1262 حَدِيثٌ خَامِسٌ لِرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ فَقُلْنَا : نَعْزِلُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ هَكَذَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرِوَايَةُ رَبِيعَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ تَدْخُلُ فِي بَابِ رِوَايَةِ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ ، وَالْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْثِ عَنِ الْعِلْمِ ، وَاسْتِدَامَةِ طَلَبِهِ الْعُمُرَ كُلَّهُ ، عند كُلُّ مَنْ طَمِعَ بِهِ عِنْدَهُ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ جُوَيْرِيَةَ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ ، عَنِ الْعَبَّاسِ العنبري ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ - عُقَيْلٌ - ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَخَالَفَهُمَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ - وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو صِرْمَةَ ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي وَأَفْضَلَ ، عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ : أَسَرْنَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ فَقُلْنَا : نَعْزِلُ ، وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ سَوَاءً بِمَعْنَاهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ الشَّامِيِّ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، وَأَبَا صِرْمَةَ الْمَازِنِيَّ يَقُولَانِ : أَصَبْنَا سَبَايَا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَصَابَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُوَيْرِيَةَ ، فَكَانَ مِنَّا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ أَهْلًا ، وَمِنَّا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ وَيَبِيعَ ، فَتَذَاكَرْنَا الْعَزْلَ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَدَّرَ مَا هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلِهَذَا الِاضْطِرَابِ فِي ذِكْرِ أَبِي صِرْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهُ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَخَالَفَهُمَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . وَحَدِيثُ مَالِكٍ ، وَشُعَيْبٍ ، وَعُقَيْلٍ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ فَحَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أبو الطاهر مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ : أَصَبْنَا سَبَايَا ، فَكُنَّا نَعْزِلُ ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَنَا : وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُقَيْلٍ ، فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْأَعْنَاقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَامَةُ ، عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ القرشي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبَايَا ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ ، فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ; فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ ، إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ ، فَلَا نَرَى أَنَّ هَذَا كَانَ نَهْيًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَزِيمَةً . وَأَمَّا ابْنُ مُحَيْرِيزٍ هَذَا ، فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، نَزَلَ الْمَدِينَةَ ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الشَّامِيِّينَ مِنْ جُلَّةِ التَّابِعِينَ وَخِيَارِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ مَكْحُولٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْعَرَبَ تُسْبَى ، وَتُسْتَرَقُّ ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْمَعْنَى . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْعَرَبَ لَا تُسْتَرَقُّ . وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي سَهْمِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِلْكُ يَمِينِهِ ، وَذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - مِنْ أَطَيْبِ الْكَسْبِ ، وَهُوَ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَحَرَّمَهُ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا . وَجَوَازُ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُقَيَّدٌ بِمَعَانٍ فِي الشَّرِيعَةِ : مِنْهَا : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرِّضَاعِ وَمِنْهَا : أَلَّا تُوطَأَ مَنْ لَيْسَتْ كِتَابِيَّةً حَتَّى تُسْلِمَ . وَمِنْهَا أَلَّا تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً . وَأَمَّا وَطْءُ نِسَاءِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُنَّ مِنْ أَنْ يَكُنَّ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ الَّذِينَ دَانُوا بِالنَّصْرَانِيَّةِ ، أَوِ الْيَهُودِيَّةِ ، فَيَحِلُّ وَطْؤُهُنَّ ، أَوْ يَكُنَّ مِنَ الْوَثَنِيَّاتِ فَتَكُونُ إِبَاحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ يَعْنِي الْوَثَنِيَّاتِ ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا خَالَفَهُ فَشُذُوذٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَدُّ خِلَافًا . وَفِيهِ : أَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ مِمَّا لَا نَقِيصَةَ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ - مِنْهُ - مِنْ شَهْوَةِ النِّسَاءِ لِلْعَفَافِ ، وَحُبِّ الْمَالِ لِلتَّسَتُّرِ وَالْكَفَافِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : اشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَمَا عَلَيْكُمْ ، فَمَا بِمَعْنَى لَيْسَ ، وَلَا زَائِدَةَ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ بِمَعْنَى أَنْ تَسْجُدَ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا أَيْ : لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي الْعَزْلِ . وَقَوْلُهُ : مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، أَرَادَ مَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا ، فَلَا يُوجِبُ الْعَزْلُ مَنْعَ الْوَلَدِ ، كَمَا لَا يُوجِبُ الِاسْتِرْسَالُ أَنْ يَأْتِيَ الْوَلَدُ ، بَلْ ذَلِكَ بِيَدِهِ تَعَالَى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . وَفِيهِ : أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ؛ لِقَوْلِهِ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، وَالْفِدَاءُ هَاهُنَا الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ أَوْ أَخْذُ الْفِدَاءِ مِنْ أَقَارِبِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِيهِنَّ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْ مَلَكَ مَا وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنَ السَّبْيِ ، فَأَرَادُوا الْوَطْءَ ، وَخَافُوا الْحَمْلَ الْمَانِعَ مِنَ الْفِدَاءِ وَالْبَيْعِ ، فَهَمُّوا بِالْعَزْلِ رَجَاءَ السَّلَامَةِ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْأَغْلَبِ ، وَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَى الْعَزْلِ حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ : إِنَّ الْعَزْلَ هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَى الْعَزْلِ لِمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي شَرِيعَتِهِمْ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَأَبَاحَ لَهُمُ الْعَزْلَ ، وَلَوْ كَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ حَمْلُهَا ; لَبَلَغُوا مِنَ الْوَطْءِ مَا أَحَبُّوا مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الْفِدَاءَ أَحَبُّوا الْعَزْلَ لِيَسْلَمَ ذَلِكَ لَهُمْ ، ثُمَّ لَمْ يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَغَ مِنَ الْعِبَادِ ، وَقَدْ عَلِمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ وَقَدَّرَهَا ، وَجَفَّ الْقَلَمُ بِهَا ، وَمَا قُدِّرَ لَمْ يُصْرَفْ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَصَحِّ شَيْءٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ مَا دَامَتْ حَامِلًا مِنْ سَيِّدِهَا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِهَا بَعْدَ وَضْعِ حَمْلِهَا . وَأَصْلُ الْمُخَالِفِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ إِجْمَاعٌ إِلَّا بِمِثْلِهِ ، وَهَذَا قَطْعٌ لِقَوْلِهِ هَاهُنَا ، إِلَّا أَنَّهُ يُعْتَرَضُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ بَيْعِهَا ; لِأَنَّهُ إِذَا زَالَ الْحَمْلُ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ بِزَوَالِهِ الْمَنْعُ مِنَ الْبَيْعِ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ضُرُوبٌ مِنَ التَّشْغِيبِ ، وَأَمَّا طَرِيقُ الِاتِّبَاعِ لِلْجُمْهُورِ الَّذِي يُشْبِهُ الْإِجْمَاعَ فَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِنَّ ، وَعَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِنَّ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِنَّ ، وَلَكِنَّهُ قَطَعَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كُتُبِهِ بِأَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ ، وَعَلَى ذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ ، وَالْقَوْلُ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ شُذُوذٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ طَائِفَةٌ : مِنْهُمْ دَاوُدُ اتِّبَاعًا لِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَا سَلَفَ لَهَا لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَأَصَحُّ شَيْءٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَةَ يَقُولُ : كَانَ عَلِيٌّ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي الدَّيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِنَّ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُنَّ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ : كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا . وَهِيَ آثَارٌ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ ، وَفِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَارِيَةَ إِذْ وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ : أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا . وَالْحُجَجُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي بَيْعِهِنَّ لِلْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ . وَأَمَّا الْعَمَلُ وَالِاتِّبَاعُ ، فَعَلَى مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . اهـ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَى إِثْبَاتِ قِدَمِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّ الْخَلْقَ يَجْرُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ عَنْ ذَلِكَ عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ قَالَ : كُتِبَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهُ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي هِشَامٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ قَالَ : كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْغَنَائِمَ . وَرَوَى سَالِمٌ الْأَفْطَسُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ : مَا كُتِبَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ قَالَ : مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْقَدَرِ - أَنَّهُ سِرُّ اللَّهِ لَا يُدْرَكُ بِجِدَالٍ وَلَا نَظَرٍ ، وَلَا تُشْفِي مِنْهُ خُصُومَةٌ وَلَا احْتِجَاجٌ ، وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْقَدَرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقُومُ شَيْءٌ دُونَ إِرَادَتِهِ ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كُلُّهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، نِظَامُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْقَدَرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَلَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، فَمَنْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى خَبَرَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ عِنَادًا وَكُفْرًا ، وَقَدْ ظَاهَرَتِ الْآثَارُ فِي التَّسْلِيمِ لِلْقَدَرِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْجَدَلِ فِيهِ ، وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ ، وَالْإِقْرَارِ بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَالْعِلْمِ بِعَدْلِ مُقَدِّرِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَفِي نَقْضِ عَزَائِمِ الْإِنْسَانِ بُرْهَانٌ فِيمَا قُلْنَا وَتِبْيَانٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : مَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ عِلْمًا فَجَعَلَهُ كِتَابًا ؟ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْوَدَّاكِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ : مَا مِنْ كُلِّ مَاءٍ يَكُونُ الْوَلَدُ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ . وَرَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : قَالَ بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ لِمُحَمَّد بن واسع : مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ؟ فَقَالَ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّبَاءَ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ السَّبَايَا يَوْمَئِذٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ انْطَلَقَتْ يَدُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنْهُنَّ ، وَأَرَادُوا الْعَزْلَ عَنْهُنَّ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ; لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ مَا خَبَرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَئِذٍ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً . رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَرُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ رُوَيْفِعِ ابْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ مَوْلَى تُجِيبَ ، عَنْ حَنَشٍ ، سَمِعَ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَالْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً ، أَحَادِيثُ حِسَانٌ ، وَعَلَيْهَا جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْوَطْءِ الطَّارِئِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ . وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ، وَعِنْدَهُ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يُنْهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا ، وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةَ وفي بطنها جَنِينٍ لِغَيْرِهِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الزَّوْجَيْنِ إِذَا سُبِيَا مَعًا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا سُبِيَ الْحَرْبِيَّانِ ، وَهُمَا زَوْجَانِ مَعًا فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، وَأُخْرِجَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا سُبِيَا مَعًا فَمَا كَانَا فِي الْمَقَاسِمِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، فَإِنِ اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ ، فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ، أَوْ زَوَّجَهَا لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا سُبِيَتْ ذَاتُ زَوْجٍ اسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَتَيْنِ ، وَغَيْرُ ذَاتِ زَوْجٍ بِحَيْضَةٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا سُبِيَتْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ، قَالَ : وَالسِّبَاءُ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فُرُوجَهُنَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلَّذِينَ سَبُوهُنَّ ، وَصِرْنَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَمِلْكِ أَيْمَانِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : إِذَا سُبِيَا مَعًا أَوْ مُفْتَرِقَيْنِ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّهُنَّ السَّبَايَا ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ يُحِلُّهُنَّ السِّبَاءُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْآيَةِ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فِي الْإِمَاءِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ ، وَأَنَّهُنَّ إِذَا مُلِكْنَ جَازَ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَكَانَ بَيْعُهُنَّ طَلَاقَهُنَّ ، وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ ، وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً ، فَأَصَابُوا أَحْيَاءً مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ يَوْمَ أَوْطَاسٍ فَقَتَلُوهُمْ ، وَهَزَمُوهُمْ ، وَأَصَابُوا نِسَاءً لَهُنَّ أَزْوَاجٌ ، فَكَأَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَثَّمُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْهُنَّ فَحَلَالٌ لَكُمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ بَعْثًا يَوْمَ حُنَيْنٍ إِلَى أَوْطَاسٍ ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا ، فَكَأَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ حُجَّةٌ لِلْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فِي اعْتِبَارِهِ الْعِدَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : إِبَاحَةُ الْعَزْلِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ لِمَنْ أَجَازَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ كَانَا يَعْزِلَانِ ، وَكَانَ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ أَمْرِهَا ، وَأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا فِي أَمْرِ الْعَزْلِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَةِ جَوَازِهِ فِي الشَّرِيعَةِ لَمْ يُضِيفُوا إِلَى ذَلِكَ اسْتِيمَارَ الْإِمَاءِ ، وَلَا مُشَاوَرَتَهُنَّ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ عَنْهُنَّ دُونَ رَأْيِهِنَّ . اهـ . وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَالْإِجْمَاعُ ، وَالْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ أَمَتَهُ الْوَطْءَ أَصْلًا ، كَانَ لَهُ الْعَزْلُ عَنْهَا أَحْرَى بِالْجَوَازِ ، وَهَذَا أَمْرٌ وَإِنْ كَانَ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهِيَةُ الْعَزْلِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى إِبَاحَتِهِ وَجَوَازِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِيهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْحُرَّةَ لَا يُعْزَلُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ التَّامُّ إِلَّا أَنْ لَا يَلْحَقُهُ الْعَزْلُ . وَفِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - جَوَازُ الْعَزْلِ ، وَإِبَاحَتُهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعَزْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَرْثُكَ ، إِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ عَطَّشْتَهُ فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ ، وَيَقُولُ : هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ ، قِيلَ : لَوْ صَحَّ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، كَانَتِ الْحُجَّةُ فِيمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ الصَّحَابَةِ : فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ؟ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَبْيَنُ مِنْ إِبَاحَةِ الْعَزْلِ وَإِجَازَتِهِ ، وَهَذَا فِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، وَهِيَ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ خِلَافُ هَذَا ، وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ ، قَالَ : شَهِدْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُونَ الْمَوْءُودَةَ ، فِيهِمْ عَلِيٌّ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَطَلْحَةُ ، وَسَعْدٌ ، فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّكُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا ، فَكَيْفَ بِمَنْ بَعْدَكُمْ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : إِنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْحَالَاتُ السَّبْعُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ . قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : إِنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَكُونَ نُطْفَةً ، ثُمَّ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ عَظْمًا ، ثُمَّ لَحْمًا ، ثُمَّ تَظْهَرُ ، ثُمَّ تَسْتَهِلُّ ، فَحِينَئِذٍ إِذَا دُفِنَتْ فَقَدْ وُئِدَتْ ; لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحَسَّتْ بِحَمْلٍ ، فَتَدَاوَتْ حَتَّى تُسْقِطَهُ فَقَدْ وَأَدَتْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْعَزْلُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى ، فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَوْءُودَةً إِلَّا بَعْدَ مَا وَصَفَ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ إِنْ شِئْتَ فَاعْزِلْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَعْزِلْ . قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرِ الْآيَةِ قَوْلَانِ غَيْرُ هَذَا . ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ لِقَوْمٍ تَزَوَّجَهَا ، فَلَا يَعْزِلُ عَنْهَا إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَتَهُ فَلْيَعْزِلْ إِنْ شَاءَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : الْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إِلَى مَوْلَاهَا . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : لَا يَعْزِلُ عَنْهَا إِلَّا بِأَمْرِهَا ، وَالْأُخْرَى بِأَمْرِ مَوْلَاهَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ دُونَ إِذْنِهَا ، وَدُونَ إِذْنِ مَوْلَاهَا ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . وَلَكِنَّ إِجْمَاعَ الْحُجَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بمعناه يَقْضِي بِصِحَّتِهِ . حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُفَسِّرِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خيثمة زُهَيْرِ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِي جَارِيَةً أَفَأَعْزِلُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ · ص 130 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي سعيد الخدري مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا · ص 195 ( 34 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ 1222 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ; أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ . فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ . وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ . فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ . فَقَالَ : " مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ " . 27489 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَقَالَ فِيهِ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . 27490 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ بِإِسْنَادِهِ ، فَقَالَ فِيهِ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . 27491 - وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ هُمْ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بِهِمْ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ : الْمُرَيْسِيعُ . مِنْ نَحْوٍ فَرِيدٍ ، وَذَلِكَ فِي نَحْوِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَالْغَزْوَةُ تُعْرَفُ بِغَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَغَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ . 27492 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : أَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسٍ ، وَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا مِنْهُنَّ ، وَلَا يَحْمِلْنَ ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : " مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَجَعَلَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ . 27493 - وَسَبْيُ أَوْطَاسٍ هُوَ سَبْيُ هَوَازِنَ ، وَسَبْيُ هَوَازِنَ إِنَّمَا سُبِيَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَوَهِمَ مُوسَى بْنُ عَقَبَةَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 27494 - وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَلَا هَوَازِنَ ، وَلَا أَوْطَاس ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ ، فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسَمَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ . 27495 - فَهَذَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَكَانَ مِنْ جِلَّةِ التَّابِعِينَ ، وَكِبَارِ الْفُضَلَاءِ ، مِنْهُمْ سَمِعَهُ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، وَجَمَاعَةٌ . 27496 - وَرَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا السُّؤَالَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَطْ . 27497 - وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : لِمَا أَصَبْنَا سَبْيَ خَيْبَرَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ . 27498 - هَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي سَبْيِ خَيْبَرَ . 27499 - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : أَبُو الْوَدَّاكِ جَبْرُ بْنُ نَوْفٍ ثِقَةٌ . 27500 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَبْيَ خَيْبَرَ يَهُودِيَّاتٌ ، وَسَبْيَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَسَبْيَ أَوْطَاسٍ وَثَنِيَّاتٌ . 27501 - وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فِي تِلْكَ الْغَزاةِ انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ مَا وَقَعَ فِي سِهَامِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي سَبَوْا وَغَنِمُوا ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهُوَ الشَّأْنُ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ يَحِلُّ وَطْؤُهُ مِنَ الْإِمَاءِ . 27502 - وَالْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْقُرْآنِ ، فَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 27503 - فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَغَيْرِهَا : " لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا توطأ حَامْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً " . 27504 - وَفِي الْقُرْآنِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ وَالشِّرْكِ ، فَمَنْ مَلَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَطْأَهَا كَالْبَنَاتِ ، وَالْأُمَّهَاتِ ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ فِي النَّسَبِ ، وَالرَّضَاعِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَاتُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ فَحَرَّمَ وَطْءَ كُلِّ كَافِرَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كِتَابِيَّةً ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ 27505 - وَلِاسْتِيفَاءِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَلَا تَخْلُو نِسَاءُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ أَنْ تَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ ، فَيُوطَأْنَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، إِلَّا أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ جَمَاعَةً دَانُوا بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ ، فَكَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ فِي رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ فِي بَنِي تَغْلِبَ ، وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ ، وَبَنِي عِجْلٍ ، وَخَوَاصٍّ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ . 27506 - وَكَذَلِكَ كَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ أَيْضًا فِي لَخْمٍ ، وَجُذَامَ ، وَغَسَّانَ ، وَقُضَاعَةَ ، وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ، وَطَوَائِفَ مِنْ مُذْحِجٍ . 27507 - وَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ فِي خَيْبَرَ ، وَفِي الْأَنْصَارِ : الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَطَوَائِفَ مِمَّنْ سَاكَنَ يَهُودَ خَيْبَرَ ، مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهَا . 27508 - وَكَانَتِ الْمَجُوسِيَّةُ فِي طَوَائِفَ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَرَبِ فَأَهْلُ أَوْثَانٍ ، وَعَبَدَةُ أَصْنَامٍ . 27509 - وَرُبَّمَا شَذَّ مِنَ الْقَبِيلِ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ ، فَتَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ . 27510 - فَإِنْ كَانَ بَنُو الْمُصْطَلِقِ يَهُودَا ، أَوْ نَصَارَى ، فَوَطْؤُهُنَّ جَائِزٌ مَعَ السَّبْيِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ . 27511 - وَإِنْ كُنَّ عَبَدَةَ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ ، لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهُنَّ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ لِأُمَّتِهِ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمَجُوسِ عَلَى أَنْ لَا تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحَ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ . 27512 - وَقَدْ رُوِيَ إِجَازَةُ وَطْءِ الْإِمَاءِ الْوَثَنِيَّاتِ ، وَالْمَجُوسِيَّاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ : طَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْإِسْنَادُ عَنْهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 27513 - وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ . 27514 - وَذَلِكَ كُلُّهُ شُذُوذٌ ، وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ الْفُقَهَاءُ إِلَيْهِ . 27515 - وَالصَّحِيحُ فِي وَطْءِ الْمَجُوسِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي غَزْوِهِمُ الْفُرْسَ ، وَسَائِرَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . 27516 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ; أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمُ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصِيبَهَا أَمَرَهَا ، فَغَسَلَتْ ثِيَابَهَا ، وَاغْتَسَلَتْ ، ثُمَّ عَلَّمَهَا الْإِسْلَامَ ، وَأَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ ، وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ، ثُمَّ أَصَابَهَا . 27517 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا تحِلُّ لِرَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مُشْرِكَةً أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ ، وَتُصَلِّيَ ، وَتَحِيضُ عِنْدَهُ حَيْضَةً . 27518 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : السُّنَّةُ أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا حَتَّى تُصَلِّيَ إِذَا اسْتَبْرَأَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَيَسْتَبْرِئُهَا ، وَتَغْسِلُ نَفْسَهَا ثُمَّ يُصِيبُهَا . 27519 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 27520 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ بَيْعُهَا لَمْ يُرَاعُوا الْعَزْلَ ، وَلَمْ يُبَالُوا بِالْحَمْلِ . 27521 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ قَاطِعَةً لَازِمَةً ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ الْمُجْتَمِعَةَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ سَيِّدِهَا ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يُرِيدُوا تَعْجِيلَ الْبَيْعِ وَالْفِدَاءِ ، وَخَشَوْا إِنْ لَمْ يَعْزِلُوا أَنْ يَحْمِلْنَ مِنْهُمْ ، وَأَرَادُوا الْعَزْلَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا جَوَازَهُ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يُحَرِّمُونَ الْعَزْلَ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . 27522 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهَا مِنْ سَيِّدِهَا ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 27523 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَمَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ " ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ : 27524 - فَقِيلَ : مَا عَلَيْكُمْ فِي الْعَزْلِ ، وَلَا فِي امْتِنَاعِكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَاعْزِلُوا ، أَوْ لَا تَعْزِلُوا ، فَقَدْ فُرِغَ مِنَ الْخَلْقِ ، وَإِعْدَادِهِمْ ، وَمَا قُضِيَ وَسَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَا مَحَالَةَ . 27525 - قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ . 27526 - وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، أَيْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ ، كَأَنَّهُ نَهَى عَنْهُ . 27527 - ذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : ذَكَرْتُ لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْعَزْلِ : لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَقَالَ : لَا عَلَيْكُمْ ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَاجِرٌ . 27528 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الْعَزْلِ عَنِ النِّسَاءِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ : 27529 - فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي الْعَزْلِ . 27530 - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ . 27531 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْعَزْلَ . 27532 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْعَزْلِ ؟ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ، فَلَوْ أَنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهَا كَانَتْ فِي صَخْرَةٍ لَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ . 27533 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ . 27534 - قَالَ هُشَيْمٌ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ بَعْضَ وَلَدِهِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ . 27535 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ ; فَقَالَ : اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; إِنَّمَا هُوَ حَرْثُكَ إِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ ، وَإِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ . 27536 - وَاخْتُلِفَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . 27537 - فَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ كَرِهَ الْعَزْلَ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْهُ . 27538 - وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 27539 - وَرَوَى اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، قَالَ : فذَاكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ عُمَرَ الْعَزْلَ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ عُمَرُ : قَدِ اخْتَلَفْتُمْ ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الْأَخْيَارُ فَكَيْفَ بِالنَّاسِ بَعْدَكُمْ ؟ إِذْ تَنَاجَى رَجُلَانِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا هَذِهِ الْمُنَاجَاةُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ تَزْعُمُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى . فَقَالَ عَلِيٌّ : إِنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . 27540 - ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ . 27541 - وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَلَسَ إِلَى عُمَرَ : عَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى . فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ : تَكُونُ سُلَالَةً ، ثُمَّ تَكُونُ نُطْفَةً ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةَ ، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً ، ثُمَّ تَكُونُ عَظْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ لَحْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ خَلْقًا آخَرَ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : صَدَقْتَ ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ . 27542 - وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الْوَرْقَاءِ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ . 27543 - وَقِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْإِسْلَامِ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ ، عُمَرُ لَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي هَذَا الْخَبَرِ . 27544 - وَرَوَاهُ الْمُقْرِي : عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ مِثْلَهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ عُمَرُ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا . 27545 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ عُمَرَ خِلَافُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانَا يَكْرَهَانِ الْعَزْلَ . 27546 - وَسَنَذْكُرُ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ فِي الْعَزْلِ عَلَى الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ ، وَعَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 27547 - فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ قِدَمِ الْعِلْمِ ، وَأَنَّ الْخَلْقَ يُجْزَوْنَ فِي عِلْمٍ قَدْ سَبَقَ وَجَفَّ بِهِ الْقَلَمُ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ . 27548 - عَلَى هَذَا أَهْلُ السُّنَّةِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ . 27549 - وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْقَدَرِ أَنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ وَسِرُّهُ لَا يُدْرَكُ بِجَدَلٍ ، وَلَا تُشْفَى مِنْهُ خُصُومَةٌ ، وَلَا احْتِجَاجٌ . 27550 - وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِ بِالْقَدَرِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِشَيْءٍ دُونَ إِرَادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ خَلْقُهُ ، وَمِلْكُهُ ، ولَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا شَاءَ ، وَمَا نَشَاءُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ، وَمَا فِي الْأَرْضِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ، وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَشَاءُ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ، ومَنْ عَذَّبَهُ فَبِذَنْبِهِ ، وَيَعْفُو عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّقْهُ فَلَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ ، لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ 27551 - رُوِّينَا أَنَّ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ : مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يَسْأَلُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ . 27552 - وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّبْيَ يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، وَلِذَلِكَ يَحِلُّ لِمَنْ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْمَغْنَمِ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَطَأَهَا إِذَا اسْتَبْرَأَ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ ، وَكَانَتْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ . 27553 - وَأَمَّا أَقَاوِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ : 27554 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَعْزِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ إِلَّا بِإِذْنِهَا . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا . وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ فَلَا يَعْزِلْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ . 27555 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْحُرَّةَ لَا يَعْزِلُ عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، كَمَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْوَطْءَ جُمْلَةً . 27556 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ . 27557 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إِلَى مَوْلَاهَا ، كَقَوْلِ مَالِكٍ . 27558 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27559 - وَقَدْ قِيلَ : أَنْ لَا يَعْزِلَ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ دُونَ إِذْنِهَا ، وَدُونَ إِذْنِ مَوْلَاهَا ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27560 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَا يَعْزِلُ عَنِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا . 27561 - وَفِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ . 27562 - وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ . 27563 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ · ص 342 34 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ 1251 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ، وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ، فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ؛ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ . 34 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ هُوَ الْإِنْزَالُ خَارِجُ الْفَرْجِ . 1262 1251 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فَرُّوخَ الْمَدَنِيِّ الْفَقِيهِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ ( عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ آخِرًا ، مُصَغَّرًا ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فَمُهْمَلَةٍ ، الْمَكِّيُّ ، كَانَ يَتِيمًا فِي حَجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، ثُمَّ نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، تَابِعِيٌّ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ قَبْلَهَا ( أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ) سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ ) أَهْوَ جَائِزٌ أَمْ لَا ؟ ( فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ فَقَافٍ ، لَقَبُ جَذِيمَةَ بْنِ سَعْدٍ الْخُزَاعِيِّ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَنَّى مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، مَاءٌ لَبَنِي خُزَاعَةَ ، وَفِي أَنَّهَا سَنَةُ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ أَوْ أَرْبَعٍ خِلَافٌ ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ ، وَقَائِدُهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ ، يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ ، قَرِيبٌ إِلَى السَّاحِلِ ، فَتَزَاحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَقَتَلَ مِنْهُمْ ، وَنَقَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، كَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدَ مُرْسَلَةٍ . وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ الْحَدِيثَ ، قَالَ الْحَافِظُ : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حِينَ الْإِيقَاعِ ثَبَتُوا قَلِيلًا ، فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ انْهَزَمُوا بِأَنْ يَكُونُوا لَمَّا دَهَمَهُمْ وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ ثَبَتُوا وَتَصَافُّوا وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ . ( فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ) أَيْ نِسَاءٍ أَخَذْنَاهَا مِنْهُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ ( فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ ) أَيْ جِمَاعَهُنَّ ( وَاشْتَدَّتْ ) قَوِيَتْ ( عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ ، فَقْدُ الْأَزْوَاجِ وَالنِّكَاحِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ عَطْفَ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : وَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ تَعَذَّرَ عَلَيْنَا النِّكَاحُ لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِهِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ لِطُولِ الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ غَيْبَتَهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ لَمْ تَطُلْ ، اهـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ( وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ ) وَلِمُسْلِمٍ : وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ ( فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ ) خَوْفًا مِنَ الْحَمْلِ الْمَانِعِ مِنَ الْفِدَاءِ الَّذِي أَحْبَبْنَاهُ ( فَقُلْنَا : نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا ) أَيْ بَيْنَنَا ، وَأَظْهُرُ زَائِدَةٌ ( قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ ) عَنِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مِنَ الْوَأْدِ الْخَفِيِّ كَالْفِرَارِ مِنَ الْقَدَرِ ، قَالَهُ الْمَازِرِيُّ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَكُنَّا نَعْزِلُ ثُمَّ سَأَلْنَا ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ قَبْلَ الْعَزْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَأَلَ بَعْدَهُ ، وَبِأَنَّ مَعْنَى نَعْزِلُ عَزْمُنَا عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْأُولَى . ( فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، قَالَهَا ثَلَاثًا . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا اطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمْ فَيُشْكَلُ مَعَ قَوْلِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ : كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَكُونُ مَرْفُوعًا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ عَلَيْهِ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ دَوَاعِيَهُمْ كَانَتْ مُتَوَفِّرَةً عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ فَإِذَا عَمِلُوا شَيْئًا وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَادَرُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَكُونُ الظُّهُورُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ . ( فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ ) بَأْسٌ ( أَنْ لَا تَفْعَلُوا ) أَيْ لَيْسَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ ، أَوْ لَا زَائِدَةٌ ، أَيْ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي فِعْلِهِ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيَ ، أَيْ لَا تَفْعَلُوا الْعَزْلَ ( مَا مِنْ نَسَمَةٍ ) بِفَتَحَاتٍ ، أَيْ نَفْسٍ ( كَائِنَةٍ ) أَيْ قُدِّرَ كَوْنُهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ ( إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ ) أَيْ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ ، سَوَاءٌ عَزَلْتُمْ أَمْ لَا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْعَزْلِ ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ خَلْقُهَا سَبَقَكُمُ الْمَاءُ فَلَا يَنْفَعُكُمُ الْحِرْصُ ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعٍ مِنْهُ ، وَعِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنِ الْعَزْلِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهْرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، أَوْ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا ، لِيَخْلُقَنَّ اللَّهُ نَفْسًا هُوَ خَالِقُهَا وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ ، فَقَالَ : اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ، فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ ، فَقَالَ : قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا عَلَى وَطْءِ مَا وَقَعَ فِي سِهَامِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ كِتَابِيَّةً ، فَإِنْ كَانَ سَبْيُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كِتَابِيَّاتٍ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ فَذَاكَ ، وَإِنْ كُنَّ وَثَنِيَّاتٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهُنَّ بِالْمِلْكِ إِلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 221 ) وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ الصَّحَابَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُصِيبَ الْجَارِيَةَ مِنَ الْفَيْءِ أَمْرَهَا فَغَلَسَتْ ثِيَابَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ عَلَّمَهَا الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ أَصَابَهَا ، اهـ بِمَعْنَاهُ . وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ . وَلَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ : وَأَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ إِذْ لَا يُقَالُ هَذَا فِيمَنْ أَسْلَمَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ السَّابِي ، بَلْ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَيَجُوزُ فِدَاؤُهُ وَبَيْعُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُشْرِكَةِ ثُمَّ نُسِخَ ، وَلَا يَصِحُّ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى دَلِيلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَطْءِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ ، وَلَوْ بَقِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْوَطْءِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَبَقِيَ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَمْرَيْنِ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ بِرَفْعِ الْإِشْكَالِ عَنْهُمَا مَعًا ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْعِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْفِدَاءِ لِلْحَمْلِ ، وَالْفِدَاءُ بَيْعٌ وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلُ خَوْفَ رِقِّ الْوَلَدِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ ، وَفِيهِ اسْتِرْقَاقُ جَمِيعِ الْعَرَبِ كَقُرَيْشٍ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ : لَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ الرِّقُّ لِشَرَفِهِمْ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِتْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، وَرَوَيَاهُ جَمِيعًا عَنْ شَيْخِهِمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ : أَصَبْنَا سَبَايَا وَكُنَّا نَعْزِلُ ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَنَا : أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ، ثَلَاثًا ، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ جُوَيْرِيَةَ ، اهـ . لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَاذَّةٍ عَنْ مَالِكٍ فَهُوَ عِنْدَهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ . وَقَدْ تَابَعَهُ شُعَيْبٌ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْبَيْعِ ، وَيُونُسُ عِنْدَهُ فِي الْقَدَرِ ، وَعَقِيلٌ عِنْدَهُ ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ بِهِ .