( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ 1038 - مَالِكٌ ؛ أنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ ، يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ : أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ ، وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا ، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا . 22298 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَسُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : مَنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ . 22299 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ . 22300 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ . 22301 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ، وَالنَّفْسَ . 22302 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : الْمُضْطَرُّ يَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ . 22303 - وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا مَا يُزِيلُ الْخَوْفَ ، فَقَدْ زَالَتِ الضَّرُورَةُ ، وَارْتَفَعَتِ الْإِبَاحَةُ ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهَا . 22304 - وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَيْسَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى 4 فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ 4 ، وَقَالَ : إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ 22305 - فَإِذَا كَانَتِ الْمَيْتَةُ حَلَالًا لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهَا أَكَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ . 22306 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ . قَالَ الْحَسَنُ : إِذَا اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ مِنْهَا قُوتَهُ . 22307 - وَقَدْ قِيلَ : مَنْ تَغَدَّى لَمْ يَتَعَشَّ مِنْهَا ، وَمَنْ تَعَشَّى لَمْ يَتَغَدَّ مِنْهَا . 22308 - وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : مَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا ، أَوْ تَغْتَبِقُوا ، وَالصَّبُوحُ : الْغَدَاءُ ، وَالْغَبُوقُ : الْعَشَاءُ ، وَنَحْوُ هَذَا . 22309 - وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ 22310 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَلَا عَادٍ ؛ قَاطِعِ سَبِيلٍ . 22311 - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ . قَالَ : غَيْرَ قَاطِعِ سَبِيلٍ ، وَلَا مُفَارِقِ الْأَئِمَّةِ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةٍ ، فَإِنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ . 22312 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَيْسَ لَهُ رُخْصَةٌ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِلَى الْمَيْتَةِ . 22313 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ خَرَجَ عَاصِيًا لِلَّهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنَّمَا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ لِلضَّرُورَةِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْطَرُّ غَيْرَ بَاغٍ ، وَلَا عَادٍ وَلَا مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ . 22314 - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ . 22315 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا تَحِلُّ لَهُ الْخَمْرُ وَلَا يَشْرَبُهَا وَلَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا . 22316 - وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ . 22317 - ذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ بُرْدٍ ، عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ : لَا يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا . 22318 - وَرَوَى جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، قَالَ : إِذَا اضْطُرَّ إِلَى الْخَمْرِ ، فَلَا يَشْرَبْهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا . 22319 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ هَلْ فِيهِ رُخْصَةٌ ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ لِأَحَدٍ ، وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ . 22320 - وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ : غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : يَتَعَدَّى ، فَيَزِيدُهُ عَلَى مَا يُمْسِكُ نَفْسَهُ ، وَالْبَاغِي : كُلُّ ظَالِمٍ فِي سَبِيلِ الْغَيْرِ مُبَاحَةٌ . 22321 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ قَالَ : غَيْرُ بَاغٍ فِيهَا ، يَأْكُلُهَا ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا . 22322 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ لَمْ يَرَ شُرْبَ الْخَمْرِ لِلْمُضْطَرِّ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - ذَكَرَ الرُّخْصَةَ لِلْمُضْطَرِّ مَعَ تَحْرِيمِ الدم وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ . 22323 - وَذَكَرَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ ، وَلَمْ يُذَكِّرْ مَعَ ذَلِكَ رُخْصَةَ لِلْمُضْطَرِّ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أنه يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ · ص 350 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أنه يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ · ص 357 22324 - وَسُئِلَ مَالِكٌ ، عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ . أَيَأْكُلُ مِنْهَا ، وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ ، أَوِ الزَّرْعِ ، أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ ، حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ ، مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا . وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ ، وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي ، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ . مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخَذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ ، بِدُونِ اضْطِرَارٍ . 22325 - قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 22326 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَرَأَى لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، إِلَّا مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، كَأَنَّهُ رَأَى الْمَيْتَةَ أُطْلِقَ أَكْلُهَا لِلْمُضْطَرِّ ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ يَعْنِي أَمْوَالُ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ أَعَمُّ وَأَشَدُّ . 22327 - وَهَذَا يُخَالِفُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْمُوَاسَاةَ فِي الْعُسْرَةِ ، وَتَرْمِيقَ الْمُهْجَةِ مِنَ الْجَائِعِ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ ، فَكِلَاهُمَا حَلَالٌ فِي الْحَالِ . 22328 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : أَصَابَتْنِي سَنَةٌ ، فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَعَرَكْتُ سُنْبُلًا ، فَأَكَلْتُ ، وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي فَجَاءَ صَاحِبُهُ ، فَضَرَبَنِي ، وَأَخَذَ ثَوْبِي ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا ، وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا أَوْ قَالَ : سَاغِبًا ، وَأَمَرَهُ ، فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي ، وَأَعْطَانِي وَسْقًا ، أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ . 22329 - رَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ شُرَحْبِيلَ ، وَلَمْ يَلْقَ أَبُو بِشْرٍ صَاحِبًا غَيْرَ هَذَا الرَّجُلِ . 22330 - وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : فَلْيَحْتَلِبْ ، فَلْيَشْرَبْ ، وَلَا يَحْمِلْ . 22331 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّمْرِ ، وَالزَّرْعِ ، وَالْغَنَمِ ، أَنَّهُ يُقْطَعُ إِذَا عُدَّ سَارِقًا ، فَهَذَا لَا يَكُونُ فِي زَرْعٍ قَائِمٍ ، وَلَا ثَمَرٍ فِي شَجَرٍ وَلَا غَنَمٍ فِي سَرْحِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْقَطْعُ فِي الزَّرْعِ إِذَا صَارَ فِي الْأَنْدَرِ ، وَصَارَ التمْرُ فِي الْجَرِيسِ ، وَالْغَنَمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرَاحِ ، وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْحِرْزِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ . 22332 - وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِيَارٌ ، وَاسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ عَلَى السَّائِلِ . 22333 - وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَحَلَالٌ لِلْمُضْطَرِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا دَامَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ بِإِجْمَاعٍ . 22334 - وَكَذَلِكَ أَكْلُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ ، أَوْ إِطْعَامُ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَهُ حَلَالٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَرَفَ حَالَهُ تِلْكَ أَنْ يَتْرُكَهُ يَمُوتُ ، وَعِنْدَهُ مَا يُمْسِكُ بِهِ رَمَقَهُ ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَ قِيَامُهُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَرْضًا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ ، فَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ سَقَطَ ذَلِكَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنِ اضْطُرَّ أَنْ يَكُفَّ عَمَّا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ، فَيَمُوتُ . 22335 - وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ : إِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، وَلَمْ يَأْكُلْهَا ، وَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ ، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَى غَيْرِهِ فِيهِ . 22336 - وَهَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 22337 - إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَكَلَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ ، وَقِيمَةٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مُضْطَرٌّ هَلْ عَلَيْهِ ثَمَنُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ : 22338 - فَقَالَ قَوْمٌ : يَضْمَنُ مَا أَحْيَا بِهِ نَفْسَهُ . 22339 - وَقَالَ الْأَكْثَرُ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ . 22340 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ ، فَيَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ ، أَوْ يَجِدُهُ سَاقِطًا ، قَالَ : لَا يَأْكُلُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ نَفْسَ صَاحِبِهِ تَطِيبُ بِذَلِكَ ، أَوْ يَكُونُ مُحْتَاجًا ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ . 22341 - وَفِي التَّمْهِيدِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصِيبُونَ مِنَ الثِّمَارِ فِي أَسْفَارِهِمْ - يَعْنِي بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا . 22342 - وَعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَا يَأْكُلُ ، وَلَا يُفْسِدُ ، وَلَا يَحْمِلُ ، وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ فِي بَابِ الْغَنَمِ ، مِنَ الْجَامِعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ · ص 145 7 - بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ؛ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهَا ، فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ ، أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدُّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ ، رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي ، وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ ، مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ . 7 - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ الْمُبَاحُ لَهُ أَكْلُهَا بِالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ ، وَحَدُّ الِاضْطِرَارِ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُشْرِفُ مَعَهَا عَلَى الْمَوْتِ فَإِنَّ الْأَكْلَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ . قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمَيِّتِ سُمِّيَّةً شَدِيدَةً ، فَلَوْ أَكَلَهَا ابْتِدَاءً لَأَهْلَكَتْهُ ، فَشَرَعَ لَهُ أَنْ يَجُوعَ لِيُصَيِّرَ فِي بَدَنِهِ بِالْجُوعِ سُمِّيَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ سُمِّيَّةِ الْمَيِّتِ ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْهَا حِينَئِذٍ لَا يَتَضَرَّرُ ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حَسَنٌ بَالِغٌ فِي الْحُسْنِ . - ( مَالِكٌ : أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الرَّجُلِ ) وَصْفٌ طَرْدِيٌّ ، فَالْمُرَادُ وَلَوِ امْرَأَةٌ ( يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا ، فَإِذَا وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَدَلِيلُهُ أَنَّ ، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْعَدَمِ لِلْقُوتِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُ نَصُّ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ بِنَظَرِهِ وَأَمْلَاهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَرَأَهُ عُمُرَهُ كُلَّهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ حَبِيبٍ : يَأْكُلُ مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ ضَرُورَةٌ فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ، قَالَ : وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَتِ الْمَخْمَصَةُ نَادِرَةً ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ دَائِمَةً فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الشِّبَعِ مِنْهَا ، انْتَهَى . وَاحْتَجَّ لِلْمُقَابِلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 173 ] أَيْ فَأَكَلَ غَيْرَ بَاغٍ لِلَّذَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَلَا مُتَعَدٍّ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَغْيِ الْخُرُوجُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِالتَّعَدِّي قَطْعُ الطَّرِيقِ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا . ( وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ ؟ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ ) بِمُثَلَّثَةٍ ( أَوِ الزَّرْعِ أَوِ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ ) أَيْ فِيهَا ( حَتَّى لَا يُعَدَّ سَارِقًا فَتُقْطَعَ يَدُهُ رَأَيْتُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ) وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ ، وَقِيلَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ( وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَن لا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ ) بِفَتْحَتَيْنِ ( مَعَ أَنِّي أَخَافُ ) لَوْ أَطْلَقْتُ جَوَازَ تَقْدِيمِ طَعَامِ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ ( أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ ) بِالزَّايِ ( أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ .