ كَانَ أَوْ غَيْرِ مَعْرَكَةٍ ، فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ ، وَالْهُرُوبِ وَالِانْتِهَازِ - عَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِعُمُومِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ لَمْ يَخُصَّ حَالًا مِنْ حَالٍ ، وَاحْتَجُّوا - أَيْضًا - بِخَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ حُجَّةٌ لِأَبِي ثَوْرٍ ، وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ سَلَمَةَ لَمْ يَقْتُلْهُ إِلَّا مُلَاقِيًا وَمُتَحَيِّلًا فِي قَتْلِهِ مُغَافِصًا لَهُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ بَارَزَهُ . وَأَخْبَرَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَوَازِنَ قَالَ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَعُودُ نَتَضَحَّى ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ ، فَانْتَزَعَ طَاقًا مِنْ خُفِّ الْبَعِيرِ ، فَقَيَّدَ بِهِ بَعِيرَهُ ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى قَعَدَ مَعَنَا يَتَغَذَّى ، فَنَظَرَ فِي الْقَوْمِ ، فَإِذَا فِي أَظْهُرِهِمْ رِقَّةٌ ، وَأَكْثَرُهُمْ مُشَاةٌ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقَوْمِ خَرَجَ ، فَانْطَلَقَ يَعْدُو ، فَأَتَى بَعِيرَهُ ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ يَرْكُضُهُ ، وَهُوَ طَلِيعَةٌ لِلْكُفَّارِ ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَّا مِنْ أَسْلَمَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ وَرْقَاءَ ، قَالَ إِيَاسُ : قَالَ أَبِي : فَاتَّبَعْتُهُ أَعْدُو قَالَ : وَالنَّاقَةُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ ، فَلَحِقْتُهُ ، فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى آخُذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ ، فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ، فَضَرَبْتُ رَأْسَهُ ، فَبَرَدَ ، ثُمَّ جِئْتُ بِنَاقَتِهِ أَقُودُهَا عَلَيْهَا سَلَبُهُ ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ النَّاسِ ، فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ ؟ قَالُوا : ابْنُ الْأَكْوَعِ ، قَالَ : لَكَ سَلَبُهُ أَجْمَعُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ بَارَزَ رَجُلًا ، فَقَتَلَهُ ، فَنَفَّلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَهُ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِمَذْهَبِهِمْ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَ قَتِيلِهِ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ ، مُقْبِلًا بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، أَحْسَنُهَا عِنْدِي مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ قَالَ : لَيْسَ الْحَدِيثُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ عَلَى عُمُومِهِ لِاجْتِمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ أَسِيرًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ شَيْخًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَلَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ دَفَّفَ عَلَى جَرِيحٍ ، أَوْ قَتَلَ مَنْ قَدْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ الْمُنْهَزِمُ لَا يَمْتَنِعُ فِي انْهِزَامِهِ ، وَهُوَ كَالْمَكْتُوفِ ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَعَلَ السَّلَبَ لِمَنْ فِي قَتْلِهِ مَعْنًى زَائِدٌ ، وَلِمَنْ فِي قَتْلِهِ فَضِيلَةٌ ، وَهُوَ الْقَاتِلُ فِي الْإِقْبَالِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُؤْنَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى مَنْ فِي قَتْلِهِ مُؤْنَةٌ ، وَلَهُ شَوْكَةٌ ، وَأَمَّا مَنْ أُثْخِنَ فَلَا ، وَلَوْ كَانَ - كَمَا زَعَمُوا - كَانَ الَّذِي أَثْخَنَهُ أَوْلَى بِسَلَبِهِ ، وَلَيْسَ بِقَاتِلٍ ، وَالسَّلَبُ إِنَّمَا هُوَ لِلْقَاتِلِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ : الْغَنِيمَةُ كُلُّهَا مَقْسُومَةٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا إِلَّا السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ فِي الْإِقْبَالِ ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَّلَ أَبَا قَتَادَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ ، وَمَا نَفَّلَهُ إِيَّاهُ إِلَّا بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ ، وَنَفَّلَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ثِيَابَ مَرْحَبٍ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَنَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ عَدَدًا أَسْلَابًا ، وَيَوْمَ أُحُدٍ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ أَسْلَابَ قَتْلَاهُمْ قَالَ : وَمَا عَلِمْتُهُ حَضَرَ مَحْضَرًا فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا فِي الْإِقْبَالِ إِلَّا نَفَّلَهُ سَلَبَهُ . قَالَ : وَلَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَمَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ ، فَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ ذَلِكَ من رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَغَازِي ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ السِّيَرِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ ، فَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ ، وَأَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ بَارَزَ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا فَقَتَلَهُ ، فَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَبَهُ ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ نَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ ، وَلَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ ، وَمَعَهَا خِنْجَرٌ ، فَقَالَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا مَعَكِ ؟ قَالَتْ : أَرَدْتُ وَاللَّهِ إِنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَنْ أَبْعَجَ بِهِ بَطْنَهُ ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ هَذَا أَصْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي ، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ فَتَيَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا ، فَعَرَفَنِي أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ لِي : يَا عَمِّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي ؟ قَالَ : أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا قَالَ : فَتَعَجَّبْتُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ : وَغَمَزَنِي الْآخَرُ ، فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَلَمْ أَنْشَبَ أَنْ رَأَيْتُ أَبَا جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ ، فَقُلْتُ لَهُمَا : أَلَا تَرَيَانِ ؟ هَذَا هُوَ صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِي عَنْهُ ، فَابْتَدَرَاهُ ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفِهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَخْبَرَاهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّكُمَا قَتَلَهُ ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا قَتَلْتُهُ قَالَ : فَهَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا ؟ قَالَا : لَا ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى سَيْفِهِمَا ، فَقَالَ : كِلَاكُمَا قَتَلَهُ ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَاجِشُونُ قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، وَأَبِي ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدْ ضَرَبْتُ رِجْلَهُ ، وَهُوَ صَرِيعٌ ، وَهُوَ يَذُبُّ النَّاسَ عَنْهُ بِسَيْفِهِ ، فَذَكَرَ قِصَّةً قَالَ : فَأَخَذْتُ سَيْفَهُ ، فَضَرَبْتُهُ حَتَّى بَرَدَ ، وَزَادَ فِيهِ أَبِي ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، فَنَفَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيْفَهُ . وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآثَارِ مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، نَادَى بِهِ الْإِمَامُ أَمْ لَمْ يُنَادِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوا قَبْلَ نُزُولِ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ ، وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ ، وَيُنَادِيَ بِهِ عَلَى حَسْبَمَا يَرَاهُ ، وَأَنَّ لَهُ مَنْعَ الْقَاتِلِ مِنَ السَّلَبِ ، وَلَهُ إِعْطَاؤُهُ عَلَى حَسْبَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ، وَرَافَقَنِي مُوْدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ ، فَنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَزُورًا ، فَسَأَلَهُ الْمُودِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ ، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَعَدَ لَهُ الْمُودِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ ، وَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ ، فَخَرَّ ، وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ ، قَالَ عَوْفٌ : فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا خَالِدُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ ، فَقُلْتُ : لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ; قَالَ عَوْفٌ : فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمُودِيِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا خَالِدُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْثَرْتُهُ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا خَالِدُ رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ . فَقَالَ عَوْفٌ : دُونَكَ يَا خَالِدُ ، أَلَمْ أَفِ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَالَ : يَا خَالِدُ لَا تَرُدَّهُ عَلَيْهِ ; هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي ؟ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ ، وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ سَأَلْتُ ثَوْرًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَنِي عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - نَحْوَهُ . وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ ، وَمَعْنَاهُ . قَالَ الْفَزَارِيُّ : وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ صَفْوَانَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ بِنَحْوِ حَدِيثِ صَفْوَانَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ السَّلَبَ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ إِذَا أَمْضَى ذَلِكَ الْإِمَامُ ، وَرَآهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إليه ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْعَبْدِيِّ قَالَ : كُنَّا بِالْقَادِسِيَّةِ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، عَلَيْهِ السِّلَاحُ وَالْهَيْئَةُ ، فَقَالَ : مَرْدٌ ، وَمَرْدٌ . يَقُولُ : رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ ، فَعَرَضْتُ عَلَى أَصْحَابِي أَنْ يُبَارِزُوهُ ، فَأَبَوْا ، وَكُنْتُ رَجُلًا قَصِيرًا قَالَ : فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ ، فَصَاحَ صَوْتًا ، وَهَدَرَ ، وَصِحْتُ ، وَكَبَّرْتُ ، وَحَمَلَ عَلَيَّ ، فَاحْتَمَلَنِي ، فَضَرَبَ بِي قَالَ : وَتَمِيلُ بِهِ فَرَسُهُ ، فَأَخَذْتُ خِنْجَرَهُ ، فَوَثَبْتُ عَلَى صَدْرِهِ ، فَذَبَحْتُهُ قَالَ : وَأَخَذْتُ مِنْطَقَةً لَهُ ، وَسَيْفًا ، وَدِرْعًا ، وَسِوَارَيْنِ ، فَقُوِّمَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، فَأَتَيْتُ بِهِ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ ، فَقَالَ : رُحْ إِلَيَّ ، وَرُحْ بِالسَّلَبِ ; قَالَ : فَرُحْتُ إِلَيْهِ ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : هَذَا سَلَبُ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، خُذْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ، فَنَفَّلَنِيهِ كُلَّهُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ السَّلَبِ إِلَى الْأَمِيرِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ فِي قِصَّةِ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : بَارَزْتُ رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقَتَلْتُهُ ، وَأَخَذْتُ سَلَبَهُ ، فَأَتَيْتُ سَعْدًا ، فَخَطَبَ سَعْدٌ أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَلَبُ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ لَهُوَ خَيْرٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَإِنَّا قَدْ نَفَّلْنَاهُ إِيَّاهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ قَضَاءً مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا احْتَاجَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَنْ يُضِيفُوا ذَلِكَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِاجْتِهَادِهِمْ ، وَلَأَخَذَهُ الْقَاتِلُ دُونَ أَمْرِهِمْ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ ، وَادَّعَى سَلَبَهُ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : يُكَلَّفُ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَهُ ، وَكَانَ لَهُ سَلَبُهُ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَبِأَنَّهُ حَقٌّ يَسْتَحِقُّ مِثْلَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا قَالَ إنَّهُ قَتَلَهُ أُعْطِيَ سَلَبَهُ ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ بَيِّنَةً . وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفَرِ يَضْرِبُونَ الرَّجُلَ الْكَافِرَ ضَرَبَاتٍ مُخْتَلِفَةً ، فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ، فَالسَّلَبُ لِقَاطِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، فَإِنْ ضَرَبَهُ وَأَثْبَتَهُ ، وَبَقِيَ مَعَهُ مَا يَمْتَنِعُ بِهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ، كَانَ السَّلَبُ لِلْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ السَّلَبُ لِمَنْ صَيَّرَهُ بِحَالٍ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا . وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي مُبَارِزٍ عَانَقَ رَجُلًا ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : السَّلَبُ لِلْمُعَانِقِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ . وَفِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ لَهَا فُرُوعٌ لَوْ ذَكَرْنَاهَا خَرَجْنَا عَنْ تَأْلِيفِنَا ، وَفِيمَا أَوْرَدْنَا مِنْ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هِيَ الْجُنَيْنَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ مَا يُخْرَفُ ، وَيُخْتَرَفُ ، أَيْ : يُحْفَظُ ، وَيُجْتَنَى ، وَهُوَ الْحَائِطُ الَّذِي فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ ، قَالُوا : وَالْحَائِطُ يُقَالُ لَهُ بِالْحِجَازِ الْخَارِفُ ، وَالْخَارِفُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ : الَّذِي يَجْتَنِي لَهُمُ الرُّطَبَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يُقَالُ النَّخْلُ بِعَيْنِهِ مَخْرَفٌ قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ : إِنَّ لِي مَخْرَفًا . قَالَ : وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخَارِفِ الْجَنَّةِ . قَالَ : وَاحِدُهَا مَخْرَفٌ ، وَهُوَ جَنْيُ النَّخْلِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَخْرَفًا ; لِأَنَّهُ يُخْرَفُ مِنْهُ أَيْ يُجْتَنَى مِنْهُ . قَالَ الْأَخْفَشُ : الْمَخْرَفُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّخْلِ الَّتِي يُخْتَرَفُ مِنْهَا الثمر ، وَالْمَخْرَفُ بِفَتْحِ الْمِيمِ النَّخْلُ - أَيْضًا - . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ - فَإِنَّهُ أَرَادَ أَوَّلَ أَصْلٍ بَاقٍ مِنَ الْمَالِ اقْتَنَاهُ وَجَمَعَهُ ، وَمَنِ اكْتَسَبَ مَا يَبْقَى وَيُحْمَدُ ، فَقَدْ تَأَثَّلَ . قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي وَقَالَ لَبِيدٌ : لِلَّهِ نَافِلَةُ الْأَجَلِّ الْأَفْضَلِ وَلَهُ الْعُلَى وَأَثِيثُ كُلِّ مُؤَثَّلِ وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ عُمَرَ فِي وَقْفِهِ أَرْضَهُ قَالَ : وَلِمَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ خَرَجْنَا مَع رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ · ص 242 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي قتادة مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ · ص 132 990 ( 10 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّلَبِ فِي النَّفْلِ 946 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ ؛ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً ، وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، قَالَ : فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْتُ : مَا بَالُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ : فَقُمْتُ ، ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ فَقُمْتُ ، ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ . ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ قَالَ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا هَاءَ اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا ، فِي بَنِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . 19730 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَمْرُو بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَالْأَكْثَرُ يَقُولُونَ : عُمَرُ بْنُ كَثِيرٍ . 19731 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ . 19732 - وَذَكَرْنَا أَبَا قَتَادَةَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ . 19733 - وَالْغَايَةُ الَّتِي سِيقَ لَهَا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَالْغَرَضُ الْمَقْصُودُ بِهِ إِلَيْهِ هُوَ حُكْمُ السَّلَبِ ، وَهُوَ بَابٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ . 19734 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ . بَعْدَ أَنْ بَرُدَ الْقِتَالُ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ حُنَيْنٍ . 19735 - قَالَ : وَلَا بَلَغَنِي عَنْ ذَلِكَ عَنِ الْخَلِيفَتَيْنِ ، وَلَيْسَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ ، وَالِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ . 19736 - قَالَ مَالِكٌ : وَالسَّلَبُ مِنَ النَّفْلِ ، وَلَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا نَفْلَ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ . 19737 - وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ : مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْفِكَ أَحَدٌ دَمَهُ عَلَى هَذَا وَقَالَ : هُوَ قِتَالٌ عَلَى جُعْلٍ وَكَرِهَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ : مَنْ قَاتَلَ فَلَهُ كَذَا وَمَنْ بَلَغَ مَوْضِعَ كَذَا فَلَهُ كَذَا ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا أَوْ نِصْفُ مَا غَنِمَ . 19738 - قَالَ : وَإِنَّمَا نَفَّلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ الْقِتَالِ . 19739 - هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ . 19740 - وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ . 19741 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى أَنَّ السَّلَبَ مِنْ غَنِيمَةِ الْجَيْشِ حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَهُ . 19742 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، قَالَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ ؛ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا يُحْتَاجُ لِذَلِكَ إِلَى إِذْنِ الْإِمَامِ فِيهَا . 19743 - إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إِنَّمَا يَكُونُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ إِذَا قَتَلَهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ ، فَلَا سَلَبَ لَهُ . 19744 - وَمِنْ حُجَّتِهِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أن لا سَلَبَ لِمَنْ قَتَلَ طِفْلًا أَوْ شَيْخًا هَرِمًا أَوْ أَجْهَزَ عَلَى جَرِيحٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ ذَفَّفَ عَلَى جَرِيحٍ ، أَوْ عَلَى مَنْ قُطِعَ فِي الْحَرْبِ مِنْ أَعْضَائِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ . 19745 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ إِنَّمَا حَكَى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمَنْ فِي قَتْلِهِ مُؤْنَةٌ وَشَوْكَةٌ ، وَهُوَ الْمُقَاتِلُ لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَدَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 19746 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ : السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، مُقْبِلًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ مُدْبِرًا ، عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . 19747 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الشَّامِ : إِذَا كَانَتِ الْمَعْمَعَةُ وَالْتَحَمَتِ الْحَرْبُ ، فَلَا شَيْءَ سَلَبٌ حِينَئِذٍ لِقَاتِلٍ . 19748 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي السَّلَبِ : السَّلَبُ لِكُلِّ قَاتِلٍ فِي مَعْرَكَةٍ كَانَ أَوْ غَيْرِ مَعْرَكَةٍ ، مُقْبِلًا كَانَ أَوْ مُدْبِرًا ، أَوْ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . 19749 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ : السَّلَبُ مَغْنَمٌ ، وَيُخَمَّسُ . 19750 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُخَمَّسُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ إِلَّا السَّلَبُ فَإِنَّهُ لَا يُخَمَّسُ . 19751 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالطَّبَرِيِّ . 19752 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ عَلَى عَهْدِ رُسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . 19753 - وَمِنْ حُجَّتِهِ : مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ، ولَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ . 19754 - وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : يُخَمَّسُ السَّلَبُ . 19755 - وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ خَمَّسَهُ ، وإِنْ شَاءَ لَمْ يُخَمِّسْهُ . 19756 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مِنْ خَمَّسَ السَّلَبَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ سَلَبًا وَلَا نَفْلًا . 19757 - وَحَجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ خُمُسًا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . فَمَلَّكَهُ إِيَّاهُ . وَلَمْ يَسْتَثْنِ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَا اسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا مِنْ سُنَّتِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ ، غَيْرَ سَّلَبِ الْقَاتِلِ . 19758 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : بَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَقَتَلَهُ ، فَأَخَذَ سَلَبَهُ ، فَبَلَغَ سَلَبُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ إِنَّا ، كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا كَثِيرًا ، وَلَا أَرَانَا إِلَّا خَامِسِيهِ . 19759 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ عَوْفٍ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ ، حَمَلَ عَلَى مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً دَقَّ قَرَبُوسَ سَرْجِهِ ، وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ . . فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ . 19760 - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : فَحَدَّثَنِي ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الْإِسْلَامِ . 19761 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِذَا اسْتَكْثَرَ الْإِمَامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ ، وَذَلِكَ إِلَيْهِ . 19762 - وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ قَتَادَةَ ، فَقَتَلَ مَلِكَ فَارِسَ بِيَدِهِ ، وَعَلَيْهِ مِنْطَقَةٌ ثَمَنُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَنَفَّلَهُ عُمَرُ إِيَّاهَا . 19763 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إِلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَقَدْ بَلَغَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ . 19764 - وَقَدْ نَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَدْرٍ وَغَيْرِهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ بِالتَّمْهِيدِ أَنَّهُ دَلَّ مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ عَلَى أَبِي جَهْلٍ ، فَحَمَلَا عَلَيْهِ ، فَصَرَعَاهُ ، ثُمَّ أَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا قَتَلْتُهُ ، فَنَظَرَ إِلَى سَيْفَيْهِمَا ، فَقَالَ : كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وقضى بِسَلَبِهِ لَهُمَا . 19765 - وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ ، أَنَّهُ وَجَدَهُ مُثْخَنًا فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ به ، فَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ . 19766 - وَمَا رَوَاهُ أَيْضًا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا ، فَلَهُ كَذَا وكَذَا مِنَ النَّفْلِ فَتَصَارَعَ الشُّبَّانُ ، وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الدَّابَّةَ ، فَلَمْ يَبْرَحُوهَا ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَاءَ الشُّبَّانُ يَطْلُبُونَ مَا جُعِلَ لَهُ ، وَجُعِلَ لَهُ ، فَقَالَ الشُّيُوخُ : لَا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنَا ، فَإِنَّا كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ ، وَفِيهِ : لَوِ انْكَشَفْتُمْ ، فَأَنْزَلُ اللَّهُ تَعَالَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ أَنْفَالًا نَفَّلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . 19767 - وَأَمَّا الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ السَّلَبَ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ إِلَّا أَنْ يُنَادِيَ بِهِ الْإِمَامُ ، وَأَنَّهُ مَرْدُودٌ إِلَى اجْتِهَادِهِ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ قَضِيَّةً أَمْضَاهَا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، وَقِصَّتُهُ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي أَمْرِ اَلْمَدَدِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ اَلْمَدَدِيَّ قَتَلَ اَلرُّومِيَّ وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَانْتَزَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَقَالَ لَهُ عَوْفٌ : أُرْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَهُ تَامًّا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَوْفٌ : فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقْصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ بِالْمَدَدِيِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَالِدٍ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! اسْتَكْثَرْتُ نَفْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ ، فَقَالَ عَوْفٌ لِخَالِدٍ : كَيْفَ رَأَيْتَ يَا خَالِدُ أَلَمْ أَفِ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : يَا خَالِدُ : لَا تَرُدُّهُ عَلَيْهِ ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي ؟ لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ ، وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ . 19768 - ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ : سَأَلْتُ ثَوْرًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَنِي عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَهُ . 19769 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ مُدْبِرًا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَتَلَ الْقَتِيلَ ، فَهُوَ إِذْنٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ الْقَتِيلَ ؟ قَالُوا : سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ . 19770 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ مَا يُرَادُ لَا مُقْبِلًا وَلَا هَارِبًا ، بَلْ فِيهِ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ مُخَاتِلًا مُخَادِعًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 19771 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ ، وَادَّعَى سَلَبَهُ : 19772 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : يُكَلَّفُ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ حَلِفَ مَعَهُ ، وَكَانَ سَلَبُهُ لَهُ . 19773 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَبِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ مِثْلُهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ . 19774 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . 19775 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : ظَاهِرُ حَدِيثِ [ أَبِي ] قَتَادَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فِي مَا مَضَى ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَازِمًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ السَّلَبَ - بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، بِلَا يَمِينٍ وَمَخْرَجُ ذَلِكَ عَلَى اجْتِهَادٍ مِنَ الْخُمُسِ ؛ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً ، وَالْقَضَاءُ فِيهِ مُؤْتَنِفٌ . 19776 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : بَلْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُهُ بِهِ مَنْ كَانَ حَازَهُ لِنَفْسِهِ فِي الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْهُ ، فَأَمَرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ دِرْعًا ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّهُ سَلَبُ قَتِيلٍ لَا مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِرِ الْمَغَانِمِ ، وَقَدْ كَانَ بِيَدِهِ مَالًا مِنْ مَالِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ . 19777 - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا قَضِيَّةٌ مَاضِيَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بها فِي مَوَاطِنَ شَتَّى أَلَّا خِيَارَ فِيهَا لِأَحَدٍ . 19778 - وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ . وَفِي هَذَا الْبَابِ :
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي السَّلَبِ فِي النَّفَلِ · ص 30 10 - بَاب مَا جَاءَ فِي السَّلَبِ فِي النَّفَلِ 974 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، قَالَ : فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ : مَا بَالُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، قَالَ : فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ، ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، قَالَ : فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ، ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ، قَالَ : فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا هَاءَ اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ ، فَأَعْطَانِيهِ ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . 10 - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّلْبِ فِي النَّفَلِ 990 974 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ عُمَرَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ كَمَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ لِيَحْيَى ، وَقَوْمٌ : عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ : عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ ، وَهُمَا أَخَوَانِ ، وَعُمَرُ بِالضَّمِّ أَجَلُّ وَأَشْهَرُ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَيْسَ لِعَمْرٍو بِالْفَتْحِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ صَحَّفَهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ( ابْنِ كَثِيرٍ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( ابْنُ أَفْلَحَ ) بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَذَكَرُهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ( عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ) نَافِعِ بْنِ عَبَّاسٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ أَوْ تَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ مَعْرُوفٌ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ ، الْمَدَنِيُّ ، الْأَقْرَعُ ، الثِّقَةُ ( مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ) حَقِيقَةً كَمَا جَزَمَ النَّسَائِيُّ وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِلُزُومِهِ ، وَكَانَ مَوْلَى عَقِيلَةَ الْغِفَارِيَّةِ ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ) الْحَارِثِ أَوِ النُّعْمَانِ أَوْ عَمْرِو ( بْنِ رِبْعِيٍّ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَمُهْمَلَةٍ الْأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ الْمَدَنِيِّ ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَلَمْ يَصِحَّ شُهُودُهُ بَدْرًا ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ ( أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ ) بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ ، وَادٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ ( فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ) مَعَ الْمُشْرِكِينَ ( كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، أَيْ حَرَكَةٌ فِيهَا اخْتِلَاطٌ وَتَقَدُّمٌ وَتَأَخُّرٌ ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ لَفْظِ هَزِيمَةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْجَوْلَةُ فِي الْجَيْشِ كُلِّهِ ، بَلْ ثَبَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَائِفَةٌ مَعَهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِمْ مِائَةٌ ، وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِانْهِزَامُ ، وَلَمْ يُرْوَ قَطُّ أَنَّهُ انْهَزَمَ فِي مَوْطِنٍ ، بَلِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِإِقْدَامِهِ وَثَبَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْمُوَاطِنِ لَا سِيَّمَا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ وَيَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ . ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ وَاسْتَنْصَرَ ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ : شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، فَمَا خَلَقَ اللَّهِ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ ، ثُمَّ تَرَاجَعَ إِلَيْهِ مَنْ وَلَّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ . ( قَالَ ) أَبُو قَتَادَةَ : ( فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أَيْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَأَشْرَفَ عَلَى قَتْلِهِ وَصَرْعِهِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا ( قَالَ : فَاسْتَدَرْتُ لَهُ ) مِنَ الِاسْتِدَارَةِ ، وَيُرْوَى فَاسْتَدْبَرْتُ مِنَ الِاسْتِدْبَارِ ( حَتَّى أَتَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ ) وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَآخَرَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ ، فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي فَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي قَالَ الْحَافِظُ : يَخْتِلُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ يُرِيدُ أَخْذَهُ عَلَى غِرَّةٍ ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ ضَمِيرَ ضَرَبْتُهُ لِهَذَا الثَّانِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَخْتِلَ الْمُسْلِمَ ( عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ عِرْقٌ أَوْ عَصَبٌ عِنْدَ مَوْضِعِ الرِّدَاءِ مِنَ الْعُنُقِ بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْمَنْكِبِ ، وَعُرِفَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الذِّرَاعُ وَالْعَضُدُ إِلَى الْكَتِفِ ، زَادَ التِّنِّيسِيُّ : فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ أَيِ الَّتِي كَانَ لَابِسُهَا وَخَلَصَتِ الضَّرْبَةُ إِلَى يَدِهِ فَقَطَعْتُهَا ( فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ) أَيْ شِدَّةً كَشِدَّتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ قَارَبْتُ الْمَوْتَ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا الْمُشْرِكَ كَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ جِدًّا ( ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ) أَيْ أَطْلَقَنِي ( قَالَ : فَلَقِيتُ عُمَرَ ) فِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَهُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ ، فَإِذَا بِعُمَرَ ( بْنِ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ : مَا بَالُ النَّاسِ ) قَدْ وَلَّوْا ؟ ( فَقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ) أَيْ حُكْمِ اللَّهِ وَمَا قَضَى بِهِ أَوْ أَرَادَ مَا حَالُ النَّاسِ بَعْدَ التَّوَلِّي ، فَقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ غَالِبٌ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . ( ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ) تَرَاجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ : نَادِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا نِدَاءَهُ أَقْبَلُوا كَأَنَّهُمُ الْإِبِلُ . وَفِي رِوَايَةٍ الْبَقَرُ إِذَا حَنَّتْ عَلَى أَوْلَادِهَا يَقُولُونَ : يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ ، فَتَرَاجَعُوا فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَصْدُقُوا الْحَمْلَةَ ، فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْكُفَّارِ ، فَقَالَ : الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا وَقَتَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَانْهَزَمُوا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ) أَوْقَعَ الْقَتِيلَ عَلَى الْمَقْتُولِ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 36 ) ( لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَاللَّامِ وَمُوَحَّدَةٍ ، مَا يُوجَدُ مَعَ الْمُحَارِبِ مِنْ مَلْبُوسٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَعَنْ أَحْمَدَ : لَا تَدْخُلُ الدَّابَّةُ . وَعَنِ الشَّافِعِيِّ : يَخْتَصُّ بِأَدَاةِ الْحَرْبِ . وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعِيهِ بِلَا بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ . وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : يُقْبَلُ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ لِأَبِي قَتَادَةَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لَهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ فَيُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هَنَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ يُكْتَفَى بِهِ . ( قَالَ ) أَبُو قَتَادَةَ : ( فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ) بِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ( ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، قَالَ : فَقُمْتُ ثُمَّ قُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ، ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ذَلِكَ ) الْقَوْلَ الْمَرَّةَ ( الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ ) تَقُومُ وَتَقْعُدُ ( قَالَ : فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : إِنِّي ضَرَبْتُ رَجُلًا عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ فَأَعْجَلْتُ عَنْهُ ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ) وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ مِنْ جُلَسَائِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ أَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ السَّلَبَ قُرَشِيٌّ ( صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) أَبُو قَتَادَةَ ( وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ( مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَا هَاءَ اللَّهِ ) بِالْأَلِفَيْنِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِلَامٍ بَعْدَ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ شَيْءٍ مِنَ الْأَلِفَيْنِ ، وَيَجُوزُ إِظْهَارُ أَلِفٍ وَاحِدَةٍ بِلَا هَمْزَةٍ نَحْوُ : الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ ، وَحَذْفُ الْأَلِفِ وَثُبُوتُ هَمْزَةِ الْقَطْعِ ، وَفِيهِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ، وَلَمْ يُسْمَعْ إِلَّا مَعَ اللَّهِ فَلَا يُقَالُ لَاهَا الرَّحْمَنِ كَمَا سُمِعَ لَا وَالرَّحْمَنِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : الْعَرَبُ تَقُولُ لا هَاءَ اللَّهِ بِالْهَمْزِ ، الْقِيَاسُ تَرْكُهُ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : رُوِيَ يَرْفَعُ اللَّهُ أَيْ يَأْتِي اللَّهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ ثَبَتَ الرَّفْعُ رِوَايَةً فَهَا لِلتَّنْبِيهِ وَاللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَلَا يَعْمِدُ خَبَرُهُ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ، وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَرِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ قَسَمٌ أَيْ لَا وَاللَّهِ ( إِذًا ) بِكَسْرِ الْأَلِف ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُنَوَّنَةٍ كَمَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُحَقَّقَةِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَاهَا اللَّهِ ذَا وَالْهَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ وَالْمَعْنَى لَا وَاللَّهِ يَكُونُ ذَا . وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي عَنِ الْمَازِنِيِّ قَوْلَ الرُّوَاةِ لَاهَا اللَّهِ إِذًا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ لَاهَا اللَّهِ ذَا أَيْ ذَا يَمِينِي وَقَسَمِي . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ إِذًا وَإِنَّمَا هُوَ ذَا وَهِيَ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ لَا وَاللَّهِ هَذَا مَا أُقْسِمُ بِهِ ، وَتَوَارَدَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ لَفْظَ إِذًا خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ ذَا . وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الرِّوَايَةِ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا وَاللَّهِ لَا يُعْطَى إِذًا وَيَكُونُ لَا يَعْمِدُ . . . إِلَخْ ، تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَذْكُورِ وَمُوَضِّحًا لِلسَّبَبِ فِيهِ . وَقَالَ الطَّيْبِيُّ : الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ كَقَوْلِكَ لِمَنْ قَالَ لَكَ افْعَلْ كَذَا : وَاللَّهِ إِذًا لَا أَفْعَلُ ، فَالتَّقْدِيرُ وَاللَّهِ إِذْ لَا يَعْمِدُ . . . إِلَخْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِذًا زَائِدَةً كَمَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ : إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ . فِي جَوَابِ قَوْلِهِ : لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : الرِّوَايَةُ صَوَابٌ فَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي الْقَسَمِ آلَلَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَقَصْرِهَا ، فَكَأَنَّهُمْ عَوَّضُوا مِنَ الْهَمْزَةِ هَاءٌ فَقَالُوا هَا اللَّهِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا وَلِذَا قَالُوا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الَّذِي مَدَّ مَعَ الْهَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَتَيْنِ أُبْدِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَلِفًا اسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِهِمَا كَمَا تَقُولُ : أَأَللَّهُ ، وَالَّذِي قَصَرَ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقُولُ أَلِلَّهِ . وَأَمَّا إِذًا فَهِيَ بِلَا شَكٍّ حِرَفُ جَزَاءٍ وَتَعْلِيلٍ مِثْلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا إِذًا فَلَوْ قَالَ فَلَا وَاللَّهِ إِذًا لَسَاوَى مَا هُنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ لِلْقَسَمِ فَتَرَكَهُ ، فَقَدْ وَضَحَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَكَلُّفٍ بَعِيدٍ يَخْرُجُ عَنِ الْبَلَاغَةِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ جَعَلَ الْهَاءَ لِلتَّنْبِيهِ وَذَا لِلْإِشَارَةِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْمُقْسَمِ بِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا فَيَطَّرِدَ وَلَا فَصِيحًا فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْفَصِيحِ ، وَلَا مَرْوِيًّا بِرِوَايَةٍ ثَابِتَةٍ ، وَمَا وُجِدَ لِلْعُذْرِيِّ وَالْعَبْدَرِيِّ فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَاهَا اللَّهِ ذَا فَإِصْلَاحٌ مِمَّنِ اغْتَرَّ بِكَلَامِ النُّحَاةِ ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْغِرْنَاطِيُّ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُ : اسْتَرْسَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ إِلَى أَنِ اتَّهَمُوا الْأَثْبَاتَ بِالتَّصْحِيفِ فَقَالُوا : الصَّوَابُ ذَا بَاسِمِ الْإِشَارَةِ ، وَيَا عَجَبًا مِنْ قَوْمٍ يَقْبَلُونَ التَّشْكِيكَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ وَيَطْلُبُونَ لَهَا تَأْوِيلَاتٍ ، وَجَوَابُهُمْ أَنَّ هَا اللَّهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْمَ الْإِشَارَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ ، وَأَمَّا جَعْلُ لَا يَعْمِدُ جَوَابَ فَأَرْضِهِ فَهُوَ سَبَبُ الْغَلَطِ وَلَا يَصِحُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَقْدُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَدَقَ فَأَرْضِهِ ، فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : إِذَا صَدَقَ فِي أَنَّهُ صَاحِبُ السَّلَبِ ، إِذًا لَا يَعْمِدُ فَيُعْطِيكَ حَقَّهُ ، فَالْجَزَاءُ صَحِيحٌ لِأَنَّ صِدْقَهُ سَبَّبَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ انْتَهَى . وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَقْعَدُ ، وَيُؤَيِّدُهُ كَثْرَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرَيْرَةَ لَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ الْوَلَاءَ قَالَتْ : فَقُلْتُ : لَا وَاللَّهِ إِذًا ، وَفِي قِصَّةِ جُيبِيبٍ بِالْجِيمِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ : حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا ، قَالَ : فَنَعَمْ إِذًا ، فَذَهَبَ إِلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَتْ : لَا هَاءَ اللَّهِ إِذًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا فُلَانًا ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ لَوْ لَبِسْتَ مِثْلَ عَبَاءَتِي هَذِهِ ، قَالَ : لَا هَاءَ اللَّهِ إِذًا لَا أَلْبَسُ مِثْلَ عَبَاءَتِكَ هَذِهِ . وَفِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فِي مَرَضِهَا فَقَالَ : كَيْفَ أَصْبَحْتِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ ؟ قَالَتْ : أَصْبَحْتُ ذَاهِبَةً ، قَالَ : فَلَا إِذًا ، وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ . وَوَقَعَ أَيْضًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ بِقَسَمٍ وَبِغَيْرِ قَسَمٍ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ لَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ فَقِيلَ : إِنَّهَا طَافَتْ ، فَقَالَ : فَلَا إِذًا . وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فِي سُؤَالِهِ عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ فَقَالَ : عَائِشَةُ ، قَالَ : لَمْ أَعْنِ النِّسَاءَ ؟ قَالَ : فَأَبَوْهَا إِذًا . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَقَالَ : بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ، قَالَ : فَنَعَمْ إِذًا . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ : لَقِيتُ لِبطَةَ بْنَ الْفَرَزْدَقِ فَقُلْتُ : أَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِيكَ ؟ قَالَ : إِي هَا اللَّهِ إِذًا سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي فَلَمْ أَرْضَ كَمَالَهَا أَفَلَا أَعُودُ لَهَا ؟ قَالَ : بَلَى هَا اللَّهِ إِذًا . انْتَهَى مَا اقْتَطَفْتُهُ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي فَقَدْ أَطَالَ النَّفَسَ فِي ذَلِكَ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا . ثُمَّ أَرَادَ بَيَانَ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ ( لَا يَعْمِدُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ لَا يَقْصِدُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِلَى أَسَدٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ إِلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي الشَّجَاعَةِ ( مِنْ أَسَدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ ( يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أَيْ صُدُورِ قِتَالِهِ عَنْ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَيْ بِسَبَبِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةُ 82 ) أَوِ الْمَعْنَى : يُقَاتِلُ ذَبًّا عَنْ دِينِ اللَّهِ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ نَاصِرًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، أَوْ يُقَاتِلُ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَةِ رَسُولِهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا . ( فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ) أَيْ سَلَبَ قَتِيلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ ، وإضَافَة إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْكُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ : ضُبِطَ لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتِيَّةِ فِي يَعْمِدُ وَيُعْطِي ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالنُّونِ فِيهِمَا انْتَهَى . وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ ضَبَطُوهُمَا بِالْيَاءِ وَالنُّونِ وَكِلَاهُمَا ظَاهِرٌ . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ ) أَبُو بَكْرٍ ( فَأَعْطِهِ ) بِهَمْزَةِ قَطْعِ أَمْرٌ لِلَّذِي اعْتَرَفَ بِأَنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُ ( إِيَّاهُ ) أَيِ السَّلَبَ ، وَفِي هَذِهِ مَنْقَبَةٌ جَلِيلَةٌ لِأَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ سَمَّاهُ الصِّدِّيقُ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ وَصَدَقَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَأَعْطَانِيهِ فَبِعْتُ الدِّرْعَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَرَاءٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ ، ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِسَبْعِ أَوَاقٍ فِضَّةً ( فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرِ الرَّاءِ أَيْ بُسْتَانًا ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُخْتَرَفُ مِنْهُ الثَّمَرُ أَيْ يُجْتَنَى ، وَإِمَّا بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهُوَ اسْمُ الْآلَةِ الَّتِي يُخْتَرَفُ بِهَا قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَيَجُوزُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْأَوَّلِ فَقَطْ وَلَا كَذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَخْرَفٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ كَالْمَسْجِدِ أَيِ الْبُسْتَانِ ، وَقِيلَ السِّكَّةُ مِنَ النَّخْلِ يَكُونُ صَفَّيْنِ يَخْتَرِفُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ أَنْ يَجْتَنِيَ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هِيَ الْجُنَيْنَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ تخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ خِرَافًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الثَّمَرُ الَّذِي يُخْتَرَفُ أَيْ يُجْتَنَى ، وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْبُسْتَانِ مَجَازًا فَكَأَنَّهُ قَالَ : بُسْتَانُ خِرَافٍ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْبُسْتَانَ الْمَذْكُورَ كَانَ يُقَالُ لَهُ الْوِدِّيَّيْنِ ( فِي بَنِي سَلِمَةَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ قَوْمُ أَبِي قَتَادَةَ ( فَإِنَّهُ لِأَوَّلِ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَأَلِفٍ فَمُثَلَّثَةٍ أَيِ اقْتَنَيْتُهُ وَأَصَّلْتُهُ ، وَأَثْلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ ( فِي الْإِسْلَامِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَوَّلُ مَالٍ اعْتَقَدْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ عُقْدَةً ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنَ الْعَقْدِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ : سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ فضيلة الصِّدِّيقِ إِلَّا هَذَا فَإِنَّهُ لِثَاقِبِ عِلْمِهِ وَشِدَّةِ صَرَامَتِهِ وَقُوَّةِ إِنْصَافِهِ وَصِحَّةِ تَحْقِيقِهِ بَادَرَ إِلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ ، فَزَجَرَ وَأَفْتَى وَأَمْضَى وَأَخْبَرَ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَضْرَتِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ بِمَا صَدَقَهُ فِيهِ وَأَجْرَاهُ عَلَى قَوْلِهِ ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ الْكُبْرَى إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ فَضَائِلِهِ الْأُخْرَى انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : إِنِّي ضَرَبْتُ رَجُلًا عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ فَأَعْجَلْتُ عَنْهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَخَذْتُهَا فَأَرْضِهِ مِنْهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ ، فَسَكَتَ فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ لَا يُفِيئُهَا اللَّهُ عَلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِهِ وَيُعْطِيكَهَا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ عُمَرُ قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الْإِسْنَادُ قَدْ أَخْرَجَ بِهِ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَهُوَ أَتْقَنُ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ مِنْ كُلِّ مَقْتُولٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا ، وَفِي الْبَيْعِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَفِي الْمَغَازِي عَنِ التِّنِّيسِيِّ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَهَشِيمٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ .