( 22 ) بَابُ الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ 1625 - مَالِكٌ ، أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ ، إِذَا قَتَلَ عَمْدًا : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَأَنَّهُ أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ . 38144 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْمَقْتُولَ يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْ دَمِهِ الْعَمْدِ ، وَإِنْ قُتِلَ خَطَأً ، جَازَ لَهُ الْعَفْوُ عَنِ الدِّيَةِ فِي ثُلُثِهِ ، إِنْ حَمَلَهَا الثُّلُثَ ، وَإِلَّا فَمَا حَمَلَ مِنْهَا الثُّلُثَ ، وَأَنَّ دِيَتَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ ، يُورَثُ عَنْهُ ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ عَمْدًا أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ ، مَا دَامَ حَيًّا فِي الْعَفْوِ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 38145 - وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ لِلْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ دَمِهِ ، وَيَجُوزَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَوَرَثَتِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَطَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ . 38146 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 38147 - وَقَالَ بِالْعِرَاقِ : عَفْوُهُ بَاطِلٌ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ السُّلْطَانَ لِوَلِيِّهِ ، فَلَهُ الْعَفُوُّ وَالْقِصَاصُ إِنْ شَاءَ ، أَوِ الدِّيَةُ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَوْتِهِ . 38148 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 38149 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، ذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ، فَيَعْفُو عَنْ قَاتِلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ عَفْوُهُ ، وَذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهِ . 38150 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ ، وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعِرَاقِ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَقُومُ إِلَّا بِمَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ الْقِيَامُ بِهِ ، وَلَوْلَا اسْتِحْقَاقُ الْمَقْتُولِ بِدَمِ نَفْسِهِ ، مَا كَانَ لِوَلِيِّهِ الْقِيَامُ فِيهِ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ . 38151 - وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ هَاهُنَا هُوَ الْمَقْتُولُ يَتَصَدَّقُ بِدَمِهِ عَلَى قَاتِلِهِ ، أَيْ يَعْفُو عَنْهُ . 38152 - وَاخْتَلَفُوا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : كَفَّارَةٌ لَهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَفَّارَةٌ لِلْمَقْتُولِ . 38153 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَفَّارَةٌ لِلْقَاتِلِ . 38154 - وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : مَنِ اسْتُقِيدَ مِنْهُ ، أَوْ عُفِيَ عَنْهُ ، أَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ . 38155 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ ، أَوْ دُونَهُ ، كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ " . 38156 - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسٍ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَايِعُونِي . . " فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْآيَةَ ، قَالَ " فَمَنْ عَفَا مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَعُوقِبَ بِهِ ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ " . 38157 - وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : " الْعَفْوُ كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ وَالْمَجْرُوحِ " . 38158 - قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ يُقَالُ : إِنْ قُتِلَ فَهِيَ تَوْبَتُهُ ، وَإِنْ أَعْطَى الدِّيَةَ ، فَهِيَ تَوْبَتُهُ ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ ، فَهِيَ تَوْبَتُهُ ، فِي الرَّجُلِ عَمْدًا . 38159 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَفِرْقَةٍ . 38160 - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ ، وَعَنْ زَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ . 38161 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنِ السَّلَفِ الَّذِينَ قَالَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ ، فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ ، فَمَاتَ ، فَعَفَا عَنْهُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ عَفْوَهُ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هُوَ كَصَاحِبِ يَاسِينَ " . 38162 - وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي الَّذِي يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا ، ثُمَّ يَعْفُو قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ، قَالَ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ . 38163 - وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : إِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِدَمِهِ ، فَهُوَ جَائِزٌ ، قُلْتُ : فِي الثُّلُثِ ؟ قَالَ : بَلْ فِي مَالِهِ كُلِّهِ . 38164 - وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ طَاوُسٍ : مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِدَمِهِ عَلَى قَاتِلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ؟ قَالَ : كَانَ يَقُولُ هُوَ جَائِزٌ ، قُلْتُ : خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا ؟ قَالَ : خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا . 38165 - قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَفْوِ عَنِ الْجِرَاحَاتِ ، وَمَا يَؤولُ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْهَا . 38166 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا عَفَا عَنِ الْجِرَاحَةِ فَقَطْ ، كَانَ لِأَوْلِيَائِهِ الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ ، وَلَوْ قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْجِرَاحَةِ وَمَا تَؤولُ إِلَيْهِ ، أَوْ قَالَ : إِنْ مِتُّ مِنْهَا ، فَقَدْ عَفَوْتُ . صَحَّ عَفْوُهُ وَلَمْ يُتْبَعِ الْجَانِي بِشَيْءٍ . 38167 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ . 38168 - قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا عَفَا عَنِ الْجِرَاحَةِ ، وَمَاتَ ، فَلَا حَقَّ لَهُ ، وَالْعَفْوُ عَلَى الْجِرَاحَةِ عَفْوٌ لِمَا يَؤولُ إِلَيْهِ أَمْرُهَا . 38169 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا عَفَا عَنِ الْجِرَاحَةِ ، وَمَاتَ ، لَمْ يُقْتَلْ ، وَيُؤْخَذُ بِمَا فَضَلَ مِنَ الدِّيَةِ . 38170 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، كان الْجِرَاحَةَ كَانَتْ مُوضِحَةً ، فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ عَنْهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ ، وَالْآخَرُ عَفْوُهُ بَاطِلٌ ، وَذَلِكَ إِلَى الْوَلِيِّ . 38171 - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ . 38172 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ، فَعَفَا ، ثُمَّ مَاتَ بَطَلَ الْعَفْوُ ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ . 38173 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ : إِذَا قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْجِرَاحَةِ ، وَعَنْ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا مِنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوَدِ ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، فَقَالَ : فِيهَا قَوْلَانِ ؛ 38174 - أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَفْوَهُ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَاقِي مِنَ الدِّيَةِ . 38175 - وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ ، لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا ، وَهَذَا قَاتِلٌ ، لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ بِحَالٍ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي عفو المقتول عن قاتله إذا أوصى بذلك قبل موته · ص 270 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي عفو المقتول عن قاتله إذا أوصى بذلك قبل موته · ص 278 38176 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ ، وَيَجِبَ لَهُ : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ يَلْزَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ . 38177 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَا دِيَةَ عِنْدَهُمْ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، إِلَّا بِاشْتِرَاطِهَا وَالصُّلْحِ عَلَيْهَا . 38178 - وَمِثْلُ هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ . 38179 - وَأَمَّا رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ ، فَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ، لَمْ تُوجَبْ لَهُ الدِّيَةُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ لَهَا ، وَاشْتِرَاطِهِ إِيَّاهَا . 38180 - وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ، أَنَّهُ مَنْ عَفَا ، فَلَهُ الدِّيَةُ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ : عَفَوْتُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ . 38181 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَجَمَاعَةٍ قَبْلَهُ . 38182 - وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَوْجَبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ إِذَا عَفَا الْوَلِيُّ ، لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ وَلَوْ كَانَ لِلْعَاقِلِ إِذَا عَفَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ مَا يُتْبِعُهُ بِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا عَلَى الْقَاتِلِ مَا يُؤَدِّيهِ بِإِحْسَانٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي عفو المقتول عن قاتله إذا أوصى بذلك قبل موته · ص 278 38183 - قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا إِذَا عُفِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً . 38184 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَطَائِفَةٌ ، قَالُوا : لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ عَلَى مَنْ عُفِيَ عَنْهُ جَلْدًا ، وَلَا عُقُوبَةً . 38185 - قَالَ عَطَاءٌ : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا . 38186 - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . 38187 - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ ، فَيُؤَدِّبُهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَرْدَعُهُ . 38188 - وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ . 38189 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وُجُوهٍ ، أَنَّهُ ضَرَبَ حُرًّا قَتَلَ عَبْدًا مِائَةً ، وَنَفَاهُ عَامًا . 38190 - وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّ الَّذِي يَقْتُلَ عَمْدًا ، وَيُعْفَى عَنْهُ ، يُسْجَنُ سَنَةً ، وَيُضْرَبُ مِائَةً . 38191 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَا قَوَدَ بَيْنَ الْحُرِّ وَبَيْنَ الْمَمْلُوكِ ، وَلَكِنَّ الْعُقُوبَةَ وَالنَّكَالَ بِالْجَلْدِ الْوَجِيعِ ، وَالسَّجْنِ ، وَغُرْمِ مَا أَصَابَ ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً ، وَيُغَرَّبُ سَنَةً . 38192 - وَقَدْ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ ، صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارفي عفو المقتول عن قاتله إذا أوصى بذلك قبل موته · ص 280 38193 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا وَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ، فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ ، فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ ، وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ . 38194 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ عَفْوُ الْعَصَبَةِ عَنِ الدَّمِ ، وَيَبْطُلُ حَقُّ الْبَنَاتِ . 38195 - قَالَ : وَلَا عَفْوَ لِلنِّسَاءِ ، وَلَا قَسَامَةَ لَهُنَّ ، يَعْنِي فِي الْعَمْدِ . 38196 - قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . 38197 - وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ لِلْبَنَاتِ ، وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مِنَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ ، إِنَّمَا هُوَ لِلرِّجَالِ الْبَنِينَ ، وَالْإِخْوَةِ ، وَيَجُوزُ عَفْوُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ عَفْوُ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ . 38198 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ لِلْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ عَفْوٌ مِنَ الْقِصَاصِ ، قَالَ : فَإِنْ عَفَا الرَّجُلُ ، عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ، فَالدِّيَةُ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ . 38199 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ عَفْوَ النِّسَاءِ جَائِزٌ . 38200 - وَالْأَوَّلُ تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِمْ . 38201 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبُهُ مِنَ الْقِصَاصِ ، وَيَجُوزُ عَفْوُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ فِي إِبْطَالِ حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ . 38202 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْقِصَاصُ لِكُلِّ وَارِثٍ ، إِلَّا الزَّوْجَ ، وَالزَّوْجَةَ . 38203 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمَّا لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ مَوْرُوثٌ كَالْمَالِ ، كَانَ كُلُّ وَارِثٍ وَلِيًّا فِي ذَلِكَ ، زَوْجَةً كَانَتْ أَوِ ابْنَةً ، أَوْ أُخْتًا ، وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنْ وِلَايَةِ الدَّمِ ، وَلَا يُقْتَلُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ ، وَحَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ مِنْهُمْ ، وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ ، وَأَيُّهُمْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ ، كَانَ عَلَى حَقِّهِ مِنَ الدِّيَةِ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، كَانَ الْبَاقُونَ عَلَى حِصَصِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ . 38204 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ عَفَا مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ عَنِ الْقِصَاصِ ، مِنْ رَجُلٍ ، أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ زَوْجَةٍ ، أَوْ أُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٍ ، أَوْ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ ، أَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ امْرَأَةً فَعَفَا زَوْجُهَا عَنِ الْقَاتِلِ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقِصَاصِ ، وَلِمَنْ سِوَى الْعَافِي مِنَ الْوَرَثَةِ حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ . 38205 - وَقَالَ أَحْمَدُ : وَمَنْ عَفَا مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ عَنِ الْقِصَاصِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَى الْقِصَاصِ سَبِيلٌ ، وَإِنْ كَانَ الْعَافِي زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً . 38206 - وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، مَا يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ ، خِلَافَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُ . 38207 - حَكَى الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقَتِيلِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى قَاتِلِهِ ، هَلْ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي يَرِثْنَهُ عَفْوٌ إِنْ أَرَادَ الرِّجَالُ قَتْلَهُ : قَالَ : الْأَخْذُ بِالْقَوَدِ وَالْعَفْوِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ . 38208 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، فَقَتَلَهُمَا أَوْ قَتَلَهَا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَفَا بَعْضُ إِخْوَةِ الْمَرْأَةِ ، فَأَعْطَى عُمْرُ لِمَنْ لَمْ يَعْفُ مِنْهُمُ الدِّيَةَ .
شرح الزرقاني على الموطأباب الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ · ص 324 22 - باب الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ إِذَا قَتَلَ عَمْدًا : إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَجِبَ لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ ، اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا إِذَا عُفِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً . قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا وَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ، فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ ، وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ . 22 - بَابُ الْعَفْوِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ أَدْرَكَ مَنْ يَرْضَى ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ أَيْ من يرضى هُوَ وَغَيْرُهُ ( مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ) جَمْعٌ عَلَى مَعْنَى مِنْ ( فِي الرَّجُلِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاتِلِهِ إِذَا قَتَلَ عَمْدًا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّهُ أَوْلَى ) أَحَقُّ ( بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ ) وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ . ( مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَعْفُو عَنْ قَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ وَيَجِبَ ) يَثْبُتَ ( لَهُ ) بِإِنْفَاذِ مَقْتَلِهِ ( أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ عَقْلٌ ) دِيَةٌ ( يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَفَا عَنْهُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ ) فَيَلْزَمُهُ ( وَالْقَاتِلُ عَمْدًا إِذَا عُفِيَ عَنْهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً ) كَامِلَةً . ( وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَمْدًا أَوْ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ وَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَعَفَا الْبَنُونَ وَأَبَى الْبَنَاتُ أَنْ يَعْفُونَ فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ ) . مَاضٍ ( عَلَى الْبَنَاتِ وَلَا أَمْرَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ ) إِنَّمَا الْأَمْرُ لِلْبَنِينَ .