1319 حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ . وَالْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ : اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ ( عِنْدَ ) جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَنْ فَهِمَ ، وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ تَفْسِيرٍ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَأَعَمُّهُ ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمُزَابَنَةِ هَاهُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنَّا الْقَوْلُ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ مُسْتَوْعَبًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ سَمِعَ مِنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يَكُونُ الْعَالِمُ إِذَا اجْتَمَعَ لَهُ جَمَاعَةٌ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ يُرْسِلُهُ إِلَى الْمُعْزِي إِلَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَيَسْتَثْقِلُ أَنْ يُسْنِدَهُ أَحْيَانًا عَنِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الدِّيوَانِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَرَّةً تَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمَرَّةً تُسَمِّي مَنْ حَدَّثَكَ عَنْهُ ، فَقَالَ : إِذَا أَسْنَدْتُ لَكَ الْحَدِيثَ عَنْهُ ، فَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ عَنْهُ . وَإِنْ لَمْ أُسَمِّ لَكَ أَحَدًا ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ حَدَّثَنِيهِ جَمَاعَةٌ ، هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ كَلَامُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ : مَا الْمُحَاقَلَةُ ؟ قَالَ : الْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ كَهَيْئَةِ الْمُزَابَنَةِ فِي النَّخْلِ سَوَاءٌ : بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْقَمْحِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَسَّرَ لَكُمْ جَابِرٌ فِي الْمُحَاقَلَةِ كَمَا أَخْبَرْتَنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فِي بَابِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَالْقَضَاءُ فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ فَسَخَ ، وَإِنْ قَبَضَ وَفَاتَ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَكِيلَةِ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ بِمِثْلِ صِفَةِ مَا قَبَضَ مِنْهُ فِي كَيْلِهِ ، وَرَجَعَ صَاحِبُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ بِقِيمَةِ ثَمَرِهِ ، أَوْ قِيمَةِ زَرْعِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَكِيلَةِ يَوْمَ قَبَضَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ · ص 441 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأحاديث نهي النبي عَنِ الْمُزَابَنَةِ والمحاقلة · ص 160 28576 - وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجُزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمَّى مِنَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ . 28577 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مِنْ قَوْلِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ صَحِيحٌ إِذَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، مِمَّا يُكَالُ ، أَوْ يُوزَنُ ، أَوْ كَانَ ذَهَبًا ، أَوْ فِضَّةً ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُ مِنْهُ ، كُلُّ شَيْءٍ فِي بَابِهِ وَمَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 28578 - إِلَّا أنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا عَدَا الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لَا يَدْخُلُهُ مُزَابَنَةٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِمَارِ وَالْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ ، فَتُدْخِلُ الْمُزَابَنَةُ عِنْدَهُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ ، وَمَا لَا يَجُوزُ ، إِذَا كَانَ الْمَقْصدُ فِيهِ إِلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْغَرَرِ ، وَالْقِمَارِ ، وَالْخَطَرِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأحاديث نهي النبي عَنِ الْمُزَابَنَةِ والمحاقلة · ص 161 28579 - وَفَسَّرَ ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَقَالَ فِي مُوَطَّئِهِ : وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ النَّوَى أَوِ الْقَضْبِ أَوِ الْعُصْفُرِ أَوِ الْكُرْسُفِ أَوِ الْكَتَّانِ أَوِ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السِّلَعِ . لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولَ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ : كِلْ سِلْعَتَك هَذِهِ . أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ عُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُعَدُّ . فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا ، لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ لَكَ ، حَتَّى أُوَفِّيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي ، أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا ، وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ ، وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمّي مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ ، أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ ، فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ . 28580 - وَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى آخِرِهِ مَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ . 28581 - قِيلَ : لَا يَخْرُجُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْنَا مِنْ أَصْلِهِ ، فَلَمْ أَرَ وَجْهًا لِذِكْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَسْطُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ . 28582 - وَيَشْهَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ مَأْخُوذٌ لَفْظِهَا مِنَ الزَّبَنِ ، وَهُوَ الْمُقَامَرَةُ ، وَالدَّفْعُ ، وَالْمُغَالَبَةُ ، وَفِي مَعْنَى الْقِمَارِ ، وَالزِّيَادَةِ ، وَالنُّقْصَانِ ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : إِنَّ الْقَمَرَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِمَارِ لِزِيَادَتِهِ ، وَنُقْصَانِهِ . 28583 - فَالْمُزَابَنَةُ وَالْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ شَيْءٌ مُتَدَاخِلُ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ . 28584 - تَقُولُ الْعَرَبُ : حَرْبٌ زَبُونٌ ، أَيْ ذَاتُ دَفْعٍ وَقِمَارٍ ، وَمُغَالَبَةٍ . 28585 - قَالَ أَبُو الْغَوْلِ الطُّهَوِيُّ : فَوَارِسُ لَا يَمْلِكُونَ الْمَنَايَا إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ 28586 - وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ لَقِيطٍ الْإِيَادِيُّ : عَبْلُ الذِّرَاعِ أَبْيَازًا مُزَابَنَةً فِي الْحَرْبِ يَخْتَتِلُ الرِّئَالُ وَالسَّقَيَا 28587 - وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : كَانَ مَيْسِرُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ ، فَأَخْبَرَ سَعِيدٌ أَنَّ ذَلِكَ مَيْسِرٌ . 28588 - وَالْمَيْسِرُ الْقِمَارُ . 28589 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ : جِمَاعُ الْمُزَابَنَةِ أَنْ يُنْظَرَ كُلُّ مَا عُقِدَ بَيْعُهُ مِمَّا الْفَضْلُ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ رِبًا ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ يُعْرَفُ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ بِشَيْءٍ جُزَافًا ، وَلَا جُزَافًا بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ ، فَإِمَّا أَنَّ يَقُولَ لَكَ : أَضْمَنُ لَكَ صُبْرَتَكَ هَذِهِ بِعِشْرِينَ صَاعًا ، فَمَا زَادَ فَلِي ، وَمَا نَقَصَ فَعَلَيَّ تَمَامُهَا ، فَهَذَا مِنَ الْقِمَارِ ، وَالْمُخَاطَرَةِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ . 28590 - وَمِنْ حُجَّتِهِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : الْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ ، فَفَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ : بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا . وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا . 28591 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ . 28592 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بِتَمْرٍ كَيْلًا ، إِنْ كَانَتْ نَخْلًا ، أَوْ بِزَبِيبٍ إِنْ كَانَتْ كَرْمًا ، أَوْ حِنْطَةً إِنْ كَانَتْ زَرْعًا . 28593 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : الْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِمِائَةِ فِرْقٍ تَمْرًا . 28594 - فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَدْ فَسَّرُوا الْمُزَابَنَةَ بِمَا تَرَاهُ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ عَلِمْتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 28595 - وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مُزَابَنَةٌ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِمَجْهُولٍ ، أَوْ مَجْهُولٌ بِمَعْلُومٍ ، لَا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّفَاضُلُ . 28596 - وَلَوْ كَانَ مِثْلًا بِمِثْلٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . 28597 - وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الرُّطَبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ · ص 406 1307 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ ، وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الْجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّرُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ النَّوَى أَوْ الْقَضْبِ أَوْ الْعُصْفُرِ أَوْ الْكُرْسُفِ أَوْ الْكَتَّانِ أَوْ الْقَزِّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ السِّلَعِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ : كِلْ سِلْعَتَكَ هَذِهِ ، أَوْ : مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ : زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ : عُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُعَدُّ ، فَمَا نَقَصَ عَنْ كَيْلِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ لَكَ حَتَّى أُوفِيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ ، وَالْقِمَارُ يَدْخُلُ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سُمِّيَ مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا هِبَةٍ طَيِّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا مِنْ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الثَّوْبُ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثَوْبِكَ هَذَا كَذَا وَكَذَا ظِهَارَةَ قَلَنْسُوَةٍ قَدْرُ كُلِّ ظِهَارَةٍ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوفِيَكَ وَمَا زَادَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثِيَابِكَ هَذِي كَذَا وَكَذَا قَمِيصًا ذَرْعُ كُلِّ قَمِيصٍ كَذَا وَكَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْجُلُودُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ : أُقَطِّعُ جُلُودَكَ هَذِهِ نِعَالًا عَلَى إِمَامٍ يُرِيهِ إِيَّاهُ فَمَا نَقَصَ مِنْ مِائيةِ زَوْجٍ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي بِمَا ضَمِنْتُ لَكَ ، وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ عِنْدَهُ حَبُّ الْبَانِ : اعْصُرْ حَبَّكَ هَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا فَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَهُ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي ، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَوْ ضَارَعَهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْخَبَطُ أَوْ النَّوَى أَوْ الْكُرْسُفُ أَوْ الْكَتَّانُ أَوْ الْقَضْبُ أَوْ الْعُصْفُرُ : أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْخَبَطَ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ خَبَطٍ يُخْبَطُ مِثْلَ خَبَطِهِ أَوْ هَذَا النَّوَى بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ نَوًى مِثْلِهِ ، وَفِي الْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَضْبِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ . 1319 1307 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ : اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَتْحِ الْمِيمِ ( التَّمْرِ ) بِالْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، فَهِيَ فِي النَّخْلِ ( وَالْمُحَاقَلَةُ : اشْتِرَاءُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ ) أَيِ الْقَمْحِ ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ( وَاسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ) أَيِ الْقَمْحِ ، وَبِهِ عَبَّرَ فِي مُسْلِمٍ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، فَهُوَ مُتَابِعٌ لِمَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ عَنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكُلُّهُمْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ طَارِقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُهَا مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، اهـ . وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَيْبَةَ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ الْجُرْجَانِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا ، وَالْجُرْجَانِيُّ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا لَكِنْ لَهُ إِفْرَادٌ . ( قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) الْفِضَّةَ ( فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ، وَعَلَيْهِ نَصَّ الْحَدِيثُ كَمَا رَأَيْتَ . ( قَالَ مَالِكٌ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ ) فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، قَالَ عِيَاضٌ : مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ ، الْمُزَابَنَةُ هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِهَا ، وَفَسَّرَهَا الْمُوَطَّأُ بِمَا هُوَ أَوْسَعُ فَقَالَ : ( وَتَفْسِيرُ الْمُزَابَنَةِ : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْجِزَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ كَيْلًا خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى النَّخْلِ ( ابْتِيعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى مِنَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ ) فَحَاصِلُهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهَا بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ وَبَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَيَشْمَلُ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ رِبَوِيًّا حُرِّمَ الْبَيْعُ لِلرِّبَا وَالْمُزَابَنَةِ ، أَمَّا الرِّبَا فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ وَالشَّكُّ فِي الرِّبَا كَتَحَقُّقِهِ ، وَأَمَّا الْمُزَابَنَةُ فَلِوُجُودِ مَعْنَاهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ الْآخَرَ ، وَلِذَا شُرِطَ اتِّحَادُ الْجِنْسِ لِأَنَّ بِهِ يَنْصَرِفُ الْغَرَضُ إِلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ مَا أَخَذْتُ أَكْثَرَ وَقَدْ غَبَنْتُ صَاحِبِي ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ غَيْرَ رِبَوِيٍّ حَرُمَ الْبَيْعُ لِلْمُزَابَنَةِ فَقَطْ ، لَكِنْ إِنْ تَحَقَّقَ الْفَضْلُ فِيمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ جَازَ ، وَيُقَدَّرُ أَنَّ الْمَغْبُونَ وَهَبَ الْفَضْلَ لِظُهُورِهِ لَهُ ، وَتَعَقَّبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبِيُّ قَوْلَ عِيَاضٍ : تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ أَحَدُ أَنْوَاعِهِ الْمُزَابَنَةُ بِأَنَّهُ إِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا بَيْعَ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِقَوْلِهِ كَيْلًا رُدَّ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلَ بَيْعَ الْمَجْهُولِ بِالْمَجْهُولِ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى ، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الرِّبَوِيَّ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لِتَقَرُّرِ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمِ ، فَتَفْسِيرُ الْعُلَمَاءِ الْمُزَابَنَةَ لَيْسَ بِأَعَمَّ مِنْ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ ، بَلْ هُوَ مُسَاوٍ لَهُ ، وَهُوَ إِمَّا مَرْفُوعٌ فَلَا مُعْدِلَ عَنْهُ ، أَوْ مِنَ الرَّاوِي وَلَهُ مَزِيَّةٌ ، وَبَسَطَ الْإِمَامُ هَذَا فَقَالَ : ( وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الطَّعَامُ الْمُصَبَّر ) بِشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ الْمَجْمُوعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ( الَّذِي لَا يُعْلَمُ كَيْلُهُ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، أَوْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ السِّلْعَةُ مِنَ الْخَبْطِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ ( أَوِ النَّوَى ) لِلْبَلَحِ ( أَوِ الْقَضْبِ أَوِ الْعُصْفُرِ ) نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ( أَوِ الْكُرْسُفِ ) بِالضَّمِّ ، الْقُطْنُ ( أَوِ الْكَتَّانِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَعْرُوفٌ ، وَلَهُ بِزْرٌ يَعْتَصِرُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : الْكَتَّانُ عَرَبِيٌّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُكْتَنُّ أَيْ يَسْوَدُّ إِذَا أُلْقِيَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ( أَوِ الْقَزِّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالزَّايِ ، مُعَرَّبٌ ، قَالَ اللَّيْثُ : هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمُ : الْقَزُّ وَالْإِبْرَيْسَمُ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ . ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السِّلَعِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ وَلَا وَزْنُهُ وَلَا عَدَدُهُ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِرَبِّ تِلْكَ السِّلْعَةِ كِلْ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( سِلْعَتَكَ هَذِهِ ) بِنَفْسِكَ ( أَوْ مُرْ مَنْ يَكِيلُهَا ، أَوْ زِنْ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوزَنُ ، أَوْ عُدَّ مِنْهَا مَا كَانَ يُعَدُّ فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا صَاعًا لِتَسْمِيَةٍ يُسَمِّيهَا ، أَوْ وَزْنِ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا ، أَوْ عَدَدِ كَذَا وَكَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ، أَيْ دَفْعُهُ ( لَكَ حَتَّى أُوَفِّيَكَ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ ، فَمَا زَادَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ فَهُوَ لِي أَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي مَا زَادَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا ) شَرْعِيًّا جَائِزًا ( وَلَكِنَّهُ الْمُخَاطَرَةُ ) الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ لَفْظِ الْمُزَابَنَةِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الزَّبْنُ الْخَطَرُ ، وَقِيلَ : الدَّفْعُ كَأَنَّهُ دَفَعَ عَنِ الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَعَنْ مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي ( وَالْغَرَرُ ) مُسَاوٍ لِمَا قَبْلَهُ ، فَهُوَ لُغَةً الْخَطَرُ ( وَالْقِمَارُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ ، الْمُغَالَبَةُ ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( يَدْخُلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا بِشَيْءٍ أَخْرَجَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ لَهُ مَا سَمَّى مِنْ ذَلِكَ الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ نَقَصَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ مِنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ أَخَذَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ مَا نَقَصَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَا هِبَةٍ طَيَّبَةٍ بِهَا نَفْسُهُ ) فَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ( فَهَذَا يُشْبِهُ الْقِمَارَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ فَذَلِكَ يَدْخُلُهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الثَّوْبُ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثَوْبِكَ هَذَا كَذَا وَكَذَا ظِهَارَةَ ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَظْهَرُ لِلْعَيْنِ ، وَهِيَ خِلَافُ بِطَانَةٍ ( قَلَنْسُوَةٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، مُفْرَدُ قَلَانِسَ ( قَدْرُ كُلِّ ظِهَارَةٍ كَذَا وَكَذَا لِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ حَتَّى أُوفِيَكَهُ وَمَا زَادَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَضْمَنُ لَكَ مِنْ ثِيَابِكَ هَذَيْنِ كَذَا وَكَذَا قَمِيصًا ذَرْعُ ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، قَدْرُ ( كُلِّ قَمِيصٍ كَذَا وَكَذَا فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِي ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْجُلُودُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ أَوِ الْإِبِلِ : أُقَطِّعُ جُلُودَكَ هَذِهِ نِعَالًا عَلَى إِمَامٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ مِثَالٍ ( يُرِيهِ إِيَّاهُ فَمَا نَقَصَ مِنْ مَائِيَّةِ ) أَيْ حَقِيقَةٍ وَصِفَةٍ ( زَوْجٍ فَعَلَيَّ غُرْمُهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي بِمَا ضَمِنْتُ لَكَ ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ حَبُّ الْبَانِ ) شَجَرٌ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الْخِلَافُ ، بِخِفَّةِ اللَّامِ ، قَالَ الصَّغَانِيُّ : وَشَدُّهَا مِنْ لَحْنِ الْعَوَامِّ ( اعْصُرْ حَبَّكَ هَذَا ، فَمَا نَقَصَ مِنْ كَذَا وَكَذَا رِطْلًا فَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَهُ وَمَا زَادَ فَهُوَ لِي ، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ ضَارَعَهُ ) شَابَهَهُ فَهُوَ مُسَاوٍ ، وَحَسَّنَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ( مِنَ الْمُزَابَنَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ وَلَا تَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْخَبَطُ أَوِ النَّوَى أَوِ الْكُرْسُفُ أَوِ الْكَتَّانُ أَوِ الْقَضْبُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ السَّاكِنَةِ ، نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ( أَوِ الْعُصْفُرُ : أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْخَبَطَ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ نَوًى مِثْلِهِ ، وَفِي الْعُصْفُرِ وَالْكُرْسُفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَضْبِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنَ الْمُزَابَنَةِ ) فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِدُخُولِهِ تَحْتَ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ لُغَةُ الْعَرَبِ فِي الْمُزَابَنَةِ مِنَ الزَّبْنِ وَهُوَ الْمُقَامَرَةُ وَالدَّفْعُ وَالْمُغَالَبَةُ ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ : الْقَمَرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِمَارِ لِزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ ، فَالْمُزَابَنَةُ : الْقِمَارُ وَالْمُخَاطَرَةُ ، شَيْءٌ مُتَدَاخِلُ الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ .