1118 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِأَبِي حَازِمٍ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا ، قَالَ : الْتَمِسْ ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا ، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ . رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ جَمَاعَةٌ ، وَأَحْسَنُهُمْ كُلِّهِمْ لَهُ سِيَاقَةً مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ الْآيَةَ . وَالْمَوْهُوبَةُ خُصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ يَعْنِي مِنَ الصَّدَاقِ ، فَلَابُدَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَاقٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، عَلَى حَسْبَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّحْدِيدِ فِي قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ ، عَلَى مَا نُورِدُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَخُصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ جَائِزَةٌ دُونَ صَدَاقٍ . وَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ الْبَدَلُ مِنْهُ وَالْعِوَضُ جَازَتْ هِبَتُهُ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ الْإِبْضَاعَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا بِالْمُهُورِ ، وَهِيَ الصَّدَقَاتُ الْمَعْلُومَاتُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَعْنِي عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِالْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ دُونَ خَيْرِ حُكُومَةٍ ، قَالَ : وَمَا أُخِذَ بِالْحُكَّامِ ، فَلَا يُقَالُ لَهُ نِحْلَةٌ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْآبَاءُ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِمُهُورِ بَنَاتِهِمُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ لَهُنَّ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ ، وَقَالَ فِي الْإِمَاءِ : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ فَرْجًا وُهِبَ لَهُ وَطْؤُهُ دُونَ رَقَبَتِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : قَدْ وَهَبْتُ لَكَ ابْنَتِي ، أَوْ وَلِيَّتِي ، وَسَمَّى صَدَاقًا ، أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَلَا يَنْعَقِدْ حَتَّى يَقُولَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ ، وَمِمَّنْ أَبْطَلَ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ : رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ; لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَصِحُّ لِلتَّمْلِيكِ ، وَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا تَحِلُّ الْهِبَةُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ هِبَتُهُ إِيَّاهَا لَيْسَتْ عَلَى نِكَاحٍ ، إِنَّمَا وَهَبَهَا لَهُ لِيَحْضُنَهَا ، أَوْ لِيَكْفُلَهَا ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ وَهَبَ ابْنَتَهُ وَهُوَ يُرِيدُ إِنْكَاحَهَا ، فَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ كَالْبَيْعِ ، قَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَالَ : أَهَبُ لَكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا فَهُوَ بَيْعٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ ، وَقَالُوا : إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : قَدْ وَهَبْتُ لَكَ ابْنَتِي عَلَى دِينَارٍ ، جَازَ ، وَكَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إِذَا كَانَ أشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ سَمَّى ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالتَّصْرِيحِ وَبِالْكِنَايَةِ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ ، وَالَّذِي خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَرِّي الْبِضْعِ مِنَ الْعِوَضِ ، لَا النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ نِكَاحٌ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ هِبَةُ شَيْءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ مَعَ مَا وَرَدَ بِهِ التَّنْزِيلُ الْمُحْكَمُ فِي الْمَوْهُوبَةِ أَنَّهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصَةً دُونَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ بِلَفْظِهَا نِكَاحٌ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا : أَنَّ النِّكَاحَ مُفْتَقِرٌ إِلَى التَّصْرِيحِ لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ ضِدُّ الطَّلَاقِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ ؟ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ : قَدْ أَبَحْتُ لَكَ ، وَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّزْوِيجُ وَالنِّكَاحُ ، وَفِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إِبْطَالُ بَعْضِ خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ إِجَازَةُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ : فَكَرِهَهُ قَوْمٌ ، مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَأَجَازَهُ آخَرُونَ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْحُجَّةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ : حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةً ، فَنَزَلُوا بِحَيٍّ ، فَسَأَلُوهُمُ الْقِرَى أَوِ الشِّرَاءَ فَلَمْ يَفْعَلُوا ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحَيِّ ، فَقَالُوا لَهُمْ : هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ ؟ فَقَالُوا : لَا ، حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا ، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ ، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَبَرَأَ ، فَذَبَحُوا وَشَوَوْا وَأَكَلُوا ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ، فَلَقَدْ أَخَذْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، اضْرِبُوا لِي فِيهَا بِسَهْمٍ . رَوَاهُ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَنَّةَ ، وَأَبُو نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً بِالْيَتِيمِ ، وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى الْمِسْكِينِ . وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي جُرْهُمَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تَقُولُ فِي الْمُعَلِّمِينَ ، قَالَ : دِرْهَمُهُمْ حَرَامٌ ، وَقُوتُهُمْ سُحْتٌ ، وَكَلَامُهُمْ رِيَاءٌ . وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّهُ عَلِمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ . وَسَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَأَبُو جُرْهُمَ مَجْهُولٌ ، لَا يُعْرَفُ ، وَلَمْ يَرْوِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَحَدٍ يُقَالُ لَهُ : أَبُو جُرْهُمَ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ أَيْضًا ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ . وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ فَمَعْرُوفٌ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ، وَلَكِنَّهُ لَهُ مَنَاكِرُ هَذَا مِنْهَا . وَأَمَّا حَدِيثُ الْقَوْسِ فَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ يَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا . وَهَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَأُبَيٍّ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ لِلَّهِ ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا وَنَحْوَ هَذَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي بِأُجْرَةٍ : فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنِ اسْتُؤْجِرَ فِي رَمَضَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، إِنْ كَانَ بِهِ بَأْسٌ فَعَلَيْهِ . وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ . وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَمَّ قَوْمًا فَأَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، فَقَالَ : لَا صَلَاةَ لَهُ . وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُعَلَّقَةٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَصْلُهُمَا وَاحِدٌ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِلَالَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا . وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الصَّدَاقَ : كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِمَّا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ لَهُ : الْتَمِسْ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، وَلَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا ؟ ثُمَّ قَالَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : الْتَمِسْ شَيْئًا ، وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ، أَيْ : مِنْ شَيْءٍ تُقَدِّمُهُ إِلَيْهَا مِنْ صَدَاقِهَا ; لِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنْ يُقَدِّمُوا مِنَ الصَّدَاقِ بَعْضَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ : يُرِيدُ شَيْئًا تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وَجَدَهُ مِمَّا يَكُونُ ثَمَنًا لِشَيْءٍ ، جَازَ أَنَّ يَكُونَ صَدَاقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَبْلَغِ أَقَلِّ الصَّدَاقِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ ذَهَبًا ، أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ كَيْلًا مِنْ وَرَقٍ ، أَوْ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ قِيَاسًا عَلَى قَطْعِ الْيَدِ ; لِأَنَّهُ عُضْوٌ يُسْتَبَاحُ بِمِقْدَرٍ مِنَ الْمَالِ فَأَشْبَهَ قَطْعَ الْيَدِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّقْدِيرِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ شَرَطَ عَدَمَ الطَّوْلِ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ ، وَقَلَّمَا يُعْدَمُ الْإِنْسَانُ مَا يَتَمَوَّلُ أَوْ يَتَمَلَّكُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحُجَّةَ لِهَذَا الْقَوْلِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا أَيْضًا عَلَى مَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِيهِ عِنْدَهُمْ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا صَدَاقَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : أَقَلُّ الْمَهْرِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ يَعْنِي كَيْلًا ، وَفِي ذَلِكَ تُقْطَعُ الْيَدُ عِنْدَهُ أَيْضًا . وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ ، أَحَدُهَا : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُتَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَلَكِنِ الْعَشْرَةُ وَالْعِشْرُونَ . وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَدَاوُدُ : يَجُوزُ النِّكَاحُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ ، إِلَّا أَنَّ الْحَسَنَ يُعْجِبُهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَيُجِيزُهُ بِدِرْهَمٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كُلُّ نِكَاحٍ وَقَعَ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهُ لَا يَنْقُضُهُ قَاضٍ ، قَالَ : وَالصَّدَاقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا كَانَ ثَمَنًا لِشَيْءٍ أَوْ أُجْرَةً ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شَعْبَانَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى مَوْزَةٍ إِذَا هِيَ رَضِيَتْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ وَلَا تَحْدِيدَ فِي أَكْثَرِ الصَّدَاقِ ، وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّدَاقَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَحُدَّ فِي أَكْثَرِهِ وَلَا فِي أَقَلِّهِ حَدًّا ، وَلَوْ كَانَ الْحَدُّ مِمَّا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَالْحُدُودُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا ، أَوْ إِجْمَاعٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، هَذِهِ جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُصْدِقُهُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ دُونَهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ لَوْ كَانَ جَارِيَةٍ وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ حُدَّ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَ غَيْرِهِ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْآثَارُ . وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فَعَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَدْ أَمْهَرَهَا زَوْجَتَهُ وَمَلَكَتْهَا عَلَيْهِ بِبِضْعِهَا ، فَلَمْ يَطَأْ مِلْكَ يَمِينٍ وَتَعَدَّى . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَهْرِ الْمُسَمَّى : هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ جَمِيعَهُ بِالْعَقْدِ ، أَمْ لَا ؟ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ إِلَّا نِصْفَهُ ، وَأَمَّا الصَّدَاقُ إِذَا كَانَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَخَذَ نِصْفَهُ نَامِيًا أَوْ نَاقِصًا ، وَالنَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ بِالْعَقْدِ . وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَبِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ نَفْسِهَا عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلزَّوْجِ : أَغْرِمْ عَلَيْهَا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَدْخُلُ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا فِي أَرْبَعِينَ شَاةً أَوْ خَمْسِ ذَوْدٍ زَكَاةٌ ، فَلَمَّا أَوْجَبُوا عَلَيْهَا الزَّكَاةَ فِي ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهَا كُلَّهَا عَلَى مِلْكِهَا ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَاعْتَلُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ إِذَا قَبَضَتْهُ ، وَكَانَ مُعَيَّنًا فِي غَيْرِ ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَهَلَكَ قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ مِنْهَا ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَبِأَنَّهَا لَوْ كَانَ الصَّدَاقُ أَبَاهَا عَتَقَ عَلَيْهَا عَقِبَ الْعَقْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِلَا خِلَافٍ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَأَمَرَ بِتَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَيْهَا ، فَوَجَبَ مِلْكُهُ لَهَا ، وَشَبَّهُوا سُقُوطَهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، وَثُبُوتُهُ بِالْبَائِعِ يُرْجِعُ إِلَيْهِ عَيْنَ مِلْكِهِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُبْتَاعِ مِنْهُ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ الْكَلَامِ يَكْفِي مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا ، وَهُوَ عَيْنُهُ ، وَعَلَيْهِ مَدَارُهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ إِجَازَةُ اتِّخَاذِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ لِبَاسِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ : فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يَكُونُ الْقُرْآنُ وَلَا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ مَهْرًا ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْأَمْوَالِ لِذِكْرِ اللَّهِ الطَّوْلِ فِي النِّكَاحِ ، وَالطَّوْلُ الْمَالُ ، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَالٍ . وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَالٍ ; وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِنَ الْمُعَلِّمِ ، وَالْمُتَعَلِّمُ يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَكَادُ يَضْبُطُهُ ، فَأَشْبَهَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ ، قَالُوا : وَمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِلْقُرْآنِ وَأَصْلِهِ ، لَا عَلَى أَنَّهُ مَهْرٌ ، وَإِنَّمَا زَوَّجَهُ إِيَّاهَا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ ، كَمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ ، وَالْمَهْرُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْهُ . أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، فَقَالَتْ : أَتَزَوَّجُ بِكَ وَأَنْتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَهَا عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ ؟ إِنْ أَسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بِكَ ، قَالَ : فَأَسْلَمَ أَبُو طَلْحَةَ ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى إِسْلَامِهِ ، يُرِيدُ لَمَّا أَسْلَمَ اسْتَحَلَّ نِكَاحَهَا ، وَسَكَتَ عَنِ الْمَهْرِ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَكْرَهُ النِّكَاحَ عَلَى الْقُرْآنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ أَوْ سُورَةٌ مِنْهُ مَهْرًا ، قَالَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ التَّعْلِيمِ ، هَذِهِ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنْهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا ; لِأَنَّ تَعْلِيمَ النِّصْفِ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدِّهِ ، قَالَ : فَإِنْ وُقِفَ عَلَيْهِ جَعَلَ امْرَأَةً تُعَلِّمُهَا . وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ وَرَدَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ ذَلِكَ الرَّجُلَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَلَى تَعْلِيمِهِ إِيَّاهَا سُوَرًا سَمَّاهَا ; وَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ يَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ، قَالُوا : وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ ، وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : الْتَمِسْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : سُورَةُ كَذَا ، فَقَالَ : قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، أَيْ : بِأَنْ تُعَلِّمَهَا تِلْكَ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : دَعْوَى التَّعْلِيمِ عَلَى الْحَدِيثِ دَعْوَى بَاطِلٍ لَا يَصِحُّ ، وَتَأْوِيلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مُحْتَمَلٌ ، فَأَمَّا دَعْوَى الْخُصُوصِ فَضَعِيفٌ ، لَا وَجْهَ لَهُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُجِيزُونَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ : قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ مُضَرَ حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْكِحَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ : أَنَّ ذَلِكَ فِي أُجْرَتِهِ عَلَى تَعْلِيمِهَا مَا مَعَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ · ص 109 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي · ص 62 1118 ( 3 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ 1069 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ . فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا . فَقَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ ، جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ . فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا . قَالَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . مَعِي سُورَةُ كَذَا ، وَسُورَةُ كَذَا ، لِسِوَرٍ سَمَّاهَا . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ 23345 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ 23346 - وَالْمَوْهُوبَةُ بِلَا صَدَاقٍ خُصَّ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ يَعْنِي مِنَ الصَّدَاقِ ، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَاقٍ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - عَلَى حَسَبِ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّحْدِيدِ فِي قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكَثِيرِ مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الْآيَةَ . 23347 - وَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالْبَدَلُ مِنْهُ وَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ جَازَتْ هِبَتُهُ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - خَصَّ النِّسَاءَ بِالْمُهُورِ الْمَعْلُومَاتِ ثَمَنًا لِأَبْضَاعِهِنَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً 23348 - قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِهَا دُونَ جَبْرٍ وَحُكُومَةٍ . 23349 - قَالَ : وَمَا أُخِذَ بِالْحُكَّامِ ، فَلَا يُقَالُ لَهُ نِحْلَةً . 23350 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُخَاطِبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الْآبَاءُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِمُهُورِ بَنَاتِهِمْ . 23351 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ شِهَابٍ : لَمْ تَحِلَّ الْمَوْهُوبَةُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 23352 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : لَمْ تَحِلَّ الْمَوْهُوبَةُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا حَلَّتْ لَهُ . 23353 - ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . 23354 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : لَوْ رَضِيَتْ بِسَوْطٍ كَانَ مَهْرَهَا . 23355 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ . 23356 - وَقَالَ فِي الْإِمَاءِ : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَعْنِي صَدُقَاتِهِنَّ . 23357 - وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ فَرْجًا وُهِبَ لَهُ دُونَ رَقَبَتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مُسَمًّى ، دَيْنًا أَوْ نَقْدًا ، وَأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُسَمِّيَ صَدَاقًا ، فَإِنْ وَقَعَ الدُّخُولُ فِي ذَلِكَ ، لَزِمَ فِيهِ صَدَاقُ الْمِثْلِ . 23358 - وَاخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : قَدْ وَهَبْتُ لَكَ ابْنَتِي ، أَوْ وَلِيَّتِي ، وَسَمَّى صَدَاقًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ النِّكَاحَ : 23359 - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحِلُّ الصَّدَاقُ بِهِبَتِهِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ حَتَّى يَقُولَ : قَدْ أَنَكَحْتُكَ ، أَوْ زَوَّجْتُكَ . 23360 - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَرَبِيعَةَ ، قَالَا : لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ . 23361 - وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ ، وَابْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ أَبِي سَلَمَةَ . 23362 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَغَيْرُهُمْ . 23363 - وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : 23364 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إِذَا أَرَادُوا النِّكَاحَ ، وَفَرَضُوا الصَّدَاقَ . 23365 - ( وَالثَّانِي ) : كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ . 23366 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا تَحِلُّ الْهِبَةُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 23367 - قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ هِبَتُهُ إِيَّاهَا لَيْسَتْ عَلَى نِكَاحٍ ، وَإِنَّمَا وَهَبَهَا لَهُ لِيَحْضُنَهَا ، أَوْ لِيَكْفَلَهَا ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . 23368 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ وَهَبَ ابْنَتَهُ ، وَهُوَ يُرِيدُ إِنْكَاحَهَا ، فَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ كَالْبَيْعِ . 23369 - وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَالَ : أَهَبُ لَكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا ، فَهُوَ بَيْعٌ . 23370 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ ، قَالُوا : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ : قَدْ وَهَبْتُ لَكَ ابْنَتِي عَلَى دِينَارٍ ، جَازَ ، وَكَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا ، وَكَانَ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ . 23371 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إِذَا شهدَ عَلَيْهِ ، وَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ سَمَّى ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا . 23372 - وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَيْضًا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالتَّصْرِيحِ ، وَبِالْكِنَايَةِ ، قَالُوا فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ . 23373 - قَالُوا : وَالَّذِي خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَرِّي الْبُضْعِ مِنَ الْعِوَضِ ، لَا النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ . 23374 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ هِبَةٌ بِلَفْظِ النِّكَاحِ ، وَجَبَ أَلَّا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 23375 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، النِّكَاحُ مُفْتَقِرٌ إِلَى التَّصْرِيحِ لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ ضِدُّ الطَّلَاقِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ . 23376 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نِكَاحٌ بِقَوْلِهِ : قَدْ أَحْلَلْتُ ، وَقَدْ أَبَحْتُ لَكَ ، فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْهِبَةِ . 23377 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَبْلَغَ الصَّدَاقِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ ، وَالْكَثِيرِ مِمَّا تَصْلُحُ بِهِ الْإِجَازَاتُ وَالْبِيَاعَاتُ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بِالْإِجَارَةِ وَالْخِدْمَةِ . 23378 - وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، كَمَا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي النِّكَاحِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ هَاهُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 23379 - فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مِقْدَارِ مَبْلَغِ الصَّدَاقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِدُونِهِ : 23380 - فَقَالَ مَالِكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ : لَا أَرَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ، وَذَلِكَ أَدْنَى مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ . 23381 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، حَاشَا ابْنَ وَهْبٍ ، لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ صَدَاقٌ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْوَرِقِ كَيْلًا ، أَوْ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ الَّتِي يَجُوزُ مِلْكُهَا . 23382 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَيْلًا ، قِيَاسًا عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ . 23383 - وَكَذَلِكَ قَاسَهُ مَالِكٌ عَلَى مَا تُقْطَعُ الْيَدُ عِنْدَهُ فِيهِ . 23384 - وَقَالَ لَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ : تَعَرَّقْتَ فِيهَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ يَقُولُ : ذَهَبْتُ فِيهَا مَذْهَبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ . 23385 - وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَالِكٍ . 23386 - وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ؛ بِأَنَّ الْبُضْعَ عُضْوٌ مُسْتَبَاحٌ بِبَدَلٍ مِنَ الْمَالِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا قِيَاسًا عَلَى قَطْعِ الْيَدِ . 23387 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمَّا شَرَطَ عَدَمَ الطَّوْلِ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ ، وَأَبَاحَهُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّوْلَ لَا يَجِدُهُ كُلُّ النَّاسِ ، وَلَوْ كَانَ الْفِلْسُ وَالدَّانِقُ وَالْقَبْضَةُ مِنَ الشَّعِيرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ طَوْلًا لَمَا عَدِمَهُ أَحَدٌ . 23388 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوْلَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ : الْمَالُ . وَلَا يَقَعُ اسْمُ مَالٍ عِنْدَهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ اسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ بِالْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَكُونُ طَوْلًا . 23389 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي مَبْلَغِ أَقَلِّ الصَّدَاقِ بَيْنَ صَدَاقِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 23390 - وَإِنَّمَا شَرَطَ الطَّوْلَ فِي نِكَاحِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ كَمَا لَا يُجِيزُونَ نِكَاحَ الْحُرَّةِ بِأَقَلِّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ . 23391 - وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى قَطْعِ الْيَدِ ، فَقَدْ عَارَضَهُمْ مُخَالِفُوهُمْ بِقِيَاسٍ مِثْلِهِ ، أَذْكُرُهُ بَعْدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 23392 - وَأَمَّا حُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا صَدَاقَ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَا مَعْنَى لَهَا ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُثْبِتُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 23393 - وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَا صَدَاقَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، فَإِنَّمَا يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ . 23394 - وَهُوَ مُنْقَطِعٌ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ . 23395 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : أَقَلُّ الْمَهْرِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، وَفِي ذَلِكَ تُقْطَعُ الْيَدُ عِنْدَهُ . 23396 - وَعَنِ النَّخَعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدٌ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا . 23397 - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَلَكِنِ الْعَشْرَةُ ، وَالْعِشْرُونَ . 23398 - ( وَالثَّالِثُ ) : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : عَشَرَةُ دَرَاهِمَ . 23399 - وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَقْوَالُ النَّخَعِيِّ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِمَّا اخْتَارَهُ . 23400 - وَكَذَلِكَ مِمَّا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا . 23401 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ : لَا حَدَّ فِي مَبْلَغِ الصَّدَاقِ ، وَيَجُوزُ بِمَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ . 23402 - وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ . 23403 - كُلُّهُمْ يُجِيزُ النِّكَاحَ بِقَلِيلِ الْمَالِ ، وَكَثِيرِهِ . 23404 - إِلَّا أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ يُعْجِبُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الصَّدَاقُ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ ، أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَيُجِيزُهُ بِدِرْهَمٍ . 23405 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كُلُّ نِكَاحٍ وَقَعَ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهُ لَا يَنْقُضُهُ قَاضٍ . 23406 - قَالَ : وَالصَّدَاقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ . 23407 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا كَانَ ثَمَنًا لِشَيْءٍ أَوْ أُجْرَةً ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا . 23408 - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا حَلَّتْ . 23409 - وَأَنْكَحَ ابْنَتَهُ بِصَدَاقٍ ؛ دِرْهَمَيْنِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ . 23410 - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ : الْفِلْسُ صَدَاقٌ يَجِبُ بِهِ النِّكَاحُ ، وَلَكِنِّي أَسْتَقْبِحُ صَدَاقَ دِرْهَمَيْنِ . 23411 - وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى دِرْهَمٍ . 23412 - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : الْمَهْرُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ . 23413 - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ . 23414 - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ : الثَّوْبُ وَالسَّوْطُ وَالنَّعْلَانِ صَدَاقٌ إِذَا رَضِيَتْ . 23415 - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ يَسْتَحِبُّ أَلَّا يَنْقُصَ الصَّدَاقُ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ ، وَيُجِيزُهُ بِدِرْهَمٍ ، وَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ . 23416 - وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوْ أَصْدَقَهَا دِرْهَمَيْنِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ . 23417 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي دُكيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ يَقُولُ : كَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ يَرَى التَّزْوِيجَ بِدِرْهَمٍ . 23418 - أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ زَكَرِيَّا ، قَالَ : حَدَّثَنِي خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ ابْنَ مُوسَى زَكَرِيَّا ، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى مَوْزَةٍ إِذَا هِيَ رَضِيَتْ . 23419 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَرْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيُسْرِيُّ ، قَالَ : جَاءَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : إِنْ تَرَاضَوْا عَلَى دِرْهَمٍ فِي الْمَهْرِ فَجَائِزٌ . 23420 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَحْدِيدَ فِي مَبْلَغِ الصَّدَاقِ . 23421 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا حَدَّ وَلَا تَوْقِيتَ فِي أَكْثَرِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا حَدَّ فِي أَقَلِّهِ وَلَا تَوْقِيتَ . 23422 - وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ ، جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ خَادِمًا قَبْضَتْهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ بِمِلْكٍ . 23423 - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ 23424 - وَهَذَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ ، فَهُوَ زَانٍ ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا بِمَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 23425 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ مِنْ صَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ : 23426 - فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إِلَّا نِصْفَهُ ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ إِذَا كَانَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ ، فَهَلَكَ ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَا لَهُ عَلَيْهَا . 23427 - وَلَوْ سَلَّمَ الصَّدَاقَ ، وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا ، أَوْ نَامِيًا ، وَالتَّمَامُ وَالنُّقْصَانُ بَيْنَهُمَا . 23428 - وَقَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ . 23429 - وَقَالَتْ بِهِ أَيْضًا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْمَهْرَ كُلَّهُ بِالْعَقْدِ . 23430 - وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الصَّدَاقَ كُلَّهُ . 23431 - وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ إِذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا ، وَلَا يُقَالُ لِلزَّوْجِ : أَدِّ الزَّكَاةَ عَنْهَا . 23432 - وَكَذَلِكَ تُدْخُلُ بِامْرَأَتِكَ . وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا فِي أَرْبَعِينَ شَاةً ، أَوْ خَمْسِ ذَوْدٍ إِلَّا نِصْفُ شَاةٍ ، فَلَمَّا أَوْجَبَ عَلَيْهَا شَاةً عُلِمَ أَنَّهَا كُلَّهَا عَلَى مِلْكِهَا . 23433 - وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَاعْتَلُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ إِذَا قَبَضَتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي غَيْرِ ذِمَّةِ الزَّوْجِ . 23434 - وَهَكَذَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ مِنْهَا ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ . 23435 - وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الصَّدَاقَ لَوْ كَانَ أَبُوهَا عُتِقَ عَلَيْهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَنْظُرِ الدُّخُولَ . 23436 - وَقَدْ زِدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا ، وَاعْتِلَالًا فِي التَّمْهِيدِ . 23437 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ مِنَ الْحَدِيدِ . 23438 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ لِبَاسِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ . 23439 - فَكَرِهَهُ قَوْمٌ ، مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ . 23440 - وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا ظَهَرَتْ كَفٌّ فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ . 23441 - وَرَوَى ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ . 23442 - وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى عَلَى رَجُلٍ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَقَالَ لَهُ : مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ . 23443 - وَمَنْ لَمْ يُصِحَّ هَذِهِ الْآثَارَ ، فَقَالَ : الْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَصِحَّ الخطر ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْتَمِسْ ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 23444 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ - أَيْضًا - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ : الْتَمِسْ ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، قَالَ لَهُ : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ، فَذَكَرَ لَهُ سِوَرًا ، فَقَالَ : قَدْ زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ . 23445 - وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ . 23446 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يَكُونُ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ مَهْرًا . 23447 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْمُزَنِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ . 23448 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِالْأَمْوَالِ ، لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الطَّوْلَ فِي النِّكَاحِ . 23449 - وَالطَّوْلُ : الْمَالُ ، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَالٍ ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ يَخْتَلِفُ وَلَا يَكَادُ يُضْبَطُ ، فَأَشْبَهَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ . 23450 - قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : قَدْ أَنَكَحْتُكَ عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِلْقُرْآنِ وَأَهْلِهِ ، لَا عَلَى أَنَّهُ مَهْرٌ ، وَإِنَّمَا زَوَّجَهُ إِيَّاهَا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ فَتَزَوَّجَهَا . 23451 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 23452 - وَكَانَ الْمَهْرُ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْهُودٌ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ . 23453 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ أَوْ سُورَةٍ مِنْهُ مَهْرًا . 23454 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : هُوَ نِكَاحٌ جَائِزٌ . 23455 - وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُهُ . 23456 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ التَّعْلِيمِ . 23457 - هَذِهِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ . 23458 - وَرَوَى عَنْهُ الرَّبِيعُ فِي الْمُوَطَّأِ إِنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ النِّصْفِ لَا يُوقَفُ عَلَى حَدّ . 23459 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ ، أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ يَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا . 23460 - قَالُوا : وَلَا مَعْنَى لِمَا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ ، وَسَاقَتَهُ يُبْطِلُ تَأْوِيلَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ فِيهِ الصَّدَاقَ بِالْإِزَارِ ، وَخَاتَمِ الْحَدِيدِ ، ثُمَّ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِ الْقُرْآنِ فِي الصَّدَاقِ غَيْرُ ذَلِكَ . 23461 - وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ مُضَرَ حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الَّذِي أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْكِحَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ - أَنَّ ذَلِكَ فِي أُجْرَتِهِ عَلَى تَعْلِيمِهَا مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ . 23462 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : لَا خَيْرَ فِي هَذَا النِّكَاحِ ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَيَكُونُ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ صَدَاقُ الْمِثْلِ . 23463 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ بِقَصَاصٍ ، وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا . 23464 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : النِّكَاحُ جَائِزٌ ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ . 23465 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى خِدْمَةِ سَنَةٍ : إِنْ كَانَ عَبْدًا ، فَلَهَا خِدْمَتُهُ سَنَةً ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا . 23466 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ إِنْ كَانَ حُرًّا . 23467 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَحُجبِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ حَجبهَا مِنَ الْحُمْلَانِ وَالْكُسْوَةِ . 23468 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى الْخِدْمَةِ إِذَا كَانَ وَقْتًا مَعْلُومًا . 23469 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَذَلِكَ كَلُّ عَمَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّمَهَا قُرْآنًا ، أَوْ يُعَلِّمَ لَهَا عَبْدًا عَمَلًا . 23470 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا نَفْسَهُ سَنَةً أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُقَدِّمَ مِنَ الْأُجْرَةِ شَيْئًا يَكُونُ قَدْرَ رُبُعِ دِينَارٍ . 23471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ : الْتَمِسْ شَيْئًا ، وَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ أَنَّهُ أَرَادَ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُقَدِّمُهُ إِلَيْهَا مِنْ صَدَاقِهَا ؟ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ أَنْ يُقَدِّمُوا مِنَ الصَّدَاقِ بَعْضَهُ ، لَا أَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ الصَّدَاقُ كُلُّهُ . 23472 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ مَا يُقَدِّمُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ رُبُعَ الدِّينَارِ . 23473 - وَهَذَا خِلَافُ مَا تَأَوَّلَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ الْحَدِيثَ . 23474 - وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَيَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ : الْتَمِسْ شَيْئًا ، وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ . 23475 - قَالُوا : وَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وَجَدَهُ يَكُونُ ثَمَنًا لِشَيْءٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 23476 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَأَخْذِ الْبَدَلِ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ الْعِوَضُ فِي كُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْهُ . 23477 - وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ . 23478 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً ، فَنَزَلُوا بِحَيٍّ ، فَسَأَلُوهُمُ الْكِرَاءَ أَوِ الشِّرَاءَ فَلَمْ يَفْعَلُوا ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الْحَيِّ ، فَقَالَ لَهُمْ : هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ ؟ فَقَالُوا : لَا ، حَتَّى تَجْعَلَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا ، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ ، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، فَبَرِئَ ، فَذَبَحُوا ، وَشَوَوْا ، وَأَكَلُوا ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتُمْ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ . 23479 - وَرَوَاهُ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ قُتَّةَ وَأَبُو نَضْرَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . 23480 - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 23481 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْأَلُ مِنْهُ شَيْئًا يَقْرَأُهُ ، وَأَنْ يُعَلِّمَهُ لِمَنْ سَأَلَهُ ، إِلَّا أَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِهِ وَيَشْغَلَهُ عَنْ مَعِيشَتِهِ . 23482 - وَاعْتَلُّوا بِأَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ كُلِّهَا ضَعِيفَةٌ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي جُرْهَمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ هَكَذَا : عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي جُرْهَمٍ . وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي الْمُهَزَّمِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 23483 - وَأَبُو جُرْهَمٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ ، وَأَبُو الْمُهَزَّمِ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ . قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا تَقُولُ فِي الْمُعَلِّمِينَ ؟ قَالَ : دِرْهَمُهُمْ حَرَامٌ وَقَوْلُهُمْ سُحْتٌ ، وَكَلَامُهُمْ رِبًا . 23484 - وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . 23485 - وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيٍّ ، عَنِ الْأُسُودِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ قَوْسًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ بِهِ طَوْقًا مِنْ نَارٍ ، فَاقْبَلْهُ . 23486 - وَمِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ . 23487 - وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . 23488 - وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِبْلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : اقْرَءوا الْقُرْآنَ ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ . 23489 - وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمَرو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً . 23490 - فَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ فَرْضٌ ، وَبِأَحَادِيثَ مِثْلِ هَذِهِ ، كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا . 23491 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُصَلِّي بِالنَّاسِ مَكْتُوبَةً بِأُجْرَةٍ : 23492 - فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُسْتَأْجَرُ فِي رَمَضَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ ؟ فَقَالَ : أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَأْسٌ ، فَعَلَيْهِ ، لَا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ . 23493 - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَرِهَهُ . 23494 - قَالَ : وَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ . 23495 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . 23496 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا ، لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا . 23497 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْأَذَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَفَرْضًا مُتَعَيِّنًا ، وَفَرْضًا عَلَى الدَّارِ ، وَمَنْ جَعَلَهُ نَافِلَةً ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ بِهِ نَدْبًا ، وَمِنْ جَعَلَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً فِي الْجَمَاعَةِ . 23498 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَالْمَكْتُوبَةِ ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ . 23499 - وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : أَوْلَى مَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ أَعْمَالُ الْبِرِّ ، وَعَمَلُ الْخَيْرِ إِذَا لَمْ يَلْزَمِ الْمَرْءَ الْقِيَامُ بِهَا لِنَفْسِهِ ، كَمُرَاقَبَةِ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ ، وَالْتِزَامِ الْإِمَامَةِ ، وَالْأَذَانِ فِي الصَّلَاةِ ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ . 23500 - وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رِجُلٍ أَمَّ قَوْمًا وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا ؟ قَالَ : لَا صَلَاةَ لَهُ . 23501 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدَّى الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ عِوَضًا ، وَلِذَلِكَ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ . 23502 - وَفِي الْمَسْأَلَةِ اعْتِلَالٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ · ص 193 3 - بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ 1096 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا ؛ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ؟ فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا ، قَالَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ مَعِي سُورَةُ كَذَا ، وَسُورَةُ كَذَا ، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . 3 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ بِفَتْحِ الصَّادِ فِي لُغَةِ الْأَكْثَرِ ، وَالثَّانِيَةُ : كَسْرُهَا ، وَيُجْمَعُ عَلَى صُدُقٍ بِضَمَّتَيْنِ ، وَالثَّالِثَةُ : لُغَةُ الْحِجَازِ صَدُقَةٍ بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّ الدَّالِ وَتُجْمَعُ عَلَى صَدُقَاتٍ عَلَى لَفْظِهَا ، وَفِي التَّنْزِيلِ : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 4 ] وَالرَّابِعَةُ : لُغَةُ تَمِيمٍ صُدْقَةٌ وَالْجَمْعُ صُدُقَاتٍ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ فِي وُجُوهِهَا ، وَالْخَامِسَةُ : صَدْقَةٌ وَجَمْعُهَا صُدَقٌ مِثْلُ قَرْيَةٍ وَقُرَى ، وَأَصْدَقَهَا بِالْأَلِفِ أَعْطَاهَا صَدَاقَهَا ، وَالْحِبَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ الْإِعْطَاءُ بِلَا عِوَضٍ . 1118 1096 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ ، سَلَمَةَ ( بْنِ دِينَارٍ ) الْمَدَنِيِّ ا لْعَابِدِ الثِّقَةِ ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ ) بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ( السَّاعِدِيِّ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ، مَاتَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّاعِ فِي الْأَحْكَامِ : إِنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ أَوْ أُمُّ شَرِيكٍ أَوْ مَيْمُونَةُ - نَقَلَهُ مِنِ اسْمِ الْوَاهِبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَةِ : وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ( فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ ) بِلَامِ التَّمْلِيكِ اسْتُعْمِلَتْ هُنَا فِي تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ، أَيْ وَهَبْتُ أَمْرَ نَفْسِي لَكَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِأَنَّ رَقَبَةَ الْحُرِّ لَا تُمَلَّكُ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : أَتَزَوَّجُكَ بِلَا صَدَاقٍ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَنَظَرَ إِلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ ( فَقَامَتْ طَوِيلًا ) نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ أَيْ قِيَامًا ، سُمِّيَ مَصْدَرًا لِأَنَّهُ اسْمُ الْفِعْلِ أَوْ عَدَدُهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَهَذَا قَامَ مقام المصدر فَسُمِّيَ بِاسْمِ مَا وَقَعَ مَوْقِعَهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ( فَقَامَ رَجُلٌ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا ) لَمْ يَقُلْ هَبْهَا لِي لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ صَدَاقٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَيْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِالْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 5 ] وَقَالَ فِي الْإِمَاءِ : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ سُورَةُ النساء : الْآيَةُ 25 ] يَعْنِي مُهُورَهُنَّ ، وَإِنِ اقْتَضَى الْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ الْبَدَلُ بِهِ وَالْعِوَضُ يَجُوزُ هِبَتُهُ ، لَكِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بُضْعَ النِّسَاءِ إِلَّا بِالْمَهْرِ ، وَأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ . ( إِنْ لَمْ تَكُنْ ) بِفَوْقِيَّةٍ ( لَكَ بِهَا حَاجَةٌ ) بِزَوَاجِهَا وَفِيهِ حُسْنُ أَدَبِهِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ) بِزِيَادَةِ مِنْ فِي الْمُبْتَدَأِ ، وَالْخَبَرُ مُتَعَلَّقُ الظَّرْفِ ، وَجُمْلَةُ ( تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ شَيْءٍ ، وَيَجُوزُ جَزْمُهُ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَتُصْدِقُ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ ، ثَانِيهُمَا إِيَّاهُ ، وَهُوَ الْعَائِدُ مِنَ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ . ( فَقَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : فَلَهَا نِصْفُهُ قَالَ وَمَا لَهُ رِدَاءٌ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ ) جَوَابُ الشَّرْطِ وَلَا نَافِيَةٌ وَالِاسْمُ مَبْنِيٌّ مَعَ لَا ، وَلَكَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ أَيْ وَلَا إِزَارَ كَائِنٌ لَكَ فَتَنْكَشِفُ عَوْرَتُكَ ، وَفِيهِ أَنَّ إِصْدَاقَ الشَّيْءِ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ ، فَمَنْ أَصْدَقَ جَارِيَتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، وَإن شَرْطَ الْمَبِيعِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَرْعًا ، سَوَاءٌ امْتَنَعَ حِسًّا كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ شَرْعًا فَقَطْ كَالْمَرْهُونِ ، وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي لَوْ زَالَ إِزَارُهُ انْكَشَفَ وَفِيهِ نَظَرُ الْكَبِيرِ فِي مَصَالِحِ الْقَوْمِ وَهِدَايَتُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : مَا تَصْنَعُ - أَيِ : الْمَرْأَةُ - بِإِزَارِكَ ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ ( فَالْتَمَسَ شَيْئًا ) فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ ( فَقَالَ : مَا أَجِدُ شَيْئًا ، قَالَ : الْتَمِسْ ) اطْلُبْ ( وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) قَالَ عِيَاضٌ : هُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لَا التَّحْدِيدِ لِأَنَّ الرَّجُلَ نَفَى قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودَ شَيْءٍ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ خَاتَمِ حَدِيدٍ ، وَقِيلَ : لَعَلَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ مَا يُقَدِّمُهُ لَا أَنَّ جَمِيعَ الْمَهْرِ خَاتَمُ حَدِيدٍ ، وَهَذَا يُضَعِّفُهُ اسْتِحْبَابُ مَالِكٍ تَقْدِيمَ رُبُعِ دِينَارٍ لَا أَقَلَّ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ إِذْ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْهُ ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا : كَانَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ وَقَبْلَ قَوْلِهِ إِنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ ( فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَفِي أُخْرَى : فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ ، فَرَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ لَهُ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) مَعِي ( سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا ) بِالتَّكْرَارِ ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثًا ( لِسُوَرٍ سَمَّاهَا ) فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ : أَنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : سُورَةُ الْبَقَرَةِ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا بِأَوْ ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : الْبَقَرَةُ وَسُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ وَفِي فَوَائِدِ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَبوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَعِي أَرْبَعُ سُوَرٍ أَوْ خَمْسُ سُوَرٍ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ ، وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ أَوْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا ) وَلِلتِّنِّيسِيِّ : زَوَّجْنَاكَهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : مَلَّكْتُكَهَا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هِيَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ زَوَّجْتُكَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ صِحَّةُ الْوَجْهَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ جَرَى ذِكْرُ التَّزْوِيجِ أَوَّلًا ثُمَّ لَفْظُ التَّمْلِيكِ ثَانِيًا أَيْ إِنَّهُ مَلَكَ عِصْمَتَهَا بِالتَّزْوِيجِ السَّابِقِ ( بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ) الْبَاءُ لِلْعِوَضِ كَبِعْتُكَ ثَوْبِي بِدِينَارٍ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَحَهَا بِحِفْظِهِ الْقُرْآنَ أَيْ إِنَّ الْبَاءَ سَبَبِيَّةٌ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبَةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، أَظْهَرُهُمَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ قَدْرًا مِنْهُ وَيَكُونُ صَدَاقُهَا تَعْلِيمَهُ إِيَّاهَا ، وَجَاءَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ تَكُونُ صَدَاقًا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : اذْهَبْ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ : فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ ، وَالْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاللَّيْثُ ، وَمَكْحُولٌ : هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ لِمَا حَفِظْتَ مِنَ الْقُرْآنِ وَصِرْتَ لَهَا كُفُؤًا فِي الدِّينِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، انْتَهَى . وَقَدْ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَهُمَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ فِي مَذْهَبِهِ ، وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ الْأَزْدِيِّ الصَّحَابِيِّ قَالَ : زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكِ مَهْرًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا جَوَازُ جَعْلِ الصَّدَاقِ مَنَافِعَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَنْكَحَهَا لَهُ لِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ إِذْ رَضِيَهُ لَهَا وَيَبْقَى ذِكْرُ الْمَهْرِ مَسْكُوتًا عَنْهُ إِمَّا لِأَنَّهُ أَصْدَقَ عَنْهُ كَمَا كَفَّرَ عَنِ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ وَوَدَى الْمَقْتُولَ بِخَيْبَرَ إِذْ لَمْ يُحَلِّفْ أَهْلَهُ رِفْقًا بِأُمَّتِهِ ، أَوْ أَبْقَى الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْكَحَهُ تَفْوِيضًا حَتَّى يَجِدَ صَدَاقًا أَوْ يَتَكَسَّبَهُ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَلْيَحْرِصْ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَفَضْلِ أَهْلِهِ وَشَفَاعَتِهِمْ بِهِ . وَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إِلَى أَنَّهُ أَنْكَحَهَا بِلَا مَشُورَتِهَا وَلَا صَدَاقٍ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَا كُلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِجَوَازِ النِّكَاحِ بِلَا صَدَاقٍ وَبِمَا لَا قَدْرَ لَهُ ا هـ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : وَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِيَهَا وَتُعَلِّمَهَا وَإِذَا رَزَقَكَ اللَّهُ عَوَّضْتَهَا ، فَتَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا قَدْ يُقَوِّي ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ الصَّحِيحِ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : مُعَلِّمِي صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ أَقَلُّهُ رَحْمَةً بِالْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُ عَلَى الْمِسْكِينِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْمُعَلِّمِينَ ؟ قَالَ : دِرْهَمُهُمْ حَرَامٌ وَقُوتُهُمْ سُحْتٌ وَكَلَامُهُمْ رِيَاءٌ . وَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ . وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ . وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ هَذِهِ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ ، قَالَ : وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ : اقْرَؤوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا قَالَ : وَهَذَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ لِلَّهِ ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا وَنَحْوَ هَذَا . وَرَوَى حَدِيثَ الْبَابِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ سِيَاقَةً مَالِكٌ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ لِقَوْلِهِ : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 50 ] الْآيَةَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَأَبُو غَسَّانَ ، وَفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ وَزَائِدَةُ وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، قَائِلًا : يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ : انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ : تَزَوَّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ .