1037 حَدِيثٌ ثَانٍ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُتْ . . هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنًى وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَزَادَ قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا ذَاكِرًا ، وَلَا آثِرًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنِ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ حَدِيثًا شَدِيدًا : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ ، وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فِي حُكْمِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ النَّجْدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . قِيلَ لَهُ : هَذِهِ لَفْظَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِيهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ أَفْلَحَ ، وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى وَأَبِيهِ ، لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكِرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا لِأَحَدٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ هَلْ تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَحَنِثَ ؟ فَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ فِي أَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ مِنْ إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ ، وَالْعِتْقِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ عِنْدَ ( أَهْلِ ) التَّحْصِيلِ وَالنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ طَلَاقٌ بِصِفَةٍ ، أَوْ عِتْقٌ بِصِفَةٍ إِذَا أَوْقَعَهُ مَوْقِعً وَقَعَ عَلَى حَسْبَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الِاتِّسَاعِ وَالْمَجَازِ وَالتَّقْرِيبِ ، وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَإِنَّمَا هُوَ طَلَاقٌ عَلَى صِفَةٍ مَا وَعِتْقٌ عَلَى صِفَةٍ ، وَلَا يَمِينَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَالَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ مَا قَصَدَ بِهِ فَاعِلَهُ إِلَى الْبِرِّ وَالْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا بَابٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَسَنَذْكُرُ مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ ، وَالِاعْتِلَالِ فِي بَابِ عُثْمَانَ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَلْدَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ أَبِي لُبَابَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَنَذْكُرُ وُجُوهَ الْأَيْمَانِ وَتَقْسِيمَهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَاللَّغْوَ مِنْهَا وَغَيْرَ اللَّغْوِ ، وَأَحْكَامَ كَفَّارَتِهَا فِي بَابِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ( أَيْضًا ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَعَانِيَ الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَاصَّةً ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِمَّا فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ كِتَابِنَا هَذَا أَنْ يَتَّسِعَ الْقَوْلُ فِي أُصُولِهِ وَنُوَضِّحُهَا وَنَبْسُطُهَا ، وَنُلَوِّحُ مِنْ فُرُوعِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ فِيهِ إِذِ الْفُرُوعُ لَا تُحْصَى ، وَلَا تُضْبَطُ إِلَّا بِضَبْطِ الْأُصُولِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . فَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، أَوْ بِالْقُرْآنِ ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَحَنِثَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى مَا وَصَفَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفُرُوعِ ، وَلَيْسُوا فِي هَذَا الْبَابِ بِخِلَافٍ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَصْرِيحَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ هُوَ قَوْلُ الْحَالِفِ بِاللَّهِ أَوْ وَاللَّهِ أَوْ تَاللَّهَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ قَالَ : وَاللَّهِ وَاللَّهِ وَاللَّهِ ، أَوْ وَاللَّهِ وَالرَّحْمَنِ ، أَوْ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ ، أَوْ وَاللَّهِ وَالرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ . فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ : أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ أَبَدًا إِذَا كَرَّرَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ يَمِينٍ فَيَكُونَ كَذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التَّكْرَارَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا قَالَ : وَاللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهُمَا يَمِينَانِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْيَمِينَ الْأُولَى ، فَتَكُونَ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَلَوْ قَالَ : وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ : وَاللَّهِ الْعَظِيمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إِذَا أَدْخَلَ الْوَاوَ ، وَقَالَ زُفَرُ : إِذَا قَالَ : وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ حَلَفَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِرَارًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ التَّكْرَارَ ، فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، وَأَرَادَ التَّغْلِيظَ فَهُمَا يَمِينَانِ ، وَإِنْ حَلَفَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَهُمَا يَمِينَانِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : هِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ يَمِينًا أُخْرَى ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ ( فُلَانًا ) ، وَاللَّهَ وَاللَّهَ لَا أُكَلِّمُ فَلَانًا فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فَلَانًا ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فَلَانًا فَيَمِينَانِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَيْمَانٍ كَثِيرَةٍ فِي مَجْلِسٍ ، أَوْ مَجَالِسَ فَحَنِثَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ . وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا قال : أُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّهَا يَمِينٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ قَالَ : أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ أَوْ أَحْلِفُ ، وَلَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِاللَّهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَمِينٌ إِذَا أَرَادَ بِاللَّهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِاللَّهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِيَمِينٍ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ ضَعَّفَ أَعْزِمُ بِاللَّهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْيَمِينَ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَانَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ : أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ ، أَوْ بِحَوْلِ اللَّهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ عِنْدِ أَحَدٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أُقْسِمُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ يَمِينٌ إِذَا أَرَادَ بِهَا الْيَمِينَ ، وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ إِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا يَمِينًا ، وَلَيْسَ أُقْسِمُ وَأَشْهَدُ وَأَحْلِفُ يَمِينًا إِذَا لَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ . هَذِهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ . وَرَوَى عَنْهُ الرَّبِيعُ نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا قَالَ : أُقْسِمُ ، أَوْ أَشْهَدُ ، أَوْ أَعْزِمُ فَهُوَ يَمِينٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ إِذَا أَرَادَ بِاللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ . قَالَ الرَّبِيعُ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنْ قَالَ : أَحْلِفُ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَأَحْلِفُ بِاللَّهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أُقْسِمُ وَأَشْهَدُ وَأَعْزِمُ وَأَحْلِفُ كُلُّهَا أَيْمَانٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ . وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ بِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ مِيثَاقِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَفَ بِحَقِّ اللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ قَالَ : وَكَذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَكَفَالَتُهُ وَعِزَّتُهُ ، وَقُدْرَتُهُ وَسُلَطَانُهُ وَجَمِيعُ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ هِيَ أَيْمَانٌ كُلُّهَا فِيهَا الْكَفَّارَةُ ، وَكَذَلِكَ لَعَمْرُ اللَّهِ وَايْمُ اللَّهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي : وَحَقِّ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يَمِينٌ إِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْيَمِينَ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ : وَحَقُّ اللَّهِ وَاجِبٌ ، وَقُدْرَةُ اللَّهِ مَاضِيَةٌ ، وَقَالَ فِي : أَمَانَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَفِي لِعَمْرُ اللَّهِ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا الْيَمِينَ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ قَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ وَايْمُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ قَالَ : وَحَقِّ اللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَلَا فِيهَا كَفَّارَةٌ ، وَقَالَ الرَّازِيُّ : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَكَذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَأَمَانَتُهُ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ : هِيَ الْأَيْمَانُ ، وَالشَّرَائِعُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : هِيَ يَمِينٌ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ ، أَوْ بِحَقِّ الْقُرْآنِ فَحَنِثَ لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ جَائِزٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الطَّلَاقِ ، وَالْعِتْقِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ التَّوْقِيفُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى . وَأَيُّوبُ هَذَا هُوَ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى القرشي الْأُمَوِيُّ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ السِّجِسْتَانِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى ، فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَمْ يَحْنَثْ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنْ قَالَ : وَاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سَيَّارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَا حَنِثَ عَلَيْهِ . جَعَلَهُ مَالِكٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنْ كَانَ فِي نَسَقِ الْكَلَامِ دُونَ انْقِطَاعٍ بَيِّنٍ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ أَنَّهُ جَائِزٌ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ بَعْدَ سُكُوتٍ وَطُولٍ . .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ · ص 366 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْمُوفِي خَمْسِينَ كَانَ يَقُولُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ · ص 403 1037 حَدِيثٌ مُوفِي خَمْسِينَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . وَهَذَا يَسْتَنِدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ حِجَازِيَّةٍ صِحَاحٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَتْ أَكْثَرُ أَيْمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ نَافِعٌ ، عَنْ سَالِمٍ ، حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبَلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا سَمِعْتُهَا مِنْهُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . هَكَذَا قَالَ عَنْ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى ، عَنْ سَالِمٍ ، لَمْ يَذْكُرْ نَافِعًا ، أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا : لَا ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، أَخْبَرْنَاهُ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبَلَيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قُلُوبُ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ شَاءَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ، اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ . وَرَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ ، وَكَانَ يَقُولُ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ ، قَالَ : وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ ، قَالَتْ لَهُ أَمُّ سَلَمَةَ : مَا أَكْثَرَ مَا يقُولُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ . وَيَسْتَنِدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَرَوَى الْمُسْتَوَرِدُ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، وَنَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمَخْرَجُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مَجَازٌ في الصفات مَفْهُومٌ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُفِيدُهَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا الْآيَةَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر إِنِ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ · ص 92 1037 ( 9 ) بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ 994 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ . 21140 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ الْعُمَرِيَّانِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سالم ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْلِفُ بِأَبِي . الْحَدِيثَ . 21141 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : كُنْتُ فِي رَكْبٍ أَسِيرُ فِي غَزَاةٍ ، فذَكُرُ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهِ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا . 21142 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ الْحَلِفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فِي حُكْمِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِقْسَامِ بِالْمَخْلُوقَاتِ ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [ الطُّورِ ] ، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [ التِّينِ ] وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [ الطَّارِقِ ] ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْقُرْآنِ . قِيلَ : الْمَعْنَى فِيهِ : وَرَبِّ الطُّورِ ، وَرَبِّ النَّجْمِ ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِيَ إِقْسَامٌ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا بِغَيْرِهِ . 21143 - وَقَدْ قِيلَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ أَيْضًا : قَدْ أَقْسَمَ رَبُّنَا تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ . 21144 - ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ . 21145 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ، لَا بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ ، وَلَا غَيْرِهَا ؛ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى آخَرَ فِي حَقٍّ قِبَلَهُ ، أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ لَهُ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَهُ بِالنَّجْمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، وَقَالَ : نَوَيْتُ رَبَّ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ يَمِينًا . 21146 - وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَأَنْ أَحَلِفَ بِاللَّهِ بِإِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُظَاهِرَ ، فَالْمُظَاهَرَةُ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لِلْمَحْلُوفِ بِهِ ، فَشَبَّهَ خَلْقَ اللَّهِ بِهِ فِي التَّعْظِيمِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ 21147 - وَمَعْنَاهُ أَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ ، فَآثَمُ أَيْ فَأَحْنَثُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ فَأَبَرُّ . 21148 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَا : لِأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا . 21149 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : سَمِعَنِي عُمَرُ أَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ ، فَنَهَانِي ، وَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ فَكَّرْتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ لَعَاقَبْتُكَ . 21150 - وَقَالَ قَتَادَةُ : يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْمُصْحَفِ ، وَبِالْعِتْقِ ، وَالطَّلَاقِ . 21151 - وَأَجَازَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْيَمِينَ بِايْمِ اللَّهِ . 21152 - وَأَجَازَ عَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ : لَعَمْرِي . 21153 - وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ : لَعَمْرُهَا . 21154 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ أَجَازَ الْيَمِينَ بِغَيْرٍ اللَّهِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ . 21155 - وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْيَمِينِ ، فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . 21156 - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ وَخَلَفِهِمْ : تُطْلَبُ الْكَفَّارَةُ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَيْمَانِ بِغَيْرِ اللَّهِ نَذْكُرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَحِبُّونَ الْيَمِينَ بَاللَّهِ ، وَيَكْرَهُونَ الْيَمِينَ بِغَيْرِهِ . 21157 - وَهَذَا عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ يُوجِبَانِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فِيمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَهُمَا رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، وَقَالَ : مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ، فَدَلَّ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى الْإِلْزَامِ وَالْإِيجَابِ . 21158 - وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ ، فَقَالَ : إِنْ تَسْأَلْنِي الْقِسْمَةَ لَمْ أُكَلِّمْكَ أَبَدًا ، وَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِنَّ الْكَعْبَةَ لَغَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ : كَفِّرْ يَمِينَكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ . 21159 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَسَتَرَى كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 21160 - وَالْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ أَوْكَدُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِمَحْوِ الْإِثْمِ ، وَهِيَ مُنَزَّلَةٌ فِيمَنْ حَلَفَ وَحَنِثَ نَفْسَهُ فِيمَا يَرَى خَيْرًا لَهُ . 21161 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِمَالِهِ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَخِلَافٌ لِلْجَمَاعَةِ ، وَكَأَنَّهُ زَادَ مِنْ وَجْهٍ مَا لَا يَعْزُو عَلَيْهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ ، وَقَدْ زِدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ . 21162 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُقُولُ فِيمَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَقَوْلُ عَائِشَةَ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 21163 - وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ بِقِيَاسٍ وَلَا اتِّبَاعٍ . 21164 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ . 21165 - وَحَدِيثُ هَذَا الْبَابِ نَاسِخٌ لَمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلِحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ النَّحْوِيِّ ، قَالَ فِيهِ أَفْلَحَ - وَأَبِيهِ - إِنْ صَدَقَ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَوَاهُ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ بِإِسْنَادِهِ ، فَقَالَ فِيهِ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ، وَلَمْ يَقُلْ : وَأَبِيهِ ، وَمَالِكٌ لَا يُقَاسُ بِهِ مِثْلُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ . 21166 - وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْكِتَابِ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَيْمَانِ وَوُجُوهِهَا ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ فِي التَّمْهِيدِ . 21167 - مِنْهَا : حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ . 21168 - وَمِنْهَا : حَدِيثُ نَافِعٍ ، هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك أن رسول الله كان يقول لا ومقلب القلوب · ص 99 1037 995 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : لَا ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . 21169 - وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَنِدُ وَيُنْقَلُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَحَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ . 21170 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا أَوْ أَكْثَرَهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ . 21171 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَةِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزٌ تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ . 21172 - أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا كَثِيرَا : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْأَيْمَانِ · ص 100 9 - بَاب جَامِعِ الْأَيْمَانِ 1022 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ . 9 - بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ 1037 1022 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَكَى يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّ الْمُكَبِّرَ الضَّعِيفَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ : عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ( أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ ) رَاكِبِي الْإِبِلِ عَشَرَةٌ فَصَاعِدًا ، وَفِي مُسْنَدِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ فِي غَزَاةٍ ( وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ الْقَعْنَبِيُّ : أَلَا ( إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) لِأَنَّ الْحَلِفَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ ، وَالْعَظَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : حَدَّثْتُ قَوْمًا حَدِيثًا فَقُلْتُ : لَا وَأَبِي ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ هَلَكَ ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمْ قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا مُرْسَلٌ يَتَقَوَّى بِشَوَاهِدَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُنْكَرَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ يَرُدَّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ ، وَقِيلَ : إنَّهَا مُصَحَّفَةٌ مِنْ قَوْلِهِ وَاللَّهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ السَّارِقِ الَّذِي سَرَقَ حُلِيِّ ابْنَتِهِ فَقَالَ : وَأَبِيكَ لَأُنَبِّئَنَّكَ أَوْ لَأُحَدِّثَنَّكَ . وَأَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ مَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَارْتَضَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا بِهِ الْقَسَمَ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا ؛ أَيْ : أَفْلَحَ وَرَبِّ أَبِيهِ ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا انْتَهَى . وَمَرَّ لِهَذَا مَزِيدٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَجُمْلَةُ يَنْهَاكُمْ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ إنَّ ، وَ أَن مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عِنْدَ الْخَلِيلِ ، وَالْكِسَائِيِّ ، أَوْ جَرٍّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْجَرِّ ؛ أَيْ : يَنْهَاكُمْ عَنْ أَنْ تَحْلِفُوا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَحُكْمُ غَيْرِ الْآبَاءِ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ كَالْآبَاءِ فِي النَّهْيِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ ، وَالْحَاكِمِ وَقَالَ : صَحِيحٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَا وَالْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ وَالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ ، وَهَلِ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّنْزِيهِ ؟ قَوْلَانِ شُهِرَا مَعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِلتَّحْرِيمِ ، وَبِهِ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمُرَادُهُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ الْكَرَاهَةُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفُ بِهَا ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَدِيثُ بِالْآبَاءِ لِوُرُودِهِ عَلَى سَبَبِهِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِكَوْنِهِ غَالِبَ حَلِفِهِمْ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ قَوْلُهُ : ( مَنْ كَانَ حَالِفًا ) أَيْ : مُرِيدًا لِلْحَلِفِ ( فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ) لَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْآبَاءِ وَغَيْرِهِمْ ( أَوْ لِيَصْمُتْ ) بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا ضَبَطَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الطُّوفِيُّ : سَمِعْنَاهُ بِكَسْرِهَا ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا كَـ ضَرَبَ يَضْرِبُ وَيَفْعُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِيهِ دَخِيلٌ كَمَا فِي خَصَائِصِ ابْنِ جِنِّي انْتَهَى . أَيْ : لَا يَحْلِفْ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّمْتُ إِذَا لَمْ يَحْلِفْ بِاللَّهِ ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 193 ) أَيْ : أَمْ لَمْ تَدْعُوهُمْ ، وَالتَّخْيِيرُ فِي حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ لِيَبْرَأَ أَوْ يَتْرُكَ وَيَغْرَمَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ مُبَاحَةٌ لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ نَقْلًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَفَ كَثِيرًا وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ( سُورَةُ يُونُسَ : الْآيَةُ 53 ) وَنَظَرًا لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَ مِنْ شَرْطِيَّةٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَكَانَ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ ، وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً ، لَكِنِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اليمين تنعقد بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِاللَّهِ الذَّاتُ لَا خُصُوصُ لَفْظِ اللَّهِ ، فَمَنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ بِهِ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكَعْبَةِ أَوْ لَا كَالْآحَادِ ، أَوْ يَسْتَحِقُّ التَّحْقِيرَ كَالشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ ، وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا كَفَّارَةَ ، نَعَمْ اسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ ذَلِكَ الْحَلِفَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ بِهِ ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدُ رُكْنَيِ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِهِ ، بَلْ وَلَا جَوَازُ الْحَلِفِ بِهِ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ صِحَّةِ هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ كَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِيُعَجِّبَ بِهَا الْمَخْلُوقِينَ وَيُعَرِّفَهُمْ قُدْرَتَهُ ؛ لِعِظَمِ شَأْنِهَا عِنْدَهُمْ وَلِدَلَالَتِهَا عَلَى خَالِقِهَا ، أَمَّا الْمَخْلُوقُ فَلَا يُقْسِمُ إِلَّا بِالْخَالِقِ كَمَا قِيلَ : وَيُقَبِّحُ مَنْ سِوَاكَ الشَّيْءَ عِنْدِي وَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا وَزَادَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ، بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ؛ أَيْ : حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي ، أَيْ : مَا حَلَفْتُ بِأَبِي عَامِدًا وَلَا حَاكِيًا عَنْ غَيْرِي ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْحَاكِيَ لَا يُسَمَّى حَالِفًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ : وَلَا ذَكَرْتُهَا آثِرًا عَنْ غَيْرِي ، أَوْ ضَمَّنَ حَلَفْتُ مَعْنَى تَكَلَّمْتُ ، أَوْ مَعْنَاهُ يَرْجِعُ إِلَى التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا حَلَفْتُ بِآبَائِي ذَاكِرًا لِمَآثِرِهِمْ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْأَيْمَانِ · ص 102 1023 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . 1037 1023 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) مَعْلُومٌ أَنَّ بَلَاغَهُ صَحِيحٌ ، وَلَعَلَّ هَذَا بَلَغَهُ مِنْ شَيْخِهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، وَفِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ) وَلَفْظُ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِهِ : كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : كُنْتُ كَثِيرًا مَا أَسْمَعُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْلِفُ ( لَا ) نَفْيُ الْكَلَامِ السَّابِقِ عَلَى الْيَمِينِ ( /1 ) بِتَقْلِيبِ أَغْرَاضِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا بِتَقْلِيبِ ذَاتِ الْقُلُوبِ ، قَالَ الرَّاغِبُ : تَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ صَرْفُهَا عَنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ ، وَالتَّقْلِيبُ الصَّرْفُ ، سُمِّيَ قَلْبُ الْإِنْسَانِ قَلْبًا لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ ، وَيُعَبَّرُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمَعَانِي الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الرُّوحِ وَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَبُو بَكْرٍ : الْقَلْبُ جُزْءٌ مِنَ الْبَدَنِ خَلَقَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلَّ الْعِلْمِ والكلام وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْبَاطِنَةِ ، وَجَعَلَ ظَاهِرَ الْبَدَنِ مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ ، وَوَكَّلَ بِهَا مَلَكًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَشَيْطَانًا يَأْمُرُ بِالشَّرِّ ، فَالْعَقْلُ بِنُورِهِ يَهْدِيهِ ، وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ ، وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ ، وَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْخَوَاطِرِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ ، وَالْمَحْفُوظُ من حفظه اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثَ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَنَثَ ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَصْلِ ذَلِكَ ، إِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي أَيِّ صِفَةٍ تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، وَالتَّحْقِيقُ اخْتِصَاصُهَا بِصِفَةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ .