1413 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ يَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ، قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا : هَذَا لَكَ ، فخفف عنا وتجاوز فِي الْقَسْمِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَلِكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَنكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ عَنْ مَالِكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَاهُ مُسْتَوْعَبًا فِي بَابِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ يَسْتَنِدُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمَاعُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَهَا وَيَزْرَعُونَهَا ، فَدَعَا يَهُودَ خَيْبَرَ - وَقَدْ كَانُوا أُخْرِجُوا مِنْهَا - فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا عَلَى النِّصْفِ يُؤَدُّونَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ . فَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ أَوَّلُهُ ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهَا بِذَلِكَ أَوْ يَدْفَعُونَهَا بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، وَإِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْخَرْصِ فِي ذَلِكَ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثَّمَرَةُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ وَهُوَ وَاحِدٌ ، فَأَخْبَرَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمٍ كَبِيرٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَقُولُوا لَهُ : إِنَّكَ وَاحِدٌ لَا نُصَدِّقُكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! وَلَوْ كَانَ خَبَرُهُ وَاحِدًا لَا يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ لَا يَحْمِلُهُ بُغْضُهُ عَلَى ظُلْمِ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَالظَّالِمُ نَفْسَهُ يَظْلِمُ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَالشَّاهِدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ أَوِ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ سُحْتٌ ، وَكُلُّ رُشْوَةٍ سُحْتٌ ، وَكُلُّ سُحْتٍ حَرَامٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَكْلُهُ . وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قَالُوا : السُّحْتُ الرُّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَفي السُّحْتُ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّحْتَ - وَهُوَ الرُّشْوَةُ عِنْدَ الْيَهُودِ - حَرَامٌ وَلَا يَحِلُّ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ! وَلَوْلَا أَنَّ السُّحْتَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ مَا عَيَّرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِأَكْلِهِ ، فَالسُّحْتُ مُحَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ ، آمِينَ . أَنْشَدَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ لِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا رُشْوَةٌ مِنْ بَابِ بَيْتٍ تَقَمَّحَتْ لِتَدْخُلَ فِيهِ وَالْأَمَانَةُ فِيهِ سَعَتْ هَرَبًا مِنْهَا وَوَلَّتْ كَأَنَّهَا حَلِيمٌ تَنَحَّى عَنْ جِوَارِ سَفِيهِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَصْرٍ الْقَفْصِيُّ الْحَافِظُ بِقَفْصَةَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ؛ قَالَا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مِقْسَمِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ لَهُ الْأَرْضَ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ ؛ يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ خَيْبَرَ : نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ ، فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنْ نَعْمَلَ وَلَنَا نِصْفُ الثَّمَرَةِ وَلَكُمُ النِّصْفُ . فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ تَصَرَّمَ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَ النَّخْلَ - وَهُوَ الَّذِي يَدْعُوهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ - فَقَالَ : هِيَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالُوا : أَكْثَرْ عَلَيْنَا ! وَفِي حَدِيثِ الْمُعَافَى : فَقَالَ : فِي ذَا كَذَا وَكَذَا . فَقَالُوا : أَكْثَرْتَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ! قَالَ : فَأَنَا أُعْطِيكُمُ النِّصْفَ الَّذِي قُلْتُ . قَالُوا : هَذَا الْحَقُّ ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَقَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ . وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ : أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ، قَالَ : فَأَنَا أَلِي جُذَاذَ النَّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ . قَالُوا : هَذَا الْحَقُّ ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَقَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ . قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبِيعَةَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذِكْرِ الْأَرْضِ ، وَفِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ مَعَانِيَ الْخَرْصِ وَمَعَانِي أَرْضِ خَيْبَرَ مَا فِيهِ إِشْرَافٌ عَلَى مَعَانِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ : كَانَ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا تُخْرِجُ أَرْضُهَا وَثَمَرُهَا خُصُوصًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا لَهُ كَالْعَبِيدِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ عَبْدِهِ كَيْفَ شَاءَ وَيَبِيعَ مِنْهُ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، فَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دَفْعِ الْأَرْضِ إلى اليهود بالنظر لِتِلْكَ الْعِلَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَنْبِيهٍ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ وَفِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا . وَلِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَكُونُ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَقَرَأَتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : أَفَاءَ اللَّهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِهِ فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، أَنْتُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ ، قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ ! وَلَيْسَ يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، قَدْ خَرَصْتُ عِشْرِينَ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، قَدْ أَخَذْنَا فَاَخْرُجُوا عَنَّا . فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُقِرُّوا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَنْ لَيْسَ مِنَّا - أَوْ قَالَ : مَنْ لَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ يَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ · ص 139 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 193 1412 33 - كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ 1376 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ ، يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ قَالَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . ثُمَّ يَقُولُ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي . فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ . 1377 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ . قَالَ ، فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ ، وَخَفِّفْ عَنَّا ، وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا . فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . 31007 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ ; عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، مُرْسَلًا ، وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى إِرْسَالِهِ ، وَقَدْ وَصَلَتْهُ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ دَعَا الْيَهُودَ فَقَالَ : نُعْطِيكُمُ الثَّمَرَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُهَا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ يُخَيِّرُهُمْ ، أَيَأْخُذُونَ بِخَرْصِهِ ، أَمْ يَتْرُكُونَ . 31008 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ خَيْبَرَ : هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا ، أَوْ خَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ ، فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا خَيْبَرَ ، فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً . 31009 - فَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَعَلَ فَتْحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَا لِأَصْحَابِهِ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَهَا ، وَيَزْرَعُونَهَا فَدَعَا يَهُودَ خَيْبَرَ ، وَكَانُوا قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا ، فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ خيبر عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا عَلَى النِّصْفِ يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 31010 - قَالُوا : وَلَا يُخَمَّسُ إِلَّا مَا كَانَ أُخِذَ عَنْوَةً ، وَأَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ . 31010 م - وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَتْ خَيْبَرُ حُصُونًا كَثِيرَةً ، فَمِنْهَا مَا أُخِذَ عَنْوَةً بِالْقِتَالِ ، وَالْغَلَبَةِ ، وَمِنْهَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَهَا ، وَمِنْهَا مَا أَسْلَمَهُ أَهْلُهُ لِلرُّعْبِ ، وَالْخَوْفِ بِغَيْرِ قِتَالٍ طَلَبًا لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ . 31011 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً ، وَبَعْضُهَا صُلْحًا . 31012 - قَالَ : وَ الْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةٌ ، وَمِنْهَا صُلْحٌ . 31013 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْكُتَيْبَةُ ؟ قَالَ : مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ . 31014 - قَالَ مَالِكٌ : وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُقْسَمَ الْكَتِيبَةُ مَعَ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَهُمْ يُقَسِّمُونَهَا فِي الْأَغْنِيَاءِ ، وَالْفُقَرَاءِ . 31015 - وَقِيلَ لِمَالِكٍ : أَفَتَرَى ذَلِكَ لِلْأَغْنِيَاءِ ; قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُفَرَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ . 31016 - وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْبَرَ نَصِفُهَا ، فَكَانَ النِّصْفُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ النِّصْفَ ، وَهِيَ الْكُتَيْبَةُ ، وَالْوَطِيحَةُ ، وَسَلَالِمُ ، وَوَخْدَة ، وَكَانَ النِّصْفُ الثَّانِي لِلْمُسْلِمِينَ : نَطَاةُ ، وَالشِّقُّ . 31017 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ ، وَغَيْرِهَا فِي فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَكَيْفَ كَانَتْ قِسْمَتُهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ . 31018 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ نَصِفَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قِسْمَةِ جَمِيعِهَا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي قِسْمَةِ الْأَرَضِينَ ، وَفِي تَوْقِيفِهَا . 31019 - وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ بَلْدَةٍ تُفْتَحُ عَنْوَةً ، فَإِنَّ أَرْضَهَا مَوْقُوفَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الَّتِي لِكُلِّ مَنْ حَضَرَهَا وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَمَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا صَنَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ ، وَأَرْضِ مِصْرَ ، وَالشَّامِ جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمِصْرِ ، وَمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ . 31020 - وَاحْتَجَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ بِالْآيَةِ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ . 31021 - وَقَالَ : مَا أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ حَتَّى الرَّاعِي ، وَكَانَ يَفْرِضُ لِلْمَنْفُوسِ وَالْعَبْدِ . 31022 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ مَا افْتَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ . رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَالِكٍ . 31023 - وَكَانَ فِعْلُ عُمَرَ فِي تَوْقِيفِ الْأَرْضِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ فِيمَا عَدَا الْأَرَضِينَ ، وَأنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ . 31024 - وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِأَنَّ الْغَنَائِمَ الَّتِي أُحِلَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، إِنَّمَا كَانَتْ مَا تَأْكُلُهُ النَّارُ . 31025 - وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ ، فَتَأْكُلُهَا ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 31026 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَحَدٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : أَنَّهُ غَزَا قَرْيَةً ، فَدَنَا مِنْهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ : إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ ، وَأَنَا مَأْمُورٌ ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا ، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ ، فَجَاءَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهَا ، فَلَمْ تَطْعَمْهَا ، فَقَالَ : إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ; فَبَايَعُوهُ ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ : فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ ، فَبَايَعَتْهُ ، قَالَ : فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَقَالَ : فِيكُمُ الْغُلُولُ أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ فَجَاءُوا بِرَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَوَضَعُوهَا ، فَجَاءَتِ النَّارُ ، فَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ; لَمَّا رَأَى مِنْ عَجْزِنَا ، وَضَعْفِنَا أَحَلَّهَا لَنَا . 31027 - رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . 31028 - وَمِمَّا رُوِيَ : أَنَّ هَارُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُحَرِّقُوا مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَتَاعِ فِرْعَوْنَ ، فَجَمَعُوهُ ، وَأَحْرَقُوهُ ، فَأَلْقَى السَّامِرِيُّ فِيهِ الْقَبْضَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، يُقَالُ : مِنْ أَثَرِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَصَارَتْ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ . 31029 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَجْرِ هَذَا الْمَجْرَى . . . إِلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى احْتَجُّوا بِهَا ، لَيْسَ فِيهَا بَيَانٌ قَاطِعٌ أَحْسَنُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا ، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدَّيْهَا وَدِينَارَهَا . . . وَمَنَعَتْ هَاهُنَا بِمَعْنَى سَتَمْنَعُ . 31030 - قَالُوا : وَهُوَ مَا ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى كُلِّ جَدِيبٍ مِنَ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ ، وَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي تَوْقِيفِ الْأَرَضِينَ جَمَاعَةُ الْكُوفِيِّينَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ إِنْ شَاءَ قَسَمَهَا وَأَهْلَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَيْبَرَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ ، وَتَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ ، يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا كَسَائِرِ مَا يَمْلِكُونَ . 31031 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَلَا يَرَى الْإِمَامَ مُخَيَّرًا فِي ذَلِكَ ، وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ عِنْدَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ ، وَإِنَّمَا الْمَمْلُوكَةُ عِنْدَهُ أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلَهَا . 31032 - وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي التَّمْهِيدِ . 31033 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُ الْأَرْضَ فِي كُلِّ مَا افْتَتَحَ عَنْوَةً ، كَمَا يَقْسِمُ سَائِرَ الْغَنَائِمِ وَأَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ ، وَالرِّكَابِ ، وَمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ ، وَالْفَتْحَ مِنْ مُقَاتِلٍ وَمُكْتَرٍ بَالِغٍ حُرٍّ . 31034 - وَإِنَّمَا الْخُمُسُ عِنْدَهُ الْمَقْسُومُ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ . 31035 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَانِيَ الْخُمُسِ ، وَاخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَاتِ عَنْوَةً ; لِمَا جَرَى مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 31036 - وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ . مِنْ هَذَا الْبَابِ عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ يَعْنِي وَالْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ ، فَمَلَّكَهُمْ كُلَّ مَا غَنِمُوا مِنْ أَرْضٍ وغيرها ، مَعَ مَا رُوِيَ فِي خَيْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَهَا بَيْنَ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا ، وَهُمُ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا . 31037 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَلَّا يَكُونَ فِيهَا دِينَانِ ، كَنَحْوِ مَحَبَّتِهِ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ حَتَّى نَزَلَتْ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا الْآيَةَ . 31038 - وَكَانَ لَا يَتَقَدَّمُ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِوَحْيٍ ، وَكَانَ يَرْجُو أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ رَغْبَتَهُ فِي إِبْعَادِ الْيَهُودِ عَنْ جِوَارِهِ ، فَذَكَرَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ مَا ذَكَرَ مُنْتَظِرًا لِلْقَضَاءِ فِيهِمْ ، فَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، فَأَتَاهُ الْوَحْيُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ . وَأَوْصَى بِذَلِكَ . 31039 - وَالشَّوَاهِدُ بِمَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ جَدًا مِنْهَا : مَا ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَفَعَ خَيْبَرَ إِلَى الْيَهُودِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِيهَا ، وَلَهُمْ شَطْرُهَا ، قَالَ : فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَبُو بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : لَا يَجْتَمِعْ دِينَانِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ أَوْ قَالَ : بِأَرْضِ الْعَرَبِ فَفَحَصَ عَنْهُ حَتَّى وَجَدَ الثَّبْتَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلْيَأْتِ بِهِ ، وَإِلَّا فَإِنِّي مُجْلِيكُمْ ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ . 31040 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنَ الْآثَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 31041 - وَلَيْسَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَهُودِ : أَقَرَّكُمُ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَجُوزُ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ ، أَوْ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءَ مِنْ رَبِّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ . 31042 - وَقَدْ أَحْكَمَتِ الشَّرِيعَةُ مَعَانِي الْإِجَارَاتِ ، وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ . 31043 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا الْمُجِيزُونَ لِلْمُسَاقَاةِ ، لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِلَّا إِلَى سِنِينَ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ أَعْوَامٍ مَعْدُودَةٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُكْرَهُونَهَا فِيمَا طَالَ مِنَ السِّنِينَ . 31044 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَكَانَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - كَانَ قَدْ أَفَاءَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَنْ مَعَهُ خَيْبَرَ بِمَنْ فِيهَا ، فَكَانُوا لَهُ عَبِيدًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، أَفَاءَهَا اللَّهُ ، وَأَهْلَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَقَرَّهُمْ فِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَعْمَلُوهَا عَلَى الشَّطْرِ . 31045 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ جَائِزٌ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ فِي الْبَيْعِ ، وَغَيْرِهِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّينَ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَالِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مِنْ يَرَاهُ يَمْلِكُ ، وَمَنْ يَقُولُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ . 31046 - وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمُتَسَاقِيَيْنِ شَرِيكَانِ ، فَلَا يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَبِمَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْمُزَابَنَةُ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . 31047 - وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ : إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ مَنْ يَخْرُصُ الثِّمَارَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ طِيبِهَا لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُتَعَيَنِينَ ، وَالشُّرَكَاءُ الْيَهُودُ ، وَلَوْ تُرِكُوا ، وَأَكْلَ الثَّمَرِ رُطَبًا ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْعَطِيَّةِ ، أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَبِسَهْمِ الْمَسَاكِينِ فَخُرِصَتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ . 31048 - وَأَهْلُ الْأَمْوَالِ أُمَنَاءُ فِي ذَلِكَ مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31049 - وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي رُؤُوسِ الشَّجَرِ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَغْرَاضِهِمْ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَنَذْكُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . 31050 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ ، وَالْمُسَاقَاةِ : 31051 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ ، وَالْمُزَارَعَةُ لَا تَجُوزُ . 31052 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ . 31053 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمْ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ ، أَوِ الرُّبُعِ ، أَوْ جُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ . 31054 - إِلَّا أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ مِنَ الْمُزَارَعَةِ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَا كَانَ مِنَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ إِذَا كَانَ تَبَعًا لِثَمَنِ الشَّجَرِ ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَ النَّخْلِ الثُّلُثَ ، وَالنَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ ، وَيَكُونُ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ لِلْعَامِلِ ، أَوْ بَيْنَهُمَا . 31055 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ ، وَلَا الْمُسَاقَاةُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَنَّ الْمُزَارَعَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَكِرَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُ ، وَنَحْوِ هَذَا . 31056 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ ، وَالْمُزَارَعَةُ جَمِيعًا . 31057 - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . 31058 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَى يَهُودُ خَيْبَرَ عَلَى شَرْطِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةِ . 31059 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ فِي بَابِ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . 31060 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ . 31061 - فَقَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ أَصْلٍ ثَابِتٍ يَبْقَى : نَحْوُ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ وَالتِّينِ وَالْفِرْسِكِ وَالْعِنَبِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالزَّيْتُونِ وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى . 31062 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . 31063 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي كُلِّ مَا يُجْنَى ، ثُمَّ يَخْلُفُ نَحْوُ الْقَصَبِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْبُقُولِ ; لِأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَبَيْعُ مَا يُجْنَى بَعْدَهُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 211 31064 - قَالَ مَالِكٌ : وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ إِذَا اسْتَقَلَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ بَعْدَ عَجْزِ صَاحِبِهِ عَنْ سَقْيِهِ . 31065 - قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ ، إِذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ، وَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ الْمَوْزِ ، وَالْقَصَبِ بِحَالٍ . 31066 - حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَنْ مَالِكٍ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ . 31067 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي النَّخْلِ ، وَالْكَرْمِ ; لِأَنَّ ثَمَرَهَما بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ ، وَلَا حَائِلَ دُونَهُ يَمْنَعُ إِحَاطَةَ النَّظَرِ بِهِ . قَالَ : وَثَمَرُ غَيْرِهِمَا مُتَفَرِّقٌ بَيْنَ أَضْعَافِ وَرَقِ شَجَرِهِ لَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ . 31068 - قَالَ : وَإِذَا سَاقَى عَلَى نَخْلٍ فِيهَا بَيَاضٌ فَإِنْ كَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِ الْبَيَاضِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِشَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ ، وَكَانَ غَيْرَ مُثْمِرٍ جَازَ أَنْ يُسَاقَى عَلَيْهِ فِي النَّخْلِ لَا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ . 31069 - قَالَ : وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا . 31070 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْعَمِلِ فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ . 31071 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا اعْتَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُصُولِ ، فَإِنَّ ثَمَرَتَهَا ظَاهِرَةٌ ، لَا حَائِلَ دُونَهُمَا يَمْنَعُ مِنْهَا ; لِإِحَاطَةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْكُمِّثْرَى ، وَالتِّينَ ، وَحَبَّ الْمُلُوكِ ، وَعُيُونَ الْبَقَرِ ، وَالرُّمَّانَ ، وَالْأُتْرُجَّ ، وَالسَّفَرْجَلَ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، كَمَا يُحَاطُ بِالنَّظَرِ إِلَى النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، وَالْعِلَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْخَرْصُ ، وَالْخَرْصُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، فَأَخْرَجَتْهُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ كَمَا أَخْرَجَتِ الْعَرَايَا مِنْهُمَا ، وَذَلِكَ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ خَاصَّةً بِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ فِي ذَلِكَ . 31072 - حَدَّثَنَاه خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ النَّفَرِ بِالْبَصْرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ ، وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا . 31073 - وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ فَوَصَلَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ مَاتَ بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَ النَّعْيُ بِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّمَا وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا لِخِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ؛ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . 31074 - وَأَجَازَ الْمُسَاقَاةَ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ . 31075 - وَأَمَّا الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ ، وَغَيْرِهَا لِلزَّكَاةِ . 31076 - فَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . 31077 - وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ الْخَرْصَ لِلزَّكَاةِ خَاصَّةً فِي غَيْرِ الْمُسَاقَاةِ . 31078 - وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْخَرْصَ ، وَلَمْ يُجِزْهُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَقَالَ : الْخَرْصُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ ، قَالَ : وَأَمَّا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا يَصِيرُ فِي يَدِهِ لِلْمَسَاكِينِ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ . 31079 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ . 31080 - وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ : الْخَرْصُ لِلزَّكَاةِ جَائِزَةٌ فِي النَّخْلِ خَاصَّةً دُونَ الْعِنَبِ ، وَدُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ وَدَفَعَ حَدِيثَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ مُرْسَلٌ . ( وَالثَّانِي ) : أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . 31081 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُونَ الْقِسْمَةَ فِي الثِّمَارِ إِلَّا كَيْلَا بَعْدَ تَنَاهِيهَا ، وَيَبْسِهَا ، وَقَدْ أَجَازَهَا مِنْهُمْ قَوْمٌ ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا : 31082 - فَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يَقُولُ بِهِ . 31083 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الثِّمَارِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ ، وَالْأَشْجَارِ إِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَةُ الشَّرِيكَيْنِ إِلَّا التَّمْرَ ، وَالْعِنَبَ فَقَطْ . 31084 - وَأَمَّا الْخَوْخُ ، وَالرُّمَّانُ ، وَالسَّفَرْجَلُ ، وَالْقِثَّاءُ ، وَالْبِطِّيخُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ قِسْمَتَهَا عَلَى التَّحَرِّي ، وَكَانَ يَقُولُ : الْمُخَاطَرَةُ تَدْخُلُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فَضْلُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ . 31085 - قَالَ : وَقَالَ مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَأَشْهَبُ : لَا بَأْسَ بِاقْتِسَامِهِ عَلَى التَّحَرِّي ، وَالتَّعْدِيلِ ، أَوْ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالرِّضَا بِالتَّفَاضُلِ . 31086 - وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ . 31087 - قَالَ : وَبِهِ أَقُولُ ; لِأَنَّ مَا جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ جَازَ فِيهِ التَّحَرِّي . 31088 - وَذَكَرَ سَحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِي ذَلِكَ . 31089 - قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، فَأَرْخَصَ فِيهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ لِي فِيهِ . 31090 - وَقَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْتُ مَالِكًا مَرَّاتٍ عَنْ تَمْرِ النَّخْلِ ، وَالْأَعْنَابِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الثِّمَارِ تُقْسَمُ بِالْخَرْصِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لِي : إِذَا طَابَتِ الثَّمَرَةُ مِنَ النَّخْلِ وَغَيْرُهَا أُقْسِمَتْ بِالْخَرْصِ . 31091 - وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ الْعَرَايَا ، وَغَيْرِهَا بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ ، كَمَا تَجُوزُ فِي النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ . 31092 - قَالَ : وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ . 31093 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : وَيَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِخَرْصِهِ إِلَى الْجِذَاذِ ؛ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إِلَّا فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً . 31094 - وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعَرَايَا فَلَا ، وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ تَدْخُلُهُ الْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً ؟ ! 31095 - وَإِنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْعَرَايَا خَاصَّةً ; لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ تَخْصِيصِ مِقْدَارِهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ . 31096 - قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : أَشْهَبُ لَا يَشْتَرِطُ فِي الثِّمَارِ إِلَّا طَيِّبَهَا ، ثُمَّ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ أَرْبَابِهَا بِالْخَرْصِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى اخْتِلَافِ حَاجَاتِهِمْ . 31097 - وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ : وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ غَرَضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ ، وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يُيَبِّسَ وَيَدَّخِرَ وَيُرِيدُ الْآخَرُ أَنْ يَأْكُلَ ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُمْ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْخَرْصَ ، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حَاجَتُهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، وَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَبِيعُوا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْكُلُوا رَطْبًا أو عَلَى أَنْ يَجِدُوهَا تَمْرًا ، لَمْ يَقْتَسِمُوهَا بِالْخَرْصِ . 31098 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّخْلِ الْمُثْمِرِ إِذَا اقْتَسَمَتِ الْأُصُولَ بِمَا فِيهَا مِنَ الثَّمَرَةِ جَازَ ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعُ الْأُصُولِ بِالْقِسْمَةِ ، وَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةٌ لِلْبُيُوعِ ، قَالَ : لِأَنَّهَا تَجُوزُ بِالْقُرْعَةِ ، وَالْبَيْعُ لَوْ وَقَعَ بِالْقُرْعَةِ لَمْ يَجُزْ ، ( وَأَيْضًا ) فَإِنَّ الشَّرِيكَ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّحَابِيَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا جَائِزٌ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَتَطَوُّعٌ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ . 31099 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِسْمَةُ الثَّمَرَةِ دُونَ الْأُصُولِ قَبْلَ طِيبِهَا بِالْخَرْصِ عَلَى حَالٍ ، وَتَجُوزُ عِنْدَهُ قِسْمَتُهَا مَعَ الْأُصُولِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . 31100 - وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا بِالْخَرْصِ إِذَا طَابَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 219 31101 - قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ ، فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ ، فَهُوَ لَهُ . قَالَ : وَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَضبِّ الْأَرْضِ فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ . قَالَ : وَإِنِ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِذَا كَانَتِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ ، الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ، فَإِنِ اشْتُرِطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ ، كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ ; لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا وَالنَّفَقَةُ وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ . 31102 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِيهَا وَالْعَمَلُ ; لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ أُصُولِ الْبِيَاعَاتِ ، وَالْإِجَارَاتِ ، فَلَمْ يَتَعَدَّ بِهَا مَوْضِعَهَا كَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ أُصُولِهَا الِاسْتِثْنَاءَ بِهَا مِنْهَا ، وَغَيْرُهُ يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ فِي الْبَيَاضِ مِنْهُمَا مَعًا ، وَيَقُولُ ذَلِكَ مَا جَوَّزَ وَأَبْعَدَ مِنَ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ ، وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا تُخْرِجُهُ . 31103 - هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ . 31104 - وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فَالْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُمَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ جَائِزَةٌ . . 31105 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِيمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْهُ . 31106 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ . 31107 - وَجَائِزٌ عِنْدَهُمُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى النَّخْلِ ، وَالْأَرْضِ نَحْوَ مِمَّا يُخْرِجُ هَذِهِ ، وَهَذِهِ عَلَى مَا رَوَى فِي مُسَاقَاةِ خَيْبَرَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ ، وَالنَّخْلُ . 31108 - وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَزُفَرَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا الْمُزَارَعَةُ ، وَلَا الْمُسَاقَاةُ . 31109 - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 221 31110 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ ، إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ : اعْمَلْ وَأَنْفِقْ ، وَيَكُونُ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ ، لِأَنَّهُ أَنْفَقَ ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ ، لَمْ يَعْلَقِ الْآخَرَ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْءٌ . 31111 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ ، وَحُجَّتُهُ لَهُ بِذَلِكَ . 31112 - وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ نَحْوُهُ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ وَحُكُومَةِ حَاكِمٍ ، فَإِنْ أَنْفَقَ دُونَ قَضَاءِ الْحَاكِمِ رَغْبَةً فِي أَنْ يَتَمَيَّزَ لَهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْ عَمَلِ حِصَّتِهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِنَفَقَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ ، وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ كَامِلَةً يَعْتَلُّهَا مَعَهُ . 31113 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْإِنْفَاقِ ، وَيُقَالُ لِشَرِيكِهِ : إِنْ شِئْتَ تَطَوَّعْ بِالْإِنْفَاقِ ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ دَيْنًا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضًا مِنْهُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 222 31114 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَؤُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدِهِ ، إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثمْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ ، يَعْمَلُ عَلَيْهِ ، لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ؟ 31115 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهَا ، وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الدَّاخِلِ لَا رَبِّ الْحَائِطِ ، وَالْقَائِمُ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِالْمُزَارَعَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 222 31116 - قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً ، تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ، وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ ، عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . 31117 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَشْبِيهُ مَالِكٍ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الْمُسَاقَاةِ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْأَجْرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مَجْهُولًا . 31118 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 223 31119 - قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقِي شَدُّ الْحِظَارِ وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقِي شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ ، يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا ، مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا ، أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا ، يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ . أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا ، تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنَ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا ، أَوِ احْفُرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا ، أَوِ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرَ الْحَائِطِ ، وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . 31120 - قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ، لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ ، بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ ، قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ ، أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى ، لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . 31121 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِكَلَامِهِ هَذَا بَيَانَ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَأَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ ، فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا كَالْقِرَاضِ ، لَا يُقَاسُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْإِجَارَاتِ . 31122 - إِنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَهُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ، لَا يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ ، وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 31123 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْبَى أَنْ يَجْعَلَ الْإِجَارَةَ مِنْ بَابِ الْبُيُوعِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ تُخْلَقْ . 31124 - وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَيْسَتِ الْبُيُوعُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ ، وَقَالُوا : الْإِجَارَةُ بَابٌ مُنْفَرِدٌ بِسُنَّتِهِ كَالْمُسَاقَاةِ ، وَكَالْقِرَاضِ . 31125 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَدُّ الْحِظَارِ ، فَرُوِيَ بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالسِّينِ عَلَى مَعْنَى سَدِّ الثُّلْمَةِ ، وَأَمَّا بِالشِّينِ مَعْنَاهُ تَحْصِينُ الزُّرُوبِ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى . 31126 - وَأَمَّا خَمُّ الْعَيْنِ ، فَتَنْقِيَتُهَا وَالْمَخْمُومُ : النَّقِيُّ ، وَمِنْهُ يُقَالُ : رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ . 31127 - وَأَمَّا سَرْوُ الشَّرَبِ فَالسَّرْوُ : الْكَنْسُ لِلْحَوْضِ ، وَللشَّرَبُ : جَمْعُ شَرْبَةٍ ، وَهِيَ الْحِيَاضُ الَّتِي حَوْلَ النَّخْلِ ، وَالشَّجَرِ وَجَمْعُهَا شُرُبٌ ، وَهِيَ حِيَاضٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ حَوْلَ الشَّجَرِ ، وَيُقَالُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهَا شَرَبَاتٌ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : يَخْرُجْنَ مِنْ شَرَبَاتٍ مَاؤُهَا طَحِلٌ . 31128 - وَإِبَارُ النَّخْلِ تَذْكِيرُهَا بِطَلْعِ الْفَحْلِ . 31129 - وَ قَطْعُ الْجَرِيدِ : قَطْعُ جَرَائِدِ النَّخْلِ إِذَا كُسِرَتْ ، وَقَدْ يُصْنَعُ مِثْلُ ذَلِكَ بِالشَّجَرِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ قَطْعِ قُضْبَانِ الْكَرْمِ . 31130 - وَ جَذُّ الثَّمَرِ : جَمْعُهُ وَهُوَ مِثْلُ حَصَادِ الزَّرْعِ ، وَقَطْعِ الْعِنَبِ . 31131 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ جِذَاذُ الثَّمَرِ مِنْهُمَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : مَا وَصَفْنَا عَلَيْهِ جَمَاعَةَ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنِ اشْتَرَطَ الْمُسَاقِي عَلَى رَبِّ الْمَالِ جِذَاذَ الثَّمَرِ ، وَعَصْرَ الزَّيْتُونَ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ ، وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا جَازَ . 31132 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ : وَالتَّلْقِيحُ ، وَالْخَبْطُ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا عَلَى الْعَامِلِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْجَذَاذَ كَانَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفَيْنِ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ نِصْفَيْنِ . قَالَ : وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ اشْتَرَطَ فِي أَصْلِ الْمُسَاقَاةِ الْجِذَاذَ وَالْخَبْطَ حَتَّى يَصِيرَ ثَمَرًا عَلَى الْعَامِلِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْجِذَاذُ ، وَالْخَبْطُ بَعْدَمَا بَلَغَ عَلَى الْعَامِلِ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً . 31133 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِ اشْتَرَطَ الْمُسَاقَى عَلَى رَبِّ الْمَالِ جِذَاذَ الثَّمَرِ ، أَوْ قَطْفَ الْعِنَبِ لَمْ يَجُزْ ، فَكَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةً ، وَإِنَّمَا شَدُّ الْحِظَارِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْعَامِلِ كَمَا عَلَيْهِ ، كَمَا وَصَفْنَا مِنْ إِبَارِ النَّخْلِ ، وَقَطْعِ الْجَرِيدَةِ وَنَوَى النَّطِيحِ ، وَالْخَبْطِ حَتَّى يَصِيرَ تَمْرًا . 31134 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا كَانَ دَاعِيَتُهُ إِلَى الِاسْتِزَادَةِ فِي الْعُدَّةِ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَاءِ بِطَرِيقِهِ ، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ بِالنَّخْلِ ، وَنَحْوِهِ فَشَرْطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ، وَأَمَّا شَدُّ الْحِظَارِ فَلَيْسَ عَنْهُ مُشْتَرَى فِي الثَّمَنِ ، وَلَا صَلَاحَ لَهَا ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ . 31135 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَنْقِيَةِ الْمِسْقَاةِ ، وَالْأَنْهَارِ عَلَى الْعَامِلِ ، وَإِنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً . 31136 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلٌ فِي الْحَائِطِ يُصْلِحُهُ ، وَيَنْعَقِدُ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَاقِي نَصِيبَهُ مِنْ عَدَمِهِ ، فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ، مِمَّا لَا يَعُودُ مِنْهُ فَائِدَةٌ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ رَبُّ الْحَائِطِ دُونَهُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ - يَصِيرُ زِيَادَةً اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهَا الْمَجْهُولُ مِنَ الثَّمَنِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 227 31137 - قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا ، أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ . أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ التمَرِ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ . 31138 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ ، فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ . 31139 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ مِنَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ كُلِّهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَمَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ . 31140 - وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ . 31141 - وَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فِي الزَّرْعِ ، فَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا شَرَطَ ، وَذَكَرَ فِي مُوَطَّئِهِ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَعْجَزْ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ . 31142 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُسَاقَى الزَّرْعُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَالَ : فَأَمَّا الْقَصَبُ ، فَيَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، فَإِنَّ الْقَصَبَ أَصْلٌ . 31143 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : جَائِزٌ أَنْ يُسَاقِيَ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَسْحَقَهُ . 31144 - وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ . 31145 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ دَاوُدَ إِلَّا فِي النَّخْلِ خَاصَّةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ . 31146 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِثْنَاءِ الْعَامِلِ زَرْعًا يَكُونُ بَيْنَ النَّخْلِ . 31147 - فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَاضِ ، يَشْتَرِطُهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ . 31148 - ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ ، قَالَ : وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ ، إِلَّا هَاءَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْبَذْرَ فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي الزَّرْعَ ؟ 31149 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُسَاقَاةِ الْمَوْزِ . 31150 - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ أَنَّهُمَا قَالَا : يَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ . 31151 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَجَازَهُ فِي مَجْلِسِ أَبِي زَيْدٍ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . 31152 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْقَصَبِ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي الزَّرْعِ ، وَالْمُقْتَاتِ ، وَنَحْوِهَا . 31153 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُسَاقَاةِ الْبَصَلِ ، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 31154 - وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّلْقِيحِ وَالزَّبْرِ وَالْحَضْرِ وَالْحِفْظِ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ . 31155 - وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَصَلِ ، وَلَا يُجَازُ إِلَّا فِيمَا يُسْقَى .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 230 31156 - قَالَ مَالِكٌ : لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنَ الثِّمَارِ إِجَارَةٌ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ ، عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالمُسَاقَاةٍ ، إِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ . 31157 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ مَفْهُومٌ جِدًّا ، وَكُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ لَمْ يُجِزْهَا إِلَّا فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَفِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنَ الثِّمَارِ ، وَيَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الشَّجَرِ مِنَ الْحَفْرِ ، وَالزَّبْرِ وَسَائِرِ الْعَمَلِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهَا بِهِ عَلَى حَدِّ مَا يُخْرِجُهُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الثَّمَرِ كَالْقِرَاضِ ، يَعْمَلُ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ حَدَّ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ ، وَهَذَانَ أَصْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْبُيُوعِ ، وَلِلْإِجَارَاتِ ، وَكُلٌّ عِنْدِنَا أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ ، يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ . 31158 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ أَيْضًا عَنْ سَحْنُونٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ; لِأَنَّهَا إِجَارَةُ شَيْءٍ مَعْلُومٍ ، وَالْعَامِلُ فِي ذَلِكَ أَجِيرٌ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ . 31159 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا كَانَ هَذَا ، فَلَيْسَتْ مُسَاقَاةً ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْطِيهِ فِي عَمَلِهِ مِنَ الثَّمَرِ الَّذِي حَلَّ بَيْعُهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . 31160 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ : فَمَرَّةً قَالَ مِثْلَ مَالِكٍ : تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْحَائِطِ ، وَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ وَمَرَّةً قَالَ : لَا تَجُوزُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 231 31161 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ . 31162 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ ثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، جَائِزٌ عِنْدَهُ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِكُلِّ مَا تُكْرَى بِهِ الدُّورُ ، وَالْحَوَانِيتُ مِنَ الْعَيْنِ الْمَعْلُومِ وَزْنُهَا ، وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا الْجَائِزُ بَيْعُهَا فِي مِلْكِهَا عَلَى سُنَّتِهَا طَعَامًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ طَعَامٍ أَنْ تَكُونَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُهُ ، يَقِلُّ مَرَّةً ، وَيَكْثُرُ أُخْرَى ، وَرُبَّمَا لَمْ يُخْرِجُ شَيْئًا ، فَلَا ، هَذَا عِنْدَهُ الْمُزَارَعَةُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . 31163 - وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : جَائِزٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالْآدَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ ، وَأَخَوَاتِهَا يَعْنِي الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ فَإِنَّهَا مُحَاقَلَةٌ . 31164 - وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ إِذَا أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا يُؤْكَلُ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ . 31165 - ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَقَالَ : وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا أَكْلًا وَلَمْ يُؤْكَلْ فَلَا شَيْءَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، خَرَجَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا . 31166 - وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُكْرَى بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ كَانَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَانَ مَا تُزْرَعُ فِيهَا أَوْ لَا تُزْرَعُ وَلَا مِنَ الْآدَامِ كُلِّهِ ، قَالَ : الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ وَاللَّبَنُ وَسَائِرُ الْآدَامِ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ . 31167 - وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ بِطَعَامٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا . 31168 - وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 233 31169 - قَالَ : فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ ، بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا . فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا ، فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ؟ فَهَذَا لَا يَحُلُّ وَلَا يَنْبَغِي . 31170 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ . 31171 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ، أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا . 31172 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ ، وَكِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ ، وَالرُّبُعِ ، وَسَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تَخْرُجُ الثَّمَرَةُ . 31173 - فَرَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ . 31174 - وَرَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ، فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ ، وَلَا بِرُبُعٍ . 31175 - وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَقَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا وَلَا يُؤَاجِرْهَا . 31176 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ فِي التَّمْهِيدِ . 31177 - وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَرَافِعٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ خَيْبَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَاهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضَ وَالثَّمَرَةُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى ، ثُمَّ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ . 31178 - وَقِيلَ : إِنَّمَا فَعَلَهُ بِخَيْبَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 31179 - وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 31180 - وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي كَرَاهِيَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا تُخْرِجُهُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . 31181 - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّا كَرَّرْنَاهُ كَمَا كَرَّرَهُ مَالِكٌ . 31182 - وَاخْتُلِفَ عَنِ اللَّيْثِيِّ فِي الْمُزَارَعَةِ بِالثُّلُثِ ، وَالرُّبُعِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ : فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا . وَرُوِيَ عَنْهُ إِجَازَتُهَا . 31183 - وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَامِنًا عَلَى الْمُشْتَرِي دَفَعَ أَوْ لَمْ يَدْفَعْ ، فَأَمَّا أَنْ يُلْزِمَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَيَزْرَعَ فِيهَا نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا فَذَلِكَ حَلَالٌ . 31184 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَقُولُ اللَّيْثُ : هَذَا فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ بِجُزْءِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا . 31185 - قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُونُسَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 31186 - وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَالثَّمَرَةُ . 31187 - قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَحَادِيثُ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةُ الْأَلْفَاظِ . 31188 - وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ الْمُزَارَعَةَ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّجَرِ إِذَا كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا مَا جَازَ بَيْنَ النَّخْلِ ، وَإِذْ لَمْ يَجُزْ مُنْفَرِدًا لَمْ يَجُزْ بَيْنَ النَّخْلِ . 31189 - قَالُوا : وَتَوْقِيتُ الثُّلُثِ ، فَمَا دُونَهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ; لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيتٍ . 31190 - قَالُوا : وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مَا يُبِيحُ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لِلضَّرُورَةِ لِمَنِ ادَّعَى فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً . 31191 - فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ ، وَلَا أَرْضَهُ ، وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ . 31192 - فَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ . 31193 - وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ سَفِينَتَهُ ، وَدَابَّتَهُ كَمَا يُعْطِي أَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَرْزُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الصَّلَاحِ بِهَا ، وَجَعَلُوا أَصْلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْقِرَاضِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 237 31194 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ . قَالَ : وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ . 31195 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي أَجَلِ الْمُسَاقَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَهُودِ خَيْبَرَ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ . 31196 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : أُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا . 31197 - وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَنُعِيدُ هُنَا مِنْهَا ذِكْرًا ، كَمَا أَعَادَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَنَقُولُ : إِنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسَاقَاةِ سِنِينَا مَعْلُومَةً ، وَالْمُسَاقَاةُ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْجِذَاذِ . 31198 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ ، وَربَّ الْأَصْلِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ . 31199 - وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُسَاقَاةِ إِلَى الْجِذَاذِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ فِي الشَّجَرِ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَرِ ، فَحُكْمُ السِّنِينَ الْمَعْلُومَاتِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ ; لِأَنَّهُ كُلَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُخْلَقْ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ . 31200 - وَقَدْ أَجَازَتْ طَائِفَةٌ الْمُسَاقَاةَ إِلَى غَيْرِ تَوْقِيتٍ مِنَ السِّنِينَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 31201 - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَ الْيَهُودَ عَلَى شَطْرِ النَّخْلِ ، وَالزَّرْعِ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ . . 31202 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 31203 - فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا مُعَامَلَةً عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا وَقْتًا مَعْلُومًا : 31204 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو ثَوْرٍ : ذَلِكَ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ . 31205 - وَهُوَ يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ . 31206 - فَمَنِ اكْتَرَى دَارًا مُشَاهَرَةً أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَهْرٌ وَاحِدٌ . 31207 - وَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِيمَنْ سَاقَى حَائِطًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي وَقْتِ الْمُسَاقَاةِ مَرَّةً مَعْلُومَةً قَوْلٌ حَسَنٌ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 239 31208 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْمُسَاقِي : إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئا مِنَ الْأَشْيَاءِ ، لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقِيَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ ، مَنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ . 31209 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ، إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ ، لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ ، أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ . 31210 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنِ مُجِيزِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ يَزْدَادُهَا عَلَى جُزْئِهِ الْمَعْلُومِ ; لِأَنَّهُ - حِينَئِذٍ - يَعُودُ الْجُزْءُ مَجْهُولًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ : ثُلُثٍ أَوْ نِصْفٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَاتِ فِيمَا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ فِي الثَّمَرَةِ . 31211 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ أَيْضًا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارمرسل ابن المسيب في قول النبي لِيَهُودِ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ · ص 240 31212 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ يَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ . قَالَ مَالِك : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ . 31213 - ثُمَّ ذَكَرَ إِلَى آخَرِ الْبَابِ هَذَا الْمَعْنَى مُكَرَّرًا ، وَشَبَّهَهُ بِالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ يَكُونُ فِي أَحَدِهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ ، فَيُبَاعُ بِالْوَرِقِ إِذَا كَانَ الْوَرِقُ بَيْعًا لِلنَّصْلِ وَالْمُصْحَفِ ، وَكَذَلِكَ الْقِلَادَةُ وَالْخَاتَمُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ فَأَدْنَى على مَا ذَكَرَ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مَعَ الْأُصُولِ . 31214 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ ، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بَيْنَ السَّلَفِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ . 31215 - فَأَمَّا مُسَاقَاةُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ أُصُولَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ : مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ جُمْلَةً ، وَمَنْ أَجَازَهَا فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ; لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ ، مَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَقَاوِيلَ بِذَلِكَ . 31216 - وَمَنْ لَا يُجِيزُ الْمُزَارَعَةَ : مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَدِ اخْتَلَفَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدْ أَوْضَحَهُ فِي مُوَطَّئِهِ . 31217 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ فِي قَلِيلِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى نَخْلٍ ، فَكَانَ فِيهِ بَيَاضٌ لَا يُوصَلُ إِلَى عَمَلِهِ إِلَّا بِالدُّخُولِ عَلَى النَّخْلِ ، وَكَانَ لَا يُوصَلُ إِلَى سَقْيِهِ إِلَّا بِتَرْكِ النَّخْلِ فِي الْمَاءِ ، وَكَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ جَازَ أَنْ يُسَاقى عَلَيْهِ مِنَ النَّخْلِ إِلَّا مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ . 31218 - وَلَوْلَا الْخَبَرُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ النِّصْفَ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَلَهُ النِّصْفَ ، فَكَانَ الزَّرْعُ كَمَا وَصَفْتُ بَيْنَ ظَهْرَانِي النَّخْلِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ . 31219 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْمُسَاقى فِي النَّخْلِ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ كَمَنْ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ . 31220 - قَالَ : وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ نَخْلَاتٍ بِعَيْنِهَا مِنَ الْحَائِطِ لَمْ يَجُزْ ، وَلَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ زِيَادَةً لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ · ص 542 1381 - وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ، قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنْ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ ، فَمَا ازْدَرَعَ الرَّجُلُ الدَّاخِلُ فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ ، قَالَ : وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ، قَالَ : وَإِنْ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الْمَئُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَئُونَةَ كُلَّهَا وَالنَّفَقَةَ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ : تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ : إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ : اعْمَلْ وَأَنْفِقْ ، وَيَكُونُ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقْ الْآخَرَ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَئُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدِهِ ، إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثَّمَرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ؟ قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْمَالِ وَلَا مِنْ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيرًا بِذَلِكَ ، يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ، وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُسَاقَى شَدُّ الْحِظَارِ وَخَمُّ الْعَيْنِ وَسَرْوُ الشَّرَبِ وَإِبَّارُ النَّخْلِ وَقَطْعُ الْجَرِيدِ وَجَذُّ الثَّمَرِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ ، عَلَى أَنَّ لِلْمُسَاقَى شَطْرَ الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا ، يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ ، أَوْ ضَفِيرَةٍ يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا أَوْ احْفِرْ لِي بِئْرًا أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا أَوْ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ ثَمَرُ الْحَائِطِ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثَّمَرُ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ، فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ثَمَرٌ أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ ، إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ ، جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : لَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنْ الثِّمَارِ إِجَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ ، إِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ . قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ ، قَالَ : فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ ، وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ، فَهَذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ، أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا . قَالَ مَالِكٌ : وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا إِنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ، قَالَ : وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنْ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي : إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ ، وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ، إِذَا دَخَلَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَيَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ ، وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ ، وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ وَفِيهِ الْبَيَاضُ ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْ الْأَصْلِ ، أَوْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ أَوْ السَّيْفُ وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنْ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ أَوْ الْقِلَادَةُ أَوْ الْخَاتَمُ وَفِيهِمَا الْفُصُوصُ وَالذَّهَبُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ وَيَبْتَاعُونَهَا ، وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَأَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ جَازَ بَيْعُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوْ الْمُصْحَفُ أَوْ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ . 1413 1381 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ) مُرْسَلٌ فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ ، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَمَاعُ سُلَيْمَانَ مِنْهُ صَحِيحٌ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ ) لِتَمْيِيزِ حَقِّ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ الْمَصْرِفَيْنِ ، أَوْ لِلْقِسْمَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّخْرِيصِ لِذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ ، وَلَمْ يُجِزْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِحَالٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إِخْرَاجُ عُشْرِ مَا يَصِيرُ بِيَدِهِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ كَأَنَّهُ يَرَى نَسْخَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَأَجَازَهُ دَاوُدُ فِي النَّخْلِ خَاصَّةً . وَدَفَعَ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ وَيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ زَبِيبًا كَمَا يُؤَدِّي زَكَاةَ النَّخْلِ تَمْرًا بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ عَتَّابًا مَاتَ قَبْلَ مَوْلِدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَبِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَدَعْوَى الْإِرْسَالِ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ : إِنَّ عَتَّابًا مَاتَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ عَلَى مَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ وُلِدَ سَعِيدٌ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْأَصَحِّ ، فَسَمَاعُهُ مِنْ عَتَّابٍ مُمْكِنٌ فَلَا انْقِطَاعَ . وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فَصَدُوقٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . ( قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حُلْيًا ) ضُبِطَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدٌ ، وَبِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَشَدِّ الْيَاءِ عَلَى الْجَمْعِ ( مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ) أَجْمِلْهُ وَأَغْمِضْ فِيهِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : رَامُوا بِهِ أَنْ يَسْتَنْزِلُوهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا ( سورة البقرة : الآية 109 ) وَقَالَ تَعَالَى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةَ 89 ) وَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 109 ) ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ) قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ ، كَمَا زَادَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ( وَمَا ذَاكَ ) أَيِ الْبُغْضُ ( بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ : أَجُورَ ( عَلَيْكُمْ ) لِأَنَّهُ يَكُونُ ظُلْمًا . وَفِي الْحَدِيثِ : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِيهِ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ لَا يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ عَلَى ظُلْمِ مَنْ أَبْغَضَ ( فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ ( فَإِنَّهَا سُحْتٌ ) أَيْ حَرَامٌ ( وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ) لِحُرْمَتِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ فِي الْيَهُودِ : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةَ 42 ) إِنَّهُ الرَّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ ( فَقَالُوا بِهَذَا ) الْعَدْلِ ( قَامَتِ السَّمَاوَاتُ ) فَوْقَ الرُّؤوسِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ( وَالْأَرْضُ ) اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّشْوَةَ عِنْدَ الْيَهُودِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِمْ بِهَذَا ، وَلَوْلَا حُرْمَتُهُ فِي كِتَابِهِمْ مَا عَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَفِيهِ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ أَوِ الشَّاهِدُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ أَوِ الشَّهَادَةِ بِهِ رِشْوَةٌ ، وَكُلُّ رِشْوَةٍ سُحْتٌ ، وَكُلُّ سُحْتٍ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَكْلُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَاقَى الرَّجُلُ النَّخْلَ وَفِيهَا الْبَيَاضُ فَمَا ازْدَرَعَ ) أَيْ زَرَعَ ( الرَّجُلُ الدَّاخِلُ ) أَيْ عَامِلُ الْمُسَاقَاةِ ( فِي الْبَيَاضِ فَهُوَ لَهُ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى أَنَّ الثمر بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَلَمْ يَشْتَرِطْ إِلَّا نِصْفَ الثَّمَرِ ، وَذَلِكَ وَقْتُ تَبْيِينِ الْحُقُوقِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَكُونُ لَهُ ، وَأَيْضًا فَالْأَرْضُ بِيَدِ الْعَامِلِينَ ، وَإِنَّمَا لِرَبِّهَا مَا شَرَطَهُ دُونَ سَائِرِ مَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَلِذَا انْفَرَدُوا بِمَسَاكِنِهَا وَمَزَارِعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدَيْنِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( فَإِنِ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ فِي الْبَيَاضِ لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ فِي الْمَالِ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ زِيَادَةٌ زَادَهَا عَلَيْهِ ) وَالزِّيَادَةُ مَمْنُوعَةٌ . ( وَإِنِ اشْتَرَطَ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَؤُونَةُ كُلُّهَا عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْبَذْرُ وَالسَّقْيُ وَالْعِلَاجُ كُلُّهُ ) بَيَانٌ لِلْمَؤُونَةِ لِمَا جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَلَهُمْ فِي الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى النِّصْفِ . ( فَإِنِ اشْتَرَطَ الدَّاخِلُ فِي الْمَالِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنَّ الْبَذْرَ عَلَيْكَ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زِيَادَةً ازْدَادَهَا عَلَيْهِ ) وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ ( وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ الْمَؤُونَةَ كُلَّهَا وَالنَّفَقَةَ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَهَذَا وَجْهُ الْمُسَاقَاةِ الْمَعْرُوفِ ) الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَنْقَطِعُ مَاؤُهَا فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَا أَجِدُ مَا أَعْمَلُ بِهِ : إِنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْعَيْنِ اعْمَلْ وَأَنْفِقْ وَيَكُونَ لَكَ الْمَاءُ كُلُّهُ تَسْقِي بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُكَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ ، فَإِذَا جَاءَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقْتَ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُعْطِيَ الْأَوَّلُ الْمَاءَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا بِعَمَلِهِ لَمْ يَعْلَقِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ لَمْ يَلْزَمْ ( الْآخَرَ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْءٌ ) لِأَنَّ إِنْفَاقَهُ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا . ( وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ كُلُّهَا وَالْمَؤُونَةُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الدَّاخِلِ فِي الْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ إِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ بِبَعْضِ الثَّمَرَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ إِجَارَتُهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ شَيْئًا يَعْرِفُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي أَيَقِلُّ ذَلِكَ أَمْ يَكْثُرُ ) فَهِيَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ مُقَارِضٍ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ( أَوْ مُسَاقٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ النَّخْلِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ أَجِيرًا بِذَلِكَ يَقُولُ : أُسَاقِيكَ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي فِي كَذَا وَكَذَا نَخْلَةٍ تَسْقِيهَا وَتَأْبُرُهَا ) بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَكَسْرِهَا تُلَقِّحُهَا وَتُصْلِحُهَا ( وَأُقَارِضُكَ فِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ مِمَّا أُقَارِضُكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصْلُحُ ) لِخِلَافِ سُنَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ) بِالْمَدِينَةِ ( وَالسُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ الَّتِي يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمَسَاقِي ) بِفَتْحِ الْقَافِ ( شَدُّ الْحِظَارِ ) بِالشِّينِ الْمَنْقُوطَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ عَنْ مَالِكٍ ، أَيْ تَحْصِينُ الزُّرُوبِ ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي سَدَّ الثُّلْمَةِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . وَنَقَلَ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ أَنَّ مَا حَظَرَ بِزَرْبٍ فَبِالْمُعْجَمَةِ ، وَمَا كَانَ بِجِدَارٍ فَبِالْمُهْمَلَةِ ، وَالْحَظَائِرُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ حَظِيرَةٍ هِيَ الْعِيدَانُ الَّتِي بِأَعْلَى الْحَائِطِ لِتَمْنَعَ مِنَ التَّسَوُّرِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : هُوَ حَائِطُ الْبُسْتَانِ ، الْبَاجِيُّ : مِثْلَ أَنْ يسْتَرْخي رِبَاطٌ لِحَظِيرَةٍ فَيَشْتَرِطُ عَلَى الْعَامِلِ شَدَّهُ . ( وَخَمُّ الْعَيْنِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الْمِيمِ تَنْقِيَتُهَا ، وَالْمَخْمُومُ النَّقِيُّ ، وَرَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ أَيْ نَقِيُّهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ . ( وَسَرْوُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ وَاوٍ أَيْ : كَنْسُ ( الشَّرَبِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَمُوَحَّدَةٍ جَمْعُ شَرْبَةٍ وَهِيَ حِيَاضٌ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ حَوْلَ الشَّجَرِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : تَنْقِيَةُ الْحِيَاضِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الشَّجَرِ وَتَحْصِينُ حُرُوفِهَا وَمَجِيءُ الْمَاءِ إِلَيْهَا . الْبَاجِيُّ : وَرُوِيَ ( سَوْقُ الشَّرَبِ ) وَهُوَ جَلْبُ الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ . ( وَإِبَّارُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ( النَّخْلِ ) أَيْ تَذْكِيرُهَا ( وَقَطْعُ الْجَرِيدِ ) مِنَ النَّخْلِ إِذَا كُسِرَتْ ، وَقَدْ يُفْعَلُ مِثْلُهُ بِالشَّجَرِ لِقَطْعِ قُضْبَانِ الْكَرْمِ . ( وَجَذُّ الثَّمَرِ ) أَيْ قَطْعُهُ ( هَذَا وَأَشْبَاهُهُ ) كَرْمُ الْقُفِّ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي فِيهِ الدَّلْوُ وَيَجْرِي مِنْهُ إِلَى الضَّفِيرَةِ ( عَلَى أَنَّ لِلْمَسَاقِي شَطْرَ ) أَيْ نِصْفَ ( الثَّمَرِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْأَصْلِ لَا يَشْتَرِطُ ابْتِدَاءَ عَمَلٍ جَدِيدٍ ) بِالْجِيمِ ( يُحْدِثُهُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ بِئْرٍ يَحْتَفِرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَرْفَعُ رَأْسَهَا أَوْ غِرَاسٍ يَغْرِسُهُ فِيهَا يَأْتِي بِأَصْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ ضَفِيرَةٍ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ : مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ كَالصِّهْرِيجِ ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هِيَ عِيدَانٌ تُنْسَجُ وَتُضَفَّرُ وَتُطَيَّنُ وَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ كَالصِّهْرِيجِ ( يَبْنِيهَا تَعْظُمُ فِيهَا نَفَقَتُهُ ) فَيُمْنَعُ اشْتِرَاطُ هَذَا ( وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ مِنَ النَّاسِ : ابْنِ لِي هَاهُنَا بَيْتًا أَوِ احْفِرْ لِي بِئْرًا ، أَوْ أَجْرِ لِي عَيْنًا ، أَوِ اعْمَلْ لِي عَمَلًا بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي ، هَذَا قَبْلَ أَنْ تَطِيبَ ثَمَرُ الْحَائِطِ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ، فَهَذَا بَيْعٌ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ) فَيُمْنَعُ كَذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِي النَّهْيِ . ( فَأَمَّا إِذَا طَابَ الثمر وَبَدَا صَلَاحُهُ ) تَفْسِيرٌ لِطِيبِهِ ( وَحَلَّ بَيْعُهُ ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ : اعْمَلْ لِي بَعْضَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ - لِعَمَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ - بِنِصْفِ ثَمَرِ حَائِطِي هَذَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) أَيْ يَجُوزُ ( وَ ) وَجْهُهُ أَنَّهُ ( إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مَعْلُومٍ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ ) فَهِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ . ( فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَائِطِ ) أَيِ الْبُسْتَانِ ( ثَمَرٌ أَوْ قَلَّ ثَمَرُهُ أَوْ فَسَدَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يُسْتَأْجَرُ إِلَّا بِشَيْءٍ مُسَمًّى لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ ) لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعَ ( إِنَّمَا يَشْتَرِي مِنْهُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا دَخَلَهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَرَادَ مَالِكٌ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ ، وَأَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا كَالْقِرَاضِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْإِجَارَاتِ ، وَالْإِجَارَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَيْعٌ ، وَقَالَتِ الظَّاهِرِيَّةَ : لَيْسَتْ مِنَ الْبُيُوعِ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ تُخْلَقْ ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنًا وَلَيْسَتِ الْبُيُوعُ إِلَّا فِي الْأَعْيَانِ ، قَالُوا : فَالْإِجَارَةُ بَيْعٌ مُنْفَرِدٌ بِسُنَّةٍ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ . ( قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي عِنْدَنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ ) شَجَرِ الْعِنَبِ ( أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ أَوْ فِرْسِكٍ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَافٍ : الْخَوْخُ أَوْ ضَرْبٌ مِنْهُ أَحْمَرُ أَجْرُدُ أَوْ مَا يَنْفَلِقُ عَنْ نَوَاهُ ( أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ ) فَالشَّرْطُ عَلَى قَدْرِ الْجُزْءِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ( وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ ) مِنَ الْأَرْضِ ( وَاسْتَقَلَّ فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ ، فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزَةٌ ) وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ إِلَّا فِي النَّخْلِ والْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ ثَمَرَهُمَا بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ الْكُمَّثْرَى وَالتِّينَ وحب الملوك وَالرُّمَّانَ وَالْأُتْرُجَّ وَشِبْهَ ذَلِكَ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهَا ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يُخْرَصُ ، وَالْخَرْصُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَأَخْرَجَتْهُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ كَمَا أَخْرَجَتِ الْعَرَايَا عَنْهَا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ خَاصَّةً . ( وَلَا تَصْلُحُ الْمُسَاقَاةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ مِمَّا تَحِلُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَبَدَا صَلَاحُهُ وَحَلَّ بَيْعُهُ ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِجَوَازِ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ ( وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاقَى مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، وَأَمَّا مُسَاقَاةٌ مَا حَلَّ بَيْعُهُ مِنَ الثِّمَارِ وإِجَارَةً ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَاقَى صَاحِبَ الْأَصْلِ ثَمَرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ إِيَّاهُ وَيَجُذَّهُ لَهُ ) يَقْطَعُهُ ( بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ مَا بَيْنَ أَنْ يَجُذَّ النَّخْلَ إِلَى أَنْ يَطِيبَ الثَّمَرُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ ) وَلَيْسَ ذَلِكَ أَيْضًا بِالْإِجَارَةِ . قَالَ مَالِكٌ : إِنْ وَقَعَتْ فُسِخَ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَفُتْ وَلَا تَكُونُ إِجَارَةً لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَتَضَمَّنُ أَنَّ عَلَى الْعَامِلِ النَّفَقَةَ عَلَى رَقِيقِ الْحَائِطِ وَجَمِيعِ الْمُؤَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ . ( وَمَنْ سَاقَى ثَمَرًا فِي أَصْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَيَحِلَّ بَيْعُهُ فَتِلْكَ الْمُسَاقَاةُ بِعَيْنِهَا جَائِزَةٌ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا أَجَازَهَا فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ أَوْ فِيمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، وَالْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ أَصْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْبُيُوعِ ، وَكُلُّ أَصْلٍ فِي نَفْسِهِ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ ، وَأَجَازَهَا سَحْنُونٌ لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ . ( وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِصَاحِبِهَا كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ ) يُرِيدُ إِلَّا الطَّعَامَ أَوْ مَا يُثْبِتُهُ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ مَنْعُهُمَا ( فَأَمَّا الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ الْبَيْضَاءَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرُ مَرَّةً ، وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْسًا فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُومًا يَصْلُحُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ ، وَأَخَذَ أَمْرًا غَرَرًا لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ ) أَيْ حَرَامٌ ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا . ( وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرْبَحُ فِي سَفَرِي هَذَا إِجَارَةً لَكَ ؟ فَهَذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ إِلَى عَقْدٍ فَاسِدٍ . ( وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ وَلَا أَرْضَهُ وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لَا يَزُولُ ) يَنْتَقِلُ ( إِلَى غَيْرِهِ ) وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَأَجَازَ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَ سَفِينَتَهُ وَدَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَرْزُقُهُ اللَّهُ قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ . ( وَإِنَّمَا فَرَّقَ ) بِالتَّشْدِيدِ أَيِ الشَّرْعُ ( بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ ) فَيَجُوزُ ( وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ) فَيُمْنَعُ ( أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ ( وَصَاحِبُ الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا ) لِعَدَمِ النَّهْيِ . ( وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضًا أَنَّهَا لِلسَّاقِي السِّنِينَ الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ وَذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ ) فَيَجُوزُ سِنِينَ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا مُدَّةً مَجْهُولَةً ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَطَائِفَةٍ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ ، وَمَرَّتِ الْأَجْوِبَةُ عَنْهُ . ( وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلَ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ ) مِنَ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ ، قَلَّتْ : أَوْ كَثُرَتْ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا . ( قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَاقِي ) بِكَسْرِ الْقَافِ : ( إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَقَاهُ شَيْئًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ ) لَا يَجُوزُ ( وَ ) كَذَلِكَ ( لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسَاقَى ) بِفَتْحِ الْقَافِ ( مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئًا يَزِيدُهُ إِيَّاهُ مَنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا ) عَلَى جُزْئِهِ الْمَعْلُومِ ( لَا تَصْلُحُ ) لِأَنَّهُ يَعُودُ الْجُزْءُ مَجْهُولًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ . ( وَالْمُقَارِضُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ ) لِأَنَّهُ ( إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً ، وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ إِجَارَةٌ بِأَمْرٍ غَرَرٍ لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ ) فَتَفْسُدُ الْإِجَارَةُ . ( وَفِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ أَوِ الْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ فَتَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ أَعْظَمُ ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُ فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ ) وَعَلَى هَذَا تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : وَكَانَ الْبَيَاضُ فِي خَيْبَرَ يَسِيرًا بَيْنَ أَضْعَافِ السَّوَادِ ، وَالْمَشْهُورُ مَا قَالَ هُنَا الثُّلُثُ يَسِيرٌ ، وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَإِلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ أَضْعَافٍ السواد أَوِ انْفَرَدَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ فِيهِمَا . وَفِيهَا لِمَالِكٍ إِلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُلْغِهِ لِلْعَامِلِ ، وَهُوَ إِنَّمَا يَفْعَلُ الرَّاجِحَ . وَأَجَابَ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِلْغَاؤُهُ الْبَاجِيُّ ، وَحُكْمُ مَا تُمْنَعُ مُسَاقَاتُهُ حُكْمُ الْبَيَاضِ مَعَ الشَّجَرَةِ . ( وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ فِي ذَلِكَ الْكِرَاءُ وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ إِذَا جُمِعَا ، أَمَّا إِذَا أُفْرِدَتِ النَّخْلُ بِالْمُسَاقَاةِ فَيَجُوزُ . ( وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ وَفِيهِ الْبَيَاضُ ، وَتُكْرَى الْأَرْضُ وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الْأَصْلِ ، أَوْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ أَوِ السَّيْفُ وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ ) مُتَعَلِّقٌ بِيُبَاعَ ( أَوِ الْقِلَادَةُ ) مَا يُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ ( أَوِ الْخَاتَمُ وَفِيهِمَا الْفُصُوصُ ) جَمْعُ فَصٍّ مُثَلَّثُ الْفَاءِ . ( وَ ) فِيهَا ( الذَّهَبُ ) تُبَاعُ ( بِالدَّنَانِيرِ وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةً يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ وَيَبْتَاعُونَهَا وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ) نَصٌّ مِنْ سُنَّةٍ وَلَا كِتَابٍ ( مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ؛ إِذْ لَوْ بَلَغَهُ كَانَ حَرَامًا أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا ) وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ إِلَى عَمَلِ الْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ : ( وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَأَجَازُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَرِقِ أَوِ الذَّهَبِ تَبَعًا لِمَا هُوَ فِيهِ ) مِنَ الْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ ( جَازَ بَيْعُهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوِ الْمُصْحَفُ أَوِ الْفُصُوصُ قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ ) فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ .