1047 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَتْ : صَدَقَ ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا ذَاكَ ؟ أَوْ كَمَا قَالَ ، قَالُوا : نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا . يَعْنِي بِالدَّافَّةِ قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ شَرِيفٌ جَلِيلٌ ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَأُمُّهُ : أَمَةُ اللَّهِ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَفَّ نَاسٌ فَمَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ دَفَّ نَاسٌ إِلَيْنَا وَأَتَوْنَا ، وَأَصْلُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ دَفِيفِ الطَّائِرِ إِذَا حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ ، وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ ، يُقَالُ فِي ذَلِكَ : دَفَّ الطَّائِرُ يَدِفُّ دَفِيفًا ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : وَالدَّافَّةُ قَوْمٌ يَدِفُّونَ أَيْ يَسِيرُونَ سَيْرًا لَيِّنًا ، وَتَدَافَّ الْقَوْمُ إِذَا رَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي قِتَالٍ ، أَوْ نَحْوِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهَا حَضْرَةَ الْأَضْحَى فَمَعْنَاهُ فِي وَقْتِ الْأَضْحَى ، وَفِي حِينِ الْأَضْحَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَحْمِلُونَ مِنَ الْوَدَكِ فَمَعْنَاهُ يُذِيبُونَ مِنْهَا الشَّحْمَ ، وَالْوَدَكُ الشَّحْمُ ، يُقَالُ مِنْهُ : جَمُلْتُ الشَّحْمَ وَأَجْمَلْتُهُ وَاجْتَمَلْتُهُ أَيْ أَذَبْتُهُ ، وَالِاجْتِمَالُ الِادِّهَانُ بِالْجَمِيلِ ، وَهِيَ الْإِهَالَةُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَدْ بَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوَجْهُ ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَسَاكِينِ لِيُطْعِمُوهُمْ وَيُوَاسُوهُمْ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَضَحَّى النَّاسُ . قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَضَاحِيُّ لِتَرَفُّقِ النَّاسِ كَانُوا يَدَّخِرُونَ مِنْ لُحُومِهَا وَوَدَكِهَا ، قَالَ : فَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَوَلَمْ تَنْهَهُمْ عَامَ الْأَوَّلِ عَنْ أَنْ يَأْكُلُوا لُحُومَهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ؟ قَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ ذَلِكَ لِلْحَاضِرَةِ الَّتِي حَضَرَتْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِيَبُثُّوا لُحُومَهَا فِيهِمْ ، فَأَمَّا الْآنَ فَلْيَأْكُلُوا وَلْيَدَّخِرُوا . وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَزَوَّدُوا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَتَكَلَّمْنَا عَلَى مَعَانِي هَذَا الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِمَا يُغْنِي ، عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُسَافِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي لَحْمِ الضَّحَايَا : كُنَّا نُصْلِحُ مِنْهُ وَيَقَدَمُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَأْكُلُوا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمُوا مِنْهُ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ لَكَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا أَنَّهُ كَانَ نَدْبًا إِلَى الْخَيْرِ لَا إِيجَابًا . وَفِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ رِوَايَةُ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ ، وَالْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ، وَعَلَى هَذَا كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ نَهَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ · ص 206 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث النَهي عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ · ص 165 1046 ( 4 ) بَابُ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي . 1003 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ ، كُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَادَّخِرُوا . 1004 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَتَ : صَدَقَ . سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ : دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ . وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَا ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ : قَالُوا : نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ . فَكُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . يَعْنِي بِالدَّافَّةِ ، قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ . 1005 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا . فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى . فَقَالُوا : هُوَ مِنْهَا . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَكَ أَمْرٌ . فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ . فَأُخْبِرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ . فَكُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ ، فَانْتَبِذُوا . وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا . وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا . يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا . 21433 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . 21434 - وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ ، وَالْإِلْحَادِ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 21435 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ النَّهيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً ، فَنُسِخَتْ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ الدَّافَّةِ . 21436 - وَمَعْنَى الدَّافَّةِ : قَوْمٌ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَسَاكِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ . 21437 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ ، وَالشَّوَاهِدَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ . 21438 - وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، كِفَايَةٌ فِيمَا وَصَفْنَا . 21439 - قَالَ الْخَلِيلُ : الدَّافَّةُ : قَوْمٌ يَدِّفُّونَ ، أَيْ يَسِيرُونَ سَيْرًا لَيِّنًا . 21440 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ ، فَمَعْنَاهُ يُذِيبُونَ مِنْهَا الشَّحْمَ ، وَهُوَ الْوَدَكُ ، يُقَالُ مِنْهُ : جَمُلْتُ الشَّحْمَ ، وَأَجْمَلْتُهُ ، وَاجْتَمَلْتُهُ : إِذَا أَذَبْتُهُ . 21441 - وَالِاجْتِمَالُ أَيْضًا الِادِّهَانُ بِالْجَمِيلِ وَهِيَ الْإِهَالَةُ . 21442 - وَأَمَّا حَدِيثُ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَلْقَ أَبَا سَعِيدٍ ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا فِي التَّمْهِيدِ . 21443 - وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . 21444 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلَازَمَةَ رَبِيعَةَ الْقَاسِمَ حَتَّى كَانَ يَغْلِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ . 21445 - وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ . 21446 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، وَوَجْدَ عِنْدَ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ فِيهِ أَمْرٌ فَخَرَجَ ، فَلَقِيَ أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ ، يُقَالُ لَهُ : قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَدْ شَمَّرَ بِرِدَاءٍ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ ، يَقُولُ : إِنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ . 21447 - وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 21448 - وَالصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ رَوَى النَّسْخَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَخِيهِ لِأُمِّهِ قَتَادَةَ بْنِ نُعْمَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 21449 - وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَبُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، وَجَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، وَغَيْرُهُمْ . 21450 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 21451 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ ، إِشْفَاقُ الْعَالِمِ عَلَى دِينِهِ ، وَتَعْلِيمُهُ أَهْلَهُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُونَهُ مِنْهُ وَتَرْكُ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا حَاكَ فِي صَدْرِهِ . 21452 - وَفِيهِ : أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخٍ ، بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ . 21453 - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . 21454 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا ، فَكَلَامٌ خَرَجَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَمَعَنَاهُ الْإِبَاحَةُ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَرَدَ بَعْدَ نَهْيٍ . 21455 - وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِ أَمْرٍ يَرِدُ بَعْدَ حَصْرٍ أَنَّهُ إِبَاحَةٌ ، لَا إِيجَابٌ . 21456 - مِثْلُ قَوْلِهِ : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا 21457 - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ 21458 - وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا ، وَيَصَّدَّقَ بِثُلُثِهَا ، وَيَدَّخِرَ ثُلُثَهَا ؟ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَلُّوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . 21459 - وَكَانَ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الِاسْتِحْبَابِ : الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 21460 - وَكَانَ غَيْرُهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ نِصْفًا وَيُطْعِمَ نِصْفًا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْهَدَايَا : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ 21461 - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : يَأْكُلُ وَيَتَصَدَّقُ . 21462 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْتِحْبَابٌ لَا إِيجَابٌ حَدِيثُ ثَوْبَانَ قَالَ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِيَّتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ثَوْبَانَ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ الْأُضْحِيَّةِ ، قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ . 21463 - وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ هَذَا ادِّخَارُ لَحْمِ الضَّحِيَّةِ ، وَأَكْلُهُ . 21464 - وَفِيهِ الضَّحِيَّةُ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 21465 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ ، فَانْتَبِذُوا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَهِيَ النَّقِيرُ ، وَالْمُزَفَّتُ ، وَالدُّبَّاءُ ، وَالْحَنْتَمُ ، وَالْجَرُّ ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ طِينٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْعِيَةَ إَذَا تَكَرَّرَ فِيهَا الِانْتِبَاذُ أَسْرَعَتْ إِلَى مَا يُنْبَذُ فِيهِ الشِّدَّةُ . 21466 - وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ ، وَسَائِرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَنْتَبِذُونَ فِي أَسْقِيَةِ الْأُدُمِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْرِعُ الشِّدَّةُ إِلَى مَا يُنْتَبَذُ فِيهَا . 21467 - وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُجَوِّزَانِ الِانْتِبَاذَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْعِيَةِ غَيْرَ الْأَسْقِيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا رَوَيَا النَّهْيَ عَنْهَا ، وَلَمْ يَرْوِيَا النَّسْخَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمَا عَلَى مَا عَلِمَا . 21468 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، فَلَمْ يُجِزِ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُزَفَّتِ . 21469 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ . 21470 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَرِهَ مَالِكٌ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ . 21471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا كَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمُسَمَّاةِ فِي الْأَحَادِيثِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِعِلَّةِ مَا تُوَلِّدُهُ مِنْ إِسْرَاعِ الشِّدَّةِ فِي الْأَنْبِذَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ ، فَخَافُوا مُوَاقَعَةَ الْحَرَامِ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَحْفَظُ ، فَاحْتَاطُوا ، وَبَنَوْا عَلَى أَصْلِ النَّهْيِ ، وَلَمْ يَقْبَلُوا رُخْصَةَ النَّسْخِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 21472 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ خُوَارٍ الضَّبِّيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ تُصِيبُ أَغْصَانُهَا وَجْهَهُ ، وَقَالَ : أَلَّا إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا ، فَإِنَّهَا عِبْرَةٌ ، وَنَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحْمَانِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأَكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَأَصْلِحُوهَا ، وَكُلُوهَا ، وَنَهَيْنَاكُمْ عَنِ الْأَنْبِذَةِ إِلَّا فِي أَسْقِيةِ الْأُدُمِ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا ، فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ . 21473 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الْأَوْعِيَةِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ النَّهْيِ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ ، أَوْ فِيمَا بَدَا لَكُمْ . 21474 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِالنَّسْخِ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ . 21475 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : 21476 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ كَذَلِكَ بِالْإِبَاحَةِ عَامًّا أَيْضًا ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ . 21477 - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَزُورُ قَبْرَ حَمْزَةَ . 21478 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 21479 - وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا وَرَدَ النَّسْخُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ ، لَا لِلرِّجَالِ لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ بِذَلِكَ ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْإِبَاحَةِ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ الزِّيَارَةُ أُبِيحَتْ لِلرِّجَالِ دُونَهُنَّ لِلْقَصْدِ فِي ذَلِكَ بِاللَّعْنِ إِلَيْهِنَّ . 21480 - وَذَكَرُوا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ ، وَالسُّرُجَ . 21481 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ بَاذَامُ ، وَيُقَالُ : بَاذَانُ بِالنُّونِ ، وَهُوَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ . 21482 - وَحَدِيثُ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ . 21483 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَهَا فِي التَّمْهِيدِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ · ص 113 1032 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ : صَدَقَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا ذَلِكَ - أَوْ كَمَا قَالَ - قَالُوا : نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، يَعْنِي بِالدَّافَّةِ : قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ . 1047 1032 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقَدٍ ) بِالْقَافِ ، ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ( أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ) مِنْ ذَبْحِهَا ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْأَنْصَارِيَّةِ ( فَقَالَتْ : صَدَقَ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقَدٍ ( سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ : دَفَّ ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْفَاءِ ؛ أَيْ : أَتَى ( نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ) وَالدَّافَّةُ الْجَمَاعَةُ الْقَادِمَةُ ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : قَوْمٌ يَسِيرُونَ سَيْرًا لَيِّنًا ( حَضْرَةَ الْأَضْحَى ) أَيْ : وَقْتَ الْأَضْحَى ( فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ادَّخِرُوا ) بِشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ( لِثَلَاثٍ ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ) فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَقَدْ سَأَلُوهُ هَلْ يَفْعَلُونَ كَمَا فَعَلُوا الْعَامَ الْمَاضِيَ ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ النَّهْيَ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ الدَّافَّةُ ، فَإِذَا وَرَدَ الْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ حَاكَ فِي النَّفْسِ مِنْ عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ إِشْكَالٌ ، فَلَمَّا كَانَ مَظِنَّةَ الِاخْتِصَاصِ عَاوَدُوا السُّؤَالَ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِذَلِكَ السَّبَبِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْعَامَّ يَضْعُفُ عُمُومُهُ بِالسَّبَبِ فَلَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَتِهِ وَلَا يَنْتَهِي بِهِ إِلَى التَّخْصِيصِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوِ اعْتَقَدُوا بَقَاءَ الْعُمُومِ عَلَى أَصَالَتِهِ لَمَا سَأَلُوا ، وَلَوِ اعْتَقَدُوا الْخُصُوصَ أَيْضًا لَمَا سَأَلُوا ، فَدَلَّ سُؤَالَهُمْ عَلَى أَنَّهُ ذُو شَأْنَيْنِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْجُوَيْنِيِّ . ( قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ ) فِي الِادِّخَارِ وَالتَّزَوُّدِ ( وَيَجْمُلُونَ ) بِالْجِيمِ ؛ أَيْ : يُذِيبُونَ ( مِنْهَا الْوَدَكَ ) ، بِفَتْحَتَيْنِ : الشَّحْمَ ( وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ ) جَمْعُ سِقَاءٍ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا ذَلِكَ ) الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ ( أَوْ كَمَا قَالَ ) شَكَّ الرَّاوِي ( قَالُوا : نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ فَاءٌ ثَقِيلَةٌ أَصْلُهُ لُغَةً الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَسِيرُ سَيْرًا لَيِّنًا ( الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ ) أَيْ : قَدِمَتْ ( فَكَلُّوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ) بِشَدِّ الدَّالِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ( يَعْنِي بِالدَّافَّةِ قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ) فَأَرَادَ أَنْ يُعِينُوهُمْ ، وَلِذَا قَالَتْ عَائِشَةُ : وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ؛ أَيْ : بِمُرَادِ نَبِيهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .