1598 حَدِيثُ خَامِسُ عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يَعْصِرُ مِنَ الْعِنَبِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَسَارَّهُ إِنْسَانٌ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ قَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا ، حَرَّمَ بَيْعَهَا ، قَالَ : فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا . ابْنُ وَعْلَةَ هَذَا اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ السَّبَئِيُّ ، أَصْلُهُ مِنْ مِصْرَ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَكَنَهَا ، وَهُوَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَعْدُودٌ ، وَكَانَ ثِقَةً مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، مَأْمُونًا عَلَى مَا رَوَى وَحَمَلَ ، رَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ ، وَأَبُو الْخَيْرِ الْيَزَنِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ، أَنَّهُ قَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ ثِقَةٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ مَا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، لَكِنَّ الِاسْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا ، إِلَّا أَنْ تُغلي وَتُرْمي بِالزُّبْدِ ، وَيُسْكِرَ كَثِيرُهَا ، أَوْ قَلِيلُهَا . وَفِي اللُّغَةِ : قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ خَمْرًا ، لَكِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ . وَفِيهِ : أَنَّ النَّهْيَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِذَا وَرَدَ ، فَحُكْمُهُ التَّحْرِيمُ ، إِلَّا أَنْ يُزِيحَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا ، حَرَّمَ بَيْعَهَا ، فَأَطْلَقَ عَنِ اللَّهِ تَحْرِيمَهَا . وَلَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ تَحْرِيمَهَا إِنَّمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِلَفْظِ النَّهْي فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إِلَى : فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِلَى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْ كُلَّ لَفْظٍ وَرَدَ بِإِبَاحَتِهَا ، نَصًّا أَوْ دَلِيلًا ، فَنَسَخَتْ مَا جَرَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَسُورَةِ النِّسَاءِ ، وَسُورَةِ النَّحْلِ . وَأَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ خَمْرَ الْعِنَبِ حَرَامٌ فِي عَيْنِهَا قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي بَابَ الْأَلِفِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُهَا . وَفِي سِيَاقَةِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْ تَحْرِيمِهِ فَحَلَالٌ ، وَأَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَرِدَ الْمَنْعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَهْدِيَّ لِرَاوِيَةِ الْخَمْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، إِنَّمَا أَهْدَاهَا اعْتِقَادًا مِنْهُ لِلْإِبَاحَةِ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِشُرْبِهَا ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ، وَأنَّ مَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَسَكَتَ ، فَدَاخِلٌ فِي بَابِ الْإِبَاحَةِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، حَيْثُ قَالَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ حَتَّى يُؤْمَرُوا أَوْ يُنْهَوْا . وَسُؤَالُ الصَّحَابَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَمْرِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا كَانَ لِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ مِنَ الشَّرِّ وَالسَّفَهِ ، عِنْدَ شُرْبِهَا عَلَى مَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي الْآثَارِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الْآيَةَ . وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ ، أَوْ شُرْبُهُ ، مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَا يَحِلُّ ثَمَنُهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَيْثُ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا - حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ ، فَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ . وَقَدِ احْتَجَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمِثْلِ هَذَا حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ ، أَوَمَا عَلِمَ ، أَوْ مَا سَمِعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا ، فَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةَ ، وَالْخِنْزِيرَ ، وَالْأَصْنَامَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا ، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ . وَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الدَّمِ ، وَالْخَمْرِ . وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْعَذِرَاتِ ، وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ; وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ زِبْلِ الدَّوَابِّ ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ . وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ لِصِحَّةِ ذَلِكَ ، فَلَمْ أَرَ وَجْهًا لِذِكْرِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي بَيْعِ السِّرْجِينِ ، وَالزِّبْلِ ، هَا هُنَا ، لِأَنَّ كُلَّ قَوْلٍ تُعَارِضُهُ السُّنَّةُ وَتَدْفَعُهُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِهَا ، لَا وَجْهَ لَهُ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : إِنَّ لَنَا كُرُومًا ، فَكَيْفَ تَرَى فِي بَيْعِ الْخَمْرِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ دَوْسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَهْدَيْتُ لَكَ هَدِيَّةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : رَاوِيَةُ خَمْرٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : شَعَرْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الْخَمْرَ بَعْدَكَ ؟ فَأَمَرَ الدَّوْسِيُّ بِهَا غُلَامَهُ يَبِيعَهَا ، فَلَمَّا وَلَّى بِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَاذَا أَمَرْتَ بِهَا ؟ قَالَ : أَمَرْتُ بِبَيْعِهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : شَعَرْتُ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَمَّنْ لَمْ يَعْلَمِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَمَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ ، أَثِمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَخْلِيلَهَا ، وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ تَخْلِيلَهَا مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَدَعَ الرَّجُلَ أَنْ يَفْتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا ، لِأَنَّ الْخَلَّ مَالٌ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُخَلِّلَهَا ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْصَحُ النَّاسَ لِلنَّاسِ ، وَأَدَلُّهُمْ عَلَى قَلِيلِ الْخَيْرِ وَكَثِيرِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَّ سَحْنُونَ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ : فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُخَلِّلَ الْخَمْرَ ، وَلَكِنْ يُهْرِيقُهَا ، فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِغَيْرِ عِلَاجٍ ، فَهُوَ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا خَلَّلَ النَّصْرَانِيُّ خَمْرًا ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَلَّلَهَا مُسْلِمٌ ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي كِتَابِهِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنِ اشْتَرَى قِلَالَ خَلٍّ ، فَوَجَدَ فِيهَا قُلَّةَ خَمْرٍ ; قَالَ : لَا يُجْعَلُ فِيهَا شَيْءٌ يُخَلِّلُهَا ، قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَالِجَ الْخَمْرَ حَتَّى يَجْعَلَهَا خَلًّا ، وَلَا يَبِيعَهَا ، وَلَكِنْ لِيُهْرِقْهَا ، فَإِنْ فَاتَ عِلَاجُهَا بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ خمرا من غيْرَ عِلَاجٍ ، فَإِنَّهَا حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِتَخْلِيلِ الْخَمْرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ طَرَحَ فِيهَا السَمَكَ وَالْمِلْحَ ، فَصَارَتْ مَرْيًا ، وَتَحَوَّلَتْ عَنْ حَالِ الْخَمْرِ جَازَ . وَخَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمَرْيِ ، وَقَالَ : لَا يُعَالَجُ الْخَمْرُ بِغَيْرِ تَحْوِيلِهَا إِلَى الْخَلِّ وَحْدَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصَّحِيحُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ ، وَكَانَ عِنْدَهُ خَمْرٌ لَهُ حِينَ حُرِّمَتْ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! نَصْنَعُهَا خَلًّا ؟ قَالَ : لَا ، فَصَبَّهَا حَتَّى سَالَ الْوَادِي . وَروى مُجَالِدٌ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ عِنْدِي خَمْرٌ لِأَيْتَامٍ ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُهْرِيقَهَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا ، قَالَ : أَهْرِقْهَا . قَالَ : أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو هُبَيْرَةَ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ثِقَةٌ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا ؟ قَالَ : لَا . وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ بَعْدَ قَتْلِ أَبِي السَّرَايَا بِأَشْهُرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَالِدُ ابْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقُلْنَا : إِنَّهُ لِيَتِيمٍ ، فَقَالَ : أَهْرِيقُوهَا . وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ ، وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : كَانَ عِنْدِي مَالُ يَتِيمٍ ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ خَمْرًا ، فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَبِيعَهَا ، فَأَرُدُّ عَلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا . وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْعِ الْخَمْرِ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : أَهْدَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ ضَحِكَ ، وَقَالَ : هَلْ شَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَفَلَا أَبِيعُهَا ، وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - انْطَلَقُوا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ شُحُومِ الْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ ، فَأَذَابُوهُ ، وَجَعَلُوهُ إِهَالَةً ، فَابْتَاعُوا بِهِ مَا يَأْكُلُونَ ، وَإِنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ ، وَثَمَنُهَا حَرَامٌ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطِيعٌ الْغَزَّالُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَا تَحِلُّ التِّجَارَةُ فِي شَيْءٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُطِيعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ ، فَذَكَرَهُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَرِثَ خَمْرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَصَارَتْ بِيَدِهِ ، أَهْرَقَهَا ، وَلَمْ يَحْبِسْهَا ، وَلَا خَلَّلَهَا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : يُخَلِّلُهَا . فَأَمَّا إِذَا تَخَلَّلَتْ مِنْ ذَاتِهَا بِغَيْرِ صُنْعٍ آدَمِيٍّ ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهَا عَنْ عُمَرَ مَا تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ; عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ إِسْحَاقَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَاحْتَجَّ الْعِرَاقِيُّونَ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ بِأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ : أَنَّهُ يُأْكَلُ الْمَرِيُ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ الْخَمْرُ ، وَيَقُولُ دَبَغَتْهُ الْخَلُّ وَالْمِلْحُ ، وَهَذَا وَمِثْلُهُ لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ مُجَوَّدًا فِي بَابِ إِسْحَاقَ ، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ تَكْرِيرِهِ هَا هُنَا . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَا خَيْرَ فِي خَلٍّ مِنْ خَمْرٍ أَفْسَدَتْ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي أَفْسَدَهَا . قَالَ : وَحَدِيثُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَا تُؤكَلُ خَمْرٌ أُفْسِدَتْ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَوَلَّى إِفْسَادَهَا . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي ، أَنَّ تَاجِرًا اشْتَرَى خَمْرًا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهَا فِي دِجْلَةَ ، فَقَالُوا : أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يَجْعَلَهَا خَلًّا ؟ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي ، يُخَالِفَانِ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ ; وَلَيْسَ فِي أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ السُّنَّةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْ تَخْلِيلِهَا كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عِنْدَ نُزُولِ تَحْرِيمهَا ، لِئَلَّا يُسْتَدَامَ حَبْسُهَا بِقُرْبِ الْعَهْدِ بِشُرْبِهَا ، إِرَادَةً لِقَطْعِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِهَا حِينَئِذٍ ، وَالْأَمْرُ بِإِرَاقَتِهَا مَا يَمْنَعُ مِنْ أَكْلِهَا إِذَا تَخَلَّلَتْ ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ خَمْرٍ تَخَلَّلَتْ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا · ص 140 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في شرب وتحريم الخمر · ص 310 1598 ( 5 ) بَابُ جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1575 - مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ ، حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا . 36514 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَخْلِيلُهَا ، وَلَوْ جَازَ لِمُسْلِمٍ تَخْلِيلُهَا ، مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ الرَّجُلَ يَفْتَحُ مِنْ أُذُنَيْهِ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مَالٌ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ . 36515 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ ؛ 36516 - فَقَالَ مَالِكٌ ، فِي مَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ : لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُخَلِّلَ الْخَمْرَ ، وَلَكِنْ يُهْرِيقُهَا ، فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِغَيْرِ عِلَاجٍ فَهِيَ حَلَالٌ ، لَا بَأْسَ بِهَا . 36517 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 36518 - وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا خَلَّلَ النَّصْرَانِيُّ خَمْرًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَّلَهَا مُسْلِمٌ ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ - تَعَالَى . 36519 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَهِيَ رِوَايَةُ سُوءٍ ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ . 36520 - وَالَّذِي يَصِحُّ فِي تَخْلِيلِ الْخَمْرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى خَلًّا ، فَوَجَدَ فِيهَا قُلَّةَ خَمْرٍ ، قَالَ : لَا يَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا لِيُخَلِّلَهَا . 36521 - قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُعَالِجَ الْخَمْرَ حَتَّى يَجْعَلَهُ خَلًّا ، وَلَكِنْ يُهْرِقُهَا ، فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا - مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ - فَإِنَّهَا حَلَالٌ ، لَا بَأْسَ بِهَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 36522 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَهَ . 36523 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَا تَأْكُلْ خَمْرًا فَسَدَتْ ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَوَلَّى إِفْسَادَهَا . 36524 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَا خَيْرَ فِي خَلٍّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُفْسِدُهَا . 36525 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَخْلِيلَهَا ، وَأَنْ يُصْنَعَ مِنْهَا مُرِّيٌّ . 36526 - وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رِوَايَةٌ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ . 36527 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا تُعَالَجُ الْخَمْرُ بِغَيْرِ تَحْوِيلِهَا إِلَى الْخَلِّ . 36528 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَخْلِيلُ الْخَمْرِ ، وَلَا تُؤْكَلْ إِنْ خَلَّلَهَا أَحَدٌ ، وَلَكِنْ إِنْ عَادَتْ خَلًّا بِغَيْرِ صُنْعِ آدَمِيٍّ ، فَحَلَالٌ أَكْلُهَا . 36529 - وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ؛ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا ، قَالَ : لَا . 36530 - هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ قَاسِمٍ . 36531 - وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا ، قَالَ : أَهْرِقْهَا ، قَالَ : أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا ؟ قَالَ : لَا . 36532 - وَرَوَى مُجَالِدٌ ، عَنِ الْوَدَّاكِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ عِنْدِي خَمْرٌ لِأَيْتَامٍ ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُهْرِقَهَا . 36533 - وَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي الْعَاصِ ، أَنَّ تَاجِرًا اشْتَرَى مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّهَا فِي دِجْلَةَ ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ : اجْعَلْهَا خَلًّا . 36534 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ مُسْلِمٍ عَلَى خَمْرٍ ، وَلَا يَثْبُتُ له عَلَيْهَا مِلْكٌ بِحَالٍ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ سَاعَةً مِلْكُ الْخِنْزِيرِ ، وَلَا دَمٍ ، وَلَا صَنَمٍ ، فَكَيْفَ يُحَلِّلُهَا ؟ . 36535 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ ، فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا ، حَرَّمَ بَيْعَهَا . 36536 - وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً عَنْ كَافَّةٍ ؛ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَيْعُ الْخَمْرِ ، وَلَا التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ . 36537 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمَّعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمِيتَةِ ، وَالْأَصْنَامِ . 36538 - قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَثَمَنَهَا ، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وثمنها ، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ ، وَثَمَنَهُ . 36539 - وَرَوَى هُشَيْمٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ كِلَاهُمَا قَالَا : حَدَّثَنِي مُطِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : لَا تَحِلُّ التِّجَارَةُ فِي شَيْءٍ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ . 36540 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ دُونَ الْحَيَوَانِ ؛ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فِي الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ ، أَنَّهُ يَحِلُّ بَيْعُهُ ؛ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ . 36541 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَهْدِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ كُلَّ سَنَةٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي حُرِّمَتْ ، جَاءَ بِرَاوِيَةٍ مِنْهَا ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ وَقَالَ : هَلْ شَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَهَا وَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ انْطَلَقُوا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ شُحُومِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ؛ فَأَذَابُوهُ وَجَعَلُوهُ إِهَالَةً ، فَابْتَاعُوا بِهِ مَا يَأْكُلُونَ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْخَمْرُ حَرَامٌ ، وَثَمَنُهَا حَرَامٌ . 36542 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : لِمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَ عِنْدِي مَالٌ لِيَتِيمٍ ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ خَمْرًا ، أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَبِيعَهَا ، فَأَرُدَّ عَلَى الْيَتِيمِ مَالَهُ ؟ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ · ص 272 5 - باب جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1540 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا . 5 - بَابُ جَامِعِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ 1598 1540 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ( عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( الْمِصْرِيِّ ) التَّابِعِيِّ الصَّدُوقِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَإيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ( أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْدَى رَجُلٌ ) هُوَ كَيْسَانُ الثَّقَفِيُّ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِهِ ( لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ) أَيْ مَزَادَةً وَأَصْلُ الرَّاوِيَةِ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ الْمَاءَ ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، ثُمَّ أُطْلِقَتِ الرَّاوِيَةُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ ثُمَّ عَلَى الْمَزَادَةِ ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ كَيْسَانَ : أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْخَمْرِ وَأَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُكَ بِشَرَابٍ جَيِّدٍ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ أَوْ دَوْسٍ فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا ) بِالْفَتْحِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ وَلِابْنِ وَهْبٍ هَلْ ( عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ) بِآيَةِ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إِلَى فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 90 ) ( قَالَ : لَا ) أَيْ لَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ ( فَسَارَّهُ ) بِالتَّثْقِيلِ ( رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ : بِعْهَا . وَلِابْنِ وَهْبٍ : فَسَارَّ إِنْسَانًا ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ ) بِأَيِّ شَيْءٍ كَلَّمْتَهُ سِرًّا ؟ أَيْ خُفْيَةً ( قَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ) لِيَنْتَفِعَ بِحَقِّهَا ( فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ ) اللَّهَ ( الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ) لِأَنَّهُ قَالَ : رِجْسٌ أَيْ نَجَسٌ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى شُرْبِهَا . وَفِي حَدِيثِ كَيْسَانَ قَالَ : إِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ ثَمَنُهَا . ( فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ ، تَثْنِيَةُ مَزَادَةِ الْقِرْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّدُ فِيهَا الْمَاءُ ( حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا ) مِنَ الْخَمْرِ . فَفِيهِ وُجُوبُ إِرَاقَتِهِ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ ، وَقِيلَ : سَنَةَ ثَمَانٍ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ الظَّاهِرُ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الرَّجُلَ الْمُهْدِي رَاوِيَةَ الْخَمْرِ لَقِيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِ أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَتِهِ فَقَالَ : أَشَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ ؟ قَالَ : أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِحَقِّهَا ؟ فَنَهَاهُ ، فَفِي هَذَا تَأْيِيدُ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّ إِسْلَامَ تَمِيمٍ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ . وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً ، فَنَزَلَتْ : قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 219 ) فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 43 ) فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( سورة الْمَائِدَةِ الْآيَةُ 91 ) قَالَ عُمَرُ : انْتَهَيْنَا . صَحَّحَهُ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . انْتَهَى . وَبِحَدِيثِ عُمَرَ قَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِاحْتِمَالِ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ كَانَتْ فِي سَنَةٍ مِنْهَا . وَزَعَمَ مُغَلْطَايُ أَنَّهَا حُرِّمَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ . وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ عَقِبَ قَوْلِ حَمْزَةَ : إِنَّمَا أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِأَبِي يَعْنِي : سَنَةَ اثْنَيْنِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ : اصْطَبَحَ الْخَمْرَ نَاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ . ثُمَّ احْذَرْ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْدَاءِ الرَّاوِيَةِ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَشْرَبَ بَلْ يُهْدِيهَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَبْلِ النُّبُوَّةِ عَمَّا يُخَالِفُ شَرْعَهُ ، وَهُوَ لَمْ يَشْرَبِ الْخَمْرَ الْمُحْضَرَ مِنَ الْجَنَّةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْبَيْعِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي وَعْلَةَ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا .