1551 حَدِيثٌ رَابِعٌ وَأَرْبَعُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ، ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَا . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا : يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ بِالْحَاءِ ، وَقَدْ قِيلَ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : يَجْنِي بِالْجِيمِ ، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ : يُجَافِي عَنْهَا بِيَدِهِ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : يُجَافِي بِيَدِهِ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يَجْنَأُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِالْهَمْزِ أَيْ يَمِيلُ عَلَيْهَا ، يُقَالُ مِنْهُ : جَنَأَ يَجْنَأُ جَنَأً وَجُنُوءًا إِذَا مَالَ ، وَالْأَجْنَأُ الْمُنْحَنِي وَيَجْنَأُ وَيَتَجَنَّى بِمَعْنَى وَاحِدٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنِ الْفِقْهِ سُؤَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ كِتَابِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ صَحِيحَةٌ بِأَيْدِيهِمْ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَنْهَا ) ، وَلَا دَعَا بِهَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِينَ كَانُوا يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ : هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، هِيَ كُتُبُ أَحْبَارِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ لَهُمْ كُتُبًا مِنْ آرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ وَيُضِيفُونَهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ مِنْ إِشْكَالِ أَمْرِهِمْ نُهِينَا عَنِ التَّصْدِيقِ بِمَا حَدَّثُونَا بِهِ ، وَعَنِ التَّكْذِيبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا نُصَدِّقَ بِبَاطِلٍ أَوْ نُكَذِّبَ بِحَقٍّ وَهُمْ قَدْ خَلَطُوا الحق بالباطل ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّوْرَاةِ بِنَقْلٍ مِثْلُ ابْنِ سَلَامٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ وَيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِمَا فِي شَرِيعَتِنَا مِنْ كِتَابِنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لِكَعْبِ : إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بِطُورِ سَيْنَاءَ فَاقْرَأْهَا آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا فِي كَرَاهِيَةِ مُطَالَعَةِ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ ( ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ ) كِتَابِ الْعِلْمِ يَشْفِي النَّاظِرَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْذِبُونَ عَلَى تَوْرَاتِهِمْ ، وَيُضِيفُونَ كَذِبَهُمْ ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الزُّنَاةَ يُفْضَحُونَ وَيُجْلَدُونَ مُحْصَنِينَ كَانُوا بِالنِّكَاحِ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنِينَ ، وَفِي التَّوْرَاةِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ رَجْمِ الزُّنَاةِ الْمُحْصَنِينَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَرَائِعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرَائِعُ لَنَا إِلَّا بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ ، أَوْ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَسْخُهُ وَخِلَافُهُ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُنَا مِنْ مُطَالَعَةِ التَّوْرَاةِ ، لِأَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ بِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهَا ، إِنَّمَا غَيَّرُوا وَبَدَّلُوا مِنْهَا ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْهَا مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ جَازَ لَهُ مُطَالَعَتُهَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا الْيَهُودُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالتَّبْدِيلِ ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الرَّجْمِ ، وَالْحُكْمُ بِهِ عَلَى الثَّيِّبِ الزَّانِي ، وَهُوَ أَمْرٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ مَنْ يَعُدُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ الْجِلْدُ مَعَ الرَّجْمِ ، وَجَمْعُهُمَا عَلَى الثَّيِّبِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا وَرَضُوا بِحُكْمِ حَاكِمِنَا ، حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي شَرِيعَتِنَا ، كَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا عِنْدَهُمْ ، أَوْ مُخَالِفًا ، وَأَنْزَلَهُمْ فِي الْحُكْمِ مَنْزِلَتَنَا ، وَعَلَى هَذَا عِنْدَنَا كَانَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّجْمِ عَلَى الْيَهُودِيِّينَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رَجَمَ مَاعِزًا ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَ مَنْ رَجَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ فَلِذَلِكَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا فِي خُصُومَاتِهِمْ ، وَسَائِرِ مَظَالِمِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ ، هَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَرْضًا وَاجِبًا ؟ أَمْ نَحْنُ فِي ذَلِكَ مُخَيَّرُونَ ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءَ الْحِجَازَ ، وَالْعِرَاقَ : إِنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ عَلَيْنَا إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمْ إِلَى حَاكِمِهِمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَذَكَرَهُ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ تَرْكَ الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَحَبُّ إِلَيْهِ وَيُرَدُّونَ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ ، وَإِنْ حَكَمَ بَيْنِهِمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ حَكَمَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ نَظَرَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَنْظُرْ ، وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي تَعَامُلِهِمْ بِالرِّبَا ، وَلَا فِي فَسَادِ بَيْعٍ وَلَكِنْ مَنِ امْتَنَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَفْعِ ثَمَنٍ ، أَوْ مَثْمُونٍ فِي الْبَيْعِ حَكَمَ بَيْنِهِمْ ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ التَّظَالُمِ قَالَ : وَالَّذِينَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : إِذَا رَضِيَ الذِّمِّيَّانِ بِحُكْمِهِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ ، فَإِنْ رَضِيَاهُ حَكَمَ ، وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا تَرَكَ ، وَإِنْ كَانَا أَهْلَ مِلَّتَيْنِ حَكَمَ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَرِهَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا ، وَقَالَهُ سَحْنُونُ ، وَذَكَرَ الْعُتْبِيُّ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ مِنَ الْمُسْتَخْرَجَةِ . قَالَ عِيسَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ تَحَاكَمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَرَضِيَا بِهِ جَمِيعًا فَلَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِرِضًى مِنْ أَسَاقِفَتِهِمْ ، فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ فَلَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ رَضِيَ أَسَاقِفَتُهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْمُعَاهِدِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمُ الْحُكْمُ إِذَا جَاءُوهُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ وَهُمْ صَاغِرُونَ قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ لَا يُحَدُّونَ إِذَا جَاءُوا إِلَيْنَا فِي حَدٍّ لِلَّهِ وَأَرْفَعُهُمْ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَا كَانُوا يَدِينُونَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ حُكْمُنَا عَلَيْهِمْ بِإِبْطَالِهِ إِذَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ، وَلَا يَكْشِفُوا عَمَّا اسْتَحَلُّوا مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ أَوْ مُسْتَأْمَنِ غَيْرِهِمْ ، فَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةً مِنْهُمْ تَسْتَعْدِي بِأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ، أَوْ آلَى مِنْهَا حَكَمْتُ عَلَيْهِ حُكْمِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ يَسْأَلُهُ عَنْ مُسْلِمٍ زِنَا بِنَصْرَانِيَّةٍ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَقِمِ الْحَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَرُدَّ النَّصْرَانِيَّةَ إِلَى أَهْلِ دِينِهَا . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قَالَ : مَضَتْ أَنْ يُرَدُّوا فِي حُقُوقِهِمْ وَدَعَاوِيهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ وَمَوَازِينِهِمْ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ فِي حَدٍّ فَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَالَ آخَرُونَ : وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ نَاسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ قَبْلَ هَذَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالسُّدِّيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ، فَإِنْ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ لَمْ يَحْكُمْ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ : بَلْ يَحْكُمُ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا شَكَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ ، وَأَبَى صَاحِبُهُ مِنَ التَّحَاكُمِ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الذِّمِّيِّينَ يَشْكُو أَحَدُهُمَا وَيَأْبَى صَاحِبُهُ مِنَ التَّحَاكُمِ عِنْدَنَا أَنَّا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِأَنْ يَتَّفِقَا جَمِيعًا عَلَى الرِّضَا بِحُكْمِنَا ، فَإِنْ كَانَ ظُلْمًا ظَاهِرًا مُنِعُوا مِنْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ فِي الذِّمِّيِّ ، أَوِ الْمَعَاهِدِ ، أَوِ الْمُسْتَأْمَنِ يَسْرِقُ مَنْ مَالِ ذِمِّيٍّ أَنَّهُ يُقْطَعُ كَمَا يُقْطَعُ لَوْ سَرَقَ مَنْ مَالٍ مُسْلِمٍ ، لَأَنَّ ذَلِكَ مِنِ الْخِيَانَةِ فَلَا يُقِرُّوا عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَى التَّلَصُّصِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ عِنْدِي أَلَّا يَحْكُمَ بِنَسْخِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلْآيَةِ قَبْلَهَا ، لِأَنَّهَا يُحْتَمَلُ مَعْنَاهَا أَنْ يَكُونَ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ إِنْ حَكَمْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ فَتَكُونُ الْآيَتَانِ مستعملتين غير مُتَدَافِعَتَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْيَهُودِيَّيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا زَنَيَا هَلْ يَحُدَّانِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا زَنَى أَهْلُ الذِّمَّةِ ، أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمُ الْإِمَامُ إِلَّا أَنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ فِي دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الضَّرَرَ ، فَيَمْنَعُهُمُ السُّلْطَانُ مِنِ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : وَإِنَّمَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودِيَّيْنِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ ذِمَّةٌ وَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَحُدَّانِ إِذَا زَنَيَا كَحَدِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فَلَنَا أَنْ نَحْكُمَ ، أَوْ نَدَعَ ، فَإِنْ حَكَمْنَا حَدَدْنَا الْمُحْصَنُ بِالرَّجْمِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَجَلَدْنَا الْبِكْرَ مِائَةً وَغَرَّبْنَاهُ عَامًا ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ : لَا خِيَارَ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلْحَاكِمِ إِذَا جَاءُوهُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَالصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيُّ ، وَاخْتَارَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ حِينَ ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ : إِنَّمَا رَجَمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ وَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ . قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لَمَا أَقَامَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : وَإِذَا كَانَ مَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ قَدْ حَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزِّنَا ، فَمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَحْرَى بِذَلِكَ ، قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الذِّمِّيَّ يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا سَرَقَ الذِّمِّيُّ مِنْ ذَمِّيٍّ ، وَلَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ عِنْدَنَا ، وَإِنْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا حَكَمْنَا بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ تَظَالُمِهِمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنَا الْمَنْعُ مِنْهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْنَا ، وَإِذَا سَرَقَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ كَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ إِلَيْنَا فَوَجَبَ الْقَطْعُ ، وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي حَدِّ الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ فِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَكُلُّهُمْ يَشْتَرِطُ فِي الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ - الْإِسْلَامَ ، هَذَا مِنْ شُرُوطِهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَمَنْ رَأَى رَجَمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ إِذَا أُحْصِنُوا إِنَّمَا رَآهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ ( إِذَا ) تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ فِينَا ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَهُودِيَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ قَبْلَهَا ، مَعْنَى قَوْلِهِ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الْآيَةَ ، قَالُوا : عَلَى الْإِمَامِ إِذَا عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْكَ ، قَالُوا : وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن الصباح الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ : هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ : أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ ؟ فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَاشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجَمُ ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ وَتَرَكْنَا الرَّجَمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذَا أَمَاتُوهُ . فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يَقُولُ : ائْتُوا مُحَمَّدًا ، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا ؛ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فِي الْيَهُودِ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فِي الْيَهُودِ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قَالَ : هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا يَعْنِي الْآيَةَ ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ ، قَالُوا : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ ، وَلَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَوْ تَدَبَّرَ مَنِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْهُ لَمْ يَحْتَجْ بِهِ ، لِأَنَّهُ فِي دَرْجِ الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يَقُولُ : إِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ حَكَّمُوهُ لَا أَنَّهُ قَصَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا رَضِيَا بِحُكْمِهِ ، قِيلَ لَهُ : حَدُّ الزَّانِي حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، عَلَى الْحَاكِمِ إِقَامَتُهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَ لَهُمْ حَاكِمٌ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وَيُقِيمُ حُدُودَهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ الَّذِي حَكَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، ثُمَّ حَكَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ مَنْ إِلَيْهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ هُوَ الَّذِي حَكَّمَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِبَارِ بِحُكْمِ الزَّانِيَيْنِ فِيمَا لَيْسَ لَهُمَا ، وَلَا لِأَحَدِهِمَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَتَى نَفَرٌ مَنْ يَهُودَ فَدَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ ، فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَادَةً ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ : ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ ، فَأَتَوْهُ بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ : آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَهُودَ دَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَكَّمُوهُ فِي الزَّانِيَيْنِ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٌ أَيْضًا فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا ؛ قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مَنْ مُزِيْنَةَ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَهُ الْيَهُودُ وَكَانُوا قَدْ شَاوَرُوا فِي صَاحِبٍ لَهُمْ زَنَى بَعْدَ مَا أُحْصِنَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ قَدْ بُعِثَ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الرَّجْمَ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ : فَقَالَ لَهُمْ يَعْنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ من العقوبة عَلَى مَنْ زَنَى ، وَقَدْ أُحْصِنَ ؟ قَالُوا : نَجِدُ يُحَمَّمُ وَيُجْلَدُ ، وَسَكَتَ حَبْرُهُمْ وَهُوَ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَمْتَهُ أَلَظَّ بِهِ يَنْشُدُهُ فَقَالَ حَبْرُهُمْ : أَمَّا إِذْ نَشَدَتْنَا نَجِدُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ . فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ : فَإِنِّي أَقْضِي بِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النَّبِيئِينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، فَحَكَمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الَّذِينَ هَادُوا ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي التَّفْسِيرِ ، وَفِي الْمُصَنَّفِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ يَتَّبِعُ الْعِلْمَ وَيَعِيهِ ، وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَامْرَأَةٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ ، فَإِنْ أَفْتَى بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا ، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقُلْنَا : فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ . قَالَ : فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ بِكَلِمَةٍ حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ ؟ قَالُوا : يُحَمَّمُ وَيُجَبَّهُ وَيُجْلَدُ ، وَالتَّجْبِيهُ أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَيُقَابَلُ أَقْفِيَتُهُمَا وَيُطَافُ بِهِمَا قَالَ : وَسَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَظَّ بِهِ يَنْشُدُهُ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدَتْنَا ، فإنا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَبِمَ ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ ؟ قَالَ : زَنَى ذُو قُرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأُخِّرَ عَنْهُ الرَّجْمُ ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ رَجْمَهُ ، فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ ، وَقَالُوا : لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى نَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجَمَهُ فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ . فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا . وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى أَبُو الْأَصْبَغِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : زَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ ، وَقَدْ أُحْصِنَا حِينَ قَدَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَكَانَ الرَّجْمُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا بِالتَّجْبِيهِ يُضْرَبُ مِائَةً بِحَبْلٍ مَطْلِيٍّ بِقَارٍ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْحِمَارِ وَوَجْهُهُ مِمَّا يَلِي دُبُرَ الْحِمَارِ ، قَالَ فِيهِ : وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَخُيِّرَ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ مُخْتَصَرٌ . فَفِي هَذه الْآثَارِ كُلِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ بِمَا حَكَمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حُكِّمَ وَتْحُوكُمْ إِلَيْهِ وَرُضِيَ بِهِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ قَدَمَ الْمَدِينَةَ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ ذِمَّةٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعند ابْنُ شِهَابٍ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَمَرَ بِرَجْمِهِمَا ، فَلَمَّا رُجِمَا رَأَيْتُهُ يُجَافِي بِيَدِهِ عَنْهَا لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ . رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَالْحُكْمُ كَانَ فِيهِمْ بِشَهَادَةٍ لَا بِاعْتِرَافٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ مُجَالِدٌ : أَخْبَرَنَا عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَتْ يَهُودُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ، فَقَالَ : ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، فَأَتَوْهُ بِابْنِيْ صُورِيَا فَنَاشَدَهُمَا كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَا : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا ، قَالَ : فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّهُودِ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِهِمَا . وَرَوَى شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً . انْفَرَدَ بِهِ عَنْ سِمَاكٍ شَرِيكٌ ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ أَعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْحَكَمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نُسِخَ مِنَ الْمَائِدَةِ آيَتَانِ : آيَةُ الْقَلَائِدِ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ حَكَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَرَدَّهُمْ إِلَى حُكَّامِهِمْ ، فَنَزَلَتْ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خَبَرٌ إِنَّمَا يَرْوِيهِ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَى مُجَاهِدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ لَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْمَائِدَةِ إِلَّا هَاتَانِ الْآيَتَانِ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نَسَخَتْهَا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ نَسَخَتْهَا فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قَالَ : نَسَخَتْهَا : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَهِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قَالَا : إِنْ شَاءَ حَكَمَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ فَذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ قَالَا : إِنْ شَاءَ حَكَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَنْ تَابَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ التَّخْيِيرُ لِئَلَّا يَبْطُلَ حُكْمٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ يَقِينٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ، يَعْنِي إِنْ حَكَمْتَ ، وَآيَةُ التَّخْيِيرِ مُحْكَمَة ، نَصٌّ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَدُّوا فِي حُقُوقِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ فِي حَدٍّ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِيهِ ، فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ مَعْمَرٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ : إِذَا جَاءَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ قَالَ : بِالرَّجْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُصُوصٌ لَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلِقَوْلِهِ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ؛ وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا حَكَمَ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ بِحُكْمِ اللَّهِ فِي شَرِيعَتِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا · ص 385 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابْنِ عُمَرَ جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا · ص 5 1551 41 - كِتَابُ الْحُدُودِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا ( 1 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ 1525 - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ . فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ . إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا ، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ . ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ ، فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَا . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ . 35113 - قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي يَحْنِي يُكِبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ . 35114 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ . يُرِيدُ : يَمِيلُ عَلَيْهَا ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَنَى الشَّيْخُ ، إِذَا انْحَنَى . 35115 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا هُوَ : يَحنَأُ مَهْمُوزٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : حنَأَ يَحنَأُ حنَأً وَحنُوءًا ، إِذَا مَالَ ، وَالْمُنْحَنِئُ ، وَالِانْحِنَاءُ ، حَنَأَ وَيَحْنَأُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . 35116 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ : يَحْنِئُ بِالْحَاءِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ جِدًّا . 35117 - وَقَالَ أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ : يُحَانِئُ عَنْهَا بِيَدِهِ . 35118 - وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : يُجَافِي بِيَدِهِ . 35119 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ سُؤَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ كِتَابِهِمْ ، وَفَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ صَحِيحَةٌ بِأَيْدِيهِمْ ؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . 35120 - وَفِي مَا ذَكَرْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانُوا يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ : هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، هِيَ كُتُبُ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ ؛ كَانُوا يَصْنَعُونَ لَهُمْ كُتُبًا مِنْ آرَائِهِمْ ، وَيُضِيفُونَهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ مِنْ إِشْكَالِ أَمْرِهِمْ نُهِينَا عَنْ تَصْدِيقِ مَا حَدَّثُونَا بِهِ ، وَعَنْ تَكْذِيبِهِ ؛ حَذَرًا مِنْ أَنْ نُصَدِّقَ بِبَاطِلٍ ، أَوْ نُكَذِّبَ بِحَقٍّ ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا الْمَعْنَى بَابًا فِي كِتَابِنَا ( كِتَابِ بَيَانِ الْعَلَمِ وَفَضْلِهِ ) 0 35121 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ الْيَهُودِ قَوْمًا يَكْذِبُونَ عَلَى تَوْرَاتِهِمْ ، وَيَسْتُرُونَ مِنْهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَشْهَدُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيُوَافِقُ دِينَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الزُّنَاةَ - مُحْصَنِينَ كَانُوا ، أَوْ غَيْرَ مُحْصَنِينَ - لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ رَجْمٌ ، وَكَذَبُوا ؛ لِأَنَّ فِيهَا عَلَى مَنْ أَحْصَنَ الرَّجْمَ . 35122 - وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ، إِذَا ارْتَفَعُوا إِلَيْنَا مُتَحَاكِمِينَ ، رَاضِينَ بِحُكْمِنَا فِيهِمْ ، وَكَانَتْ شَرِيعَتُنَا مُوَافِقَةً فِي ذَلِكَ لِحُكْمِ شَرِيعَتِهِمْ ، جَازَ لَنَا أَنْ نَظْهَرَ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِهِمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الشَّرِيعَةُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ مُوَافِقَةً لِحُكْمِهِمْ ، حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْقُرْآنِ ، إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ، وَرَضُوا بِحُكْمِنَا ، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ، لَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَهُ ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 35123 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا ، فِي خُصُومَاتِهِمْ وَسَائِرِ مَظَالِمِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ ؛ هَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَرْضًا وَاجِبًا ؟ أَمْ نَحْنُ فِيهِ مُخَيَّرُونَ ؟ . 35124 - فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ : إِنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ يُخَيَّرُ ؛ إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ . 35125 - وَقَالُوا : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ ، لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ . قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . 35126 - وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ؛ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ . 35127 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ . 35128 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الْآيَةَ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنَى قُرَيْظَةَ ، وَهِيَ مُحْكَمَةٌ . 35129 - وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ قَالَ : إِنْ شَاءَ حَكَمَ ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَحْكُمْ . 35130 - وَرَوَى عِيسَى ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : إِنْ تَحَاكَمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَضِيَ الْخَصْمَانِ بِهِ جَمِيعًا ، فَلَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِرِضًى مِنْ أَسَاقِفَتِهِمْ ، فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ ، فَلَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضِيَ الْأَسَاقِفَةُ ، وَلَمْ يَرْضَ الْخَصْمَانِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . 35131 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَدَّ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي حُقُوقِهِمْ ، وَمُعَامَلَاتِهِمْ ، وَمَوَارِيثِهِمْ ، إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ ، فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُنَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . 3532 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْأَلُهُ عَنْ مُسْلِمٍ زَنَى بِنَصْرَانِيَّةٍ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَقِمِ الْحَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَرُدَّ النَّصْرَانِيَّةَ إِلَى أَهْلِ دِينِهَا . 35133 - وَقَالَ آخَرُونَ : وَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ نَاسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ . 35134 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَالْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 35135 - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ . 35136 - وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالسُّدِّيُّ . 35137 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . 35138 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 35139 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ قَالَ : إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ، وَإِنْ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا ، وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ ، لَمْ يَحْكُمْ . 35140 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : بَلْ يَحْكُمُ . 35141 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، إِذَا شَكَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، وَأَبَى صَاحِبُهُ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَيْنَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَحْكُمُ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ التَّظَالُمِ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . 35142 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا : إِلَّا أَنْ يَرْضَيَا جَمِيعًا بِحُكْمِهِ . 35143 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الذِّمِّيِّ يَسْرِقُ الذِّمِّيَّةَ ، وَيُرْفَعُ إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِالْقَطْعِ لِلسَّارِقِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحِرَابَةِ وَالْفَسَادِ ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ ، وَلَا عَلَى التَّلَصُّصِ . 35144 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ ، فِي أَحَدٍ مِنَ الْمُعَاهِدِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، إِذَا جَاءَهُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَهُمْ صَاغِرُونَ . 35145 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : لَا يُحَدُّونَ إِذَا جَاءُوا إِلَيْنَا فِي حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَرُدُّهُمُ الْحَاكِمُ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ . 35146 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَا كَانُوا يَدِينُونَ بِهِ ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِإِبْطَالِهِ ، إِذَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ، وَلَا يُكَفُّوا عَمَّا اسْتَحَلُّوا ، مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ مُعَاهِدٍ ، أَوْ مُسْتَأْمَنٍ . 35147 - قَالَ : وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعْدِي بِأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ، أَوْ آلَى مِنْهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ . 35148 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ - عِنْدِي - أَنْ لَا يُحْكَمَ بِنَسْخِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، إِلَّا بِمَا قَامَ بِهِ الدَّلِيلُ ، الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ مَعْنَاهَا أَنْ تَكُونَ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، إِنْ حَكَمْتَ ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ، فَتَكُونُ الْآيَتَانِ مُحْكَمَتَيْنِ ، مُسْتَعْمَلَتَيْنِ ، غَيْرَ مُتَدَافِعَتَيْنِ . 35149 - نَقِفُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِجْمَاعٍ لَا تَنَازُعَ فِيهِ ، أَوْ لِسُنَّةٍ لَا مَدْفَعَ لَهَا ، أَوْ يَكُونُ التَّدَافُعُ فِي الْآيَتَيْنِ غَيْرَ مُمْكِنٍ فِيهِمَا اسْتِعْمَالُهُمَا ، وَلَا اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا ، أَنْ لَا يَدْفَعَ الْأُخْرَى ، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لَهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 35150 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْيَهُودييْنِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، إِذَا زَنَيَا ، هَلْ يُحَدَّانِ إِذَا رَفَعَهُمَا حُكَّامُهُمْ إِلَيْنَا ، أَمْ لَا ؟ . 35151 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا زَنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ ، أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمُ الْإِمَامُ ، إِلَّا أَنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ فِي دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الضَّرَرَ ، فَيَمْنَعَهُمُ السُّلْطَانُ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ . 35152 - وَإِنَّمَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ - يَوْمَئِذٍ - ذِمَّةٌ ، وَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ . 35153 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يُحَدَّانِ إِذَا زَنَيَا ، كَحَدِّ الْمُسْلِمِ . 35154 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ؛ قَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا فَلَنَا أَنْ نَحْكُمَ أَوْ نَدَعَ ، فَإِنْ حَكَمْنَا حَدَدْنَا الْمُحْصَنَ بِالرَّجْمِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا ، وَجَلَدْنَا الْبِكْرَ مِائَةً ، وَغَرَّبْنَاهُ عَامًا . 35155 - وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ : لَا خِيَارَ لِلْإِمَامِ ، وَلَا لِلْحَاكِمِ ، إِذَا جَاءَهُ فِي حَدِّ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ ؛ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَالصَّغَارُ أَنْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ . 35156 - وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ ، وَاخْتَارَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ . 35157 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ ، حِينَ ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ : إِنَّمَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيَهُودِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ ، وَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ . 35158 - قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ؛ لَمَا أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 35159 - قَالَ : وَإِذَا كَانَ مَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ ، قَدْ حَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الزِّنَا ، فَمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَحْرَى بِذَلِكَ . 35160 - قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الذِّمِّيَّ يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ . 35161 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي حَدِّ الْإِحْصَانِ ، فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 35162 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ رَأَى آيَةَ التَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْسُوخَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، قَالُوا عَلَى الْإِمَامِ ، إِذَا عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْكَ . 35163 - قَالُوا : وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ . 35164 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَا ذَكَرُوا ، وَلَا يُثْبِتُ مَا ادَّعَوْا . 35165 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ تَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَأْتُوا إِلَّا مُتَحَاكِمِينَ إِلَيْهِ ، رَاضِينَ بِحُكْمِهِ ، وَهُمْ كَانُوا الَّذِينَ إِلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عِنْدَهُمْ ، وَدَعَوْهُ إِلَى الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، وَجَاءُوهُ بِالتَّوْرَاةِ إِذْ دَعَاهُمْ إِلَيْهَا . 35166 - وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَغَيْرِهِ وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِطُولِهِ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ . 35167 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، فِي هَذَا الْمَعْنَى ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ حَدَّثَنِي : يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : جَاءَتْ يَهُودُ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ مِنْهُمْ زَنَيَا ؛ فَقَالَ : ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ . فَأَتَوْهُ بِابْنَيْ صُورِيَا ، فَنَشَدَهُمَا كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَا : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ : إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، رُجِمَا . قَالَ : فَمَا مَنْعَكُمَا أَنْ تَرْجُمَاهُمَا ؟ . قَالَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا ، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّهُودِ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا ، كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجْمِهِمَا . 35168 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، وَلِذَلِكَ تَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 35169 - وَرَوَى شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً . 35170 - انْفَرَدَ بِهِ شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ . 35171 - وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ؛ وَإِنْ حَكَمْتَ بَيْنَهُمْ ، فَاحْكُمْ بِالْقِسْطِ ، يَعْنِي بِالرَّجْمِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ · ص 216 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 41 - كِتَاب الْحُدُودِ 1 - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ 1491 - حَدَّثَنَا مَالِك ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتْ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ ، وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ . قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي يَحْنِي يُكِبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 41 - كِتَابُ الْحُدُودِ جَمْعُ حَدٍّ ، وَهُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَمْنَعُ اخْتِلَاطَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ لِكَوْنِهِ مَانِعًا لِمُتَعَاطِيهِ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَهُ . 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ 1551 1491 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتِ الْيَهُودُ ) مِنْ خَيْبَرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنِ الطَّبَرِيِّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَسْعَدِ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ عَازُورَاءَ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ ( فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ ) لَمْ يَعْرِفِ الْحَافِظُ اسْمَهُ ، وَفُتِحَتْ أَنَّ لِسَدِّهَا مَسَدَّ الْمَفْعُولِ ( وَامْرَأَةً ) اسْمُهَا بُسْرَةُ ، بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ( زَنَيَا ) وَ مِنْهُمْ صِفَةُ رَجُلًا وَصِفَةُ امْرَأَةً مَحْذُوفَةٌ ، أَيْ مِنْهُمْ لِدَلَالَةِ السَّابِقِ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْهُمْ بِحَالٍ مِنْ ضَمِيرِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فِي زَنَيَا ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً زَنَيَا فِي حَالَةِ كَوْنِهِمَا مِنَ الْيَهُودِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ سَبَبَ مَجِيئِهِمْ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِمَّنْ يَتْبَعُ الْعِلْمَ ، وَكَانَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَقُلْنَا : فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ ، قَالَ : فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا ؟ ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ ) مَا مُبْتَدَأٌ مِنْ أَسْمَاءِ الِاسْتِفْهَامِ وَ تَجِدُونَ جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ ، وَالْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ مَعْمُولٌ لِلْقَوْلِ وَالتَّقْدِيرُ : أَيُّ شَيْءٍ تَجِدُونَهُ فِي التَّوْرَاةِ ؟ فَيَتَعَلَّقُ حَرْفُ الْجَرِّ بِمَفْعُولٍ ثَانٍ لِوَجَدَ ( فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ) أَيْ فِي حُكْمِهِ ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لِتَقْلِيدِهِمْ وَلَا مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِهِمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي كِتَابِهِمُ الْمُوَافِقِ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارًا لِمَا كَتَبُوهُ وَبَدَّلُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ ، فَأَرَادُوا تَعْطِيلَ نَصِّهَا فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ ، وَذَلِكَ إِمَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي التَّوْرَاةِ لَمْ يُغَيَّرْ ، وَإِمَّا بِإِخْبَارِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ( فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا فَاءٌ سَاكِنَةٌ ، مِنَ الْفَضِيحَةِ ، أَيْ نَكْشِفُ مَسَاوِيَهُمْ وَنُبَيِّنُهَا لِلنَّاسِ ( وَيُجْلَدُونَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ نَجِدُ أَنْ نَفْضَحَهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَهُوَ مَعْمُولٌ عَلَى الْحِكَايَةِ لِـ نَجِدُ الْمُقَدَّرَ ، أَيْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وهم كَاذِبُونَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا فَسَّرُوا بِهِ التَّوْرَاةَ ، يَكُونُ مَقْطُوعًا عَنِ الْجَوَابِ ، أَيِ الْحُكْمُ عِنْدَنَا أَنْ نَفْضَحَهُمْ وَيُجْلَدُونَ ، فَيَكُونُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ أَنْ ، وَإِنَّمَا بُنِيَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ لِلْفَاعِلِ وَالْآخَرُ لِلْمَفْعُولِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفَضِيحَةَ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِمْ وَإِلَى اجْتِهَادِهِمْ بِكَشْفِ مَسَاوِيهِمْ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، فَقَالُوا : نَسْخَمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا . وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ قَالُوا : نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا . ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) بِخِفَّةِ اللَّامِ ، الْإِسْرَائِيلِيُّ الْحَبْرُ ، مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ، حَلِيفُ الْخَزْرَجِ ، لَهُ أَحَادِيثٌ وَفَضْلٌ وَشَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ ( كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ ) عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ ، فَأَتَى بِهَا . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ قَالَ ، أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( فَأَتَوْا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ ( بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا ) أَيْ فَتَحُوهَا وَبَسَطُوهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ : يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ ( فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَاءَ الْيَهُودِيُّ الْأَعْوَرُ ( يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ ) عَنْهَا ( فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ ، وَ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُهُ : الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ إِذَا زَنَيَا وَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا . زَادَ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : فَإِنْ وَجَدُوا الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي ثَوْبِهَا أَوْ عَلَى بَطْنِهَا فَهِيَ رِيبَةٌ وَفِيهَا عُقُوبَةٌ . ( فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : وَلَكِنَّنَا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا . وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ قَالَ : قَالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالُوا : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ . زَادَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : نَجِدُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا ، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَقُلْنَا : تَعَالَوْا نَجْتَمِعُ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ جَابِرٍ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ( فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ عِنْدَ الْبَلَاطِ ، وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا عَنْ يَحْيَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِالْجِيمِ وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَجْنَأُ بِالْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ ، أَيْ يَمِيلُ ( عَلَى الْمَرْأَةِ ) وَالرُّؤْيَا بَصَرِيَّةٌ فَيَحْنِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهَا ( يَقِيهَا الْحِجَارَةَ ) أَيْ حِجَارَةَ الرَّمْيِ ، فَأَلْ عَهْدِيَّةٌ وَالْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنْ يَحْنِي أَوْ حَالٌ أُخْرَى . ( مَالِكٌ : مَعْنَى يَحْنِي يُكِبُّ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، أَيْ يَمِيلُ ( عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ ) دُونَهَا مِنْ حُبِّهِ لَهَا . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي حَرْفِ الْجِيمِ : يُقَالُ : أَجَنَى يَجْنِي إِجْنَاءً ، وَجَنَا عَلَى الشَّيْءِ يَجْنُو إِذَا أَكَبَّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَهْمُوزٌ ، وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزَةُ مِنْ : جَنَأَ إِذَا مَالَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ ثُمَّ خَفَّفَ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْجَنَأِ ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى عَلَيْهِ لَكَانَ أَشْبَهَ ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الَّذِي جَاءَ فِي السُّنَنِ يَجْنِي بِالْجِيمِ ، وَالْمَحْفُوظ بِالْحَاءِ ، أَيْ يُكِبُّ عَلَيْهَا ، يُقَالُ : حَنَا يَحْنُو حُنُوًّا ، وَمَرَّ أَنَّ أَبَا عُمَرَ صَوَّبَ رِوَايَةَ الْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا يُرْجَمُ كَافِرٌ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ تَنْفِيذًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ فِعْلٌ وَقَعَ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ عَيْنِيَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ كَافِرٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمُحَارِبِينَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَقَبْلَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ .