1631 حَدِيثٌ حَادٍ وَعِشْرُونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ ، فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَبِّرْ كَبِّرْ ، فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ، فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ ، وَلَمْ نَحْضُرْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ قَالَ يَحْيَى : فَزَعَمَ بَشِيرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ مَعَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ جَمِيعًا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّهُمْ يَجْعَلُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مُسْنَدًا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَعْنَى قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، وَأَنْبَأَ عَمَّيْهِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَكَلَّمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْكُبْرَ الْكُبْرَ ، قَالَ : لِيَبْدَأِ الْأَكْبَرُ ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ ، قَالُوا : أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ ؟ قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كَفَّارٌ ، قَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِهِ . قَالَ : قَالَ سَهْلٌ : دَخَلْتُ مِرْبَدَ التَّمْرِ ، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا هَذَا أَوْ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ يَحْيَى ، فَقَالَا فِيهِ : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ بَشِيرٌ دَمَ ، وَقَالَ عَبْدَةُ : عَنْ يَحْيَى كَمَا قَالَ حَمَّادٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَعْيِينِ رَجُلٍ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِرُمَّتِهِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ، ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ . وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، فَلِأَنَّ الْوَاحِدَ أَقَلُّ مَنْ يُسْتَيْقَنُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ بِالْقَسَامَةِ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى ، فَبَدَأَ بِقَوْلِهِ : تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا تَحْلِفُونَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْقَاقَ - هَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ عِنْدَنَا مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ على غير مَا ذَكَرَهُ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ : وُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ قَتِيلًا فِي فَقِيرٍ أَوْ قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ خَيْبَرَ ، فَأَتَى أَخُوهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَعَمَّاهُ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْكُبْرَ الْكُبْرَ ، فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ ، فَذَكَرَ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا ، وَإِنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ كُفْرٍ وَغَدْرٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ أَوْ دَمَ صَاحِبِكُمْ ؟ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَحْلِفُ عَلَى مَا لَمْ نَحْضُرْ ، وَلَمْ نَشْهَدْ ؟ قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، قَالُوا : كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ ، قَالَ سَهْلٌ : فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي بَكْرَةٌ مِنْهَا . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . قَالَ يَحْيَى : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُمَا قَالَا : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقًا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ ، ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ قَتِيلًا ، فَدَفَنَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : - كَبِّرْ - لِلْكِبَرِ فِي السِّنِّ ، فَصَمَتَ ، وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُمَا ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ أَوْ قَتِيلَكُمْ ؟ فَقَالُوا : وَكَيْفَ نَحْلِفُ ، وَلَمْ نَشْهَدْ : قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، قَالُوا : وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى عَقْلَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : وُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ قَتِيلًا ، فَجَاءَ أَخُوهُ وَعَمَّاهُ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : فَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي - أَيْضًا - بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَيْهَا فِي أَصْحَابٍ لَهُ يَمْتَارُ مِنْهَا تَمْرًا ، فَوُجِدَ فِي عَيْنٍ قَدْ كُسِرَتْ عُنُقُهُ ، ثُمَّ طُرِحَ فِيهَا ، فَأَخَذُوهُ فَغَيَّبُوهُ ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ شَأْنَهُ ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَمَعَهُ ابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا ، وَكَانَ صَاحِبَ الدَّمِ ، وَكَانَ ذَا قَدَمٍ فِي الْقَوْمِ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ قَبْلَ ابْنَيْ عَمِّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْكُبْرَ الْكُبْرَ - فَسَكَتَ ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ هُوَ بَعْدُ ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَ صَاحِبِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ، ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ عَلَى مَا لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، ثُمَّ يُبَرَّءونَ مِنْ دَمِهِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ يَهُودَ ، مَا فِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إِثْمٍ ، قَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ ، قَالَ سَهْلٌ : فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى بَكْرَةً مِنْهَا حَمْرَاءَ ضَرَبَتْنِي ، وَأَنَا أَحُوزُهَا . فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ إِثْبَاتُ تَبْدِئَةِ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ ، وَهُوَ أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ . ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ أَوْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ . وَذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ قَالَ يُونُسُ : عَنْ رَجُلٍ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ رِجَالٍ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ : كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَضَى بِهَا فِي الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي وُجِدَ مَقْتُولًا فِي جُبِّ الْيَهُودِ بِخَيْبَرَ . وَفِيهِ : أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الدَّعْوَى وَغَيْرِهَا ، كَانَ أَوْلَاهُمْ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْكَلَامِ أَكْبَرُهُمْ ; فَإِذَا سُمِعَ مِنْهُ تَكَلَّمَ الْأَصْغَرُ ، فَيُسْمَعُ مِنْهُ - أَيْضًا - إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا أَدَبٌ وَعِلْمٌ ، فَإِنْ كَانَ فِي الشُّرَكَاءِ فِي الْقَوْلِ وَالدَّعْوَى مَنْ لَهُ بَيَانٌ ، وَلِتَقْدِمَتِهِ فِي الْقَوْلِ وَجْهٌ ، لَمْ يَكُنْ بِتَقْدِيمِهِ بَأْسٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ ، عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : قَدِمَ وَفْدٌ مِنَ الْعِرَاقِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى شَابٍّ مِنْهُمْ يُرِيدُ الْكَلَامَ ، وَيَهَشُّ إِلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : كَبِّرُوا ، كَبِّرُوا يَقُولُ : قَدِّمُوا الْكِبَارَ . قَالَ الْفَتَى : يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ إِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِالسِّنِّ ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، لَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ ، قَالَ : صَدَقْتَ ، فَتَكَلَّمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - قَالَ : إِنَّا وَفَدُ شُكْرٍ ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ . وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ يَبْدَءونَ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ خَاصَّةً ، وَهُوَ يَخُصُّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ . فَكَأَنَّهُ قَالَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ ، فَإِنَّ الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ تُعَضِّدُهُ ، وَلَكِنَّهُ مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ قَالَ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ أَنَّ الْمُبْدَئِينَ فِي الْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ الَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ الْحَارِثِيِّينَ فِي صَاحِبِهِمُ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي تَبْدِئَةِ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ بِالْأَيْمَانِ - إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ عَلَى ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ . وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي تَبْدِئَةِ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ بِالْيَمِينِ مَعَ صِحَّةِ الْأَثَرِ بِذَلِكَ : قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا فَالْعَدَاوَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ بَدَأَ الْحَارِثِيِّينَ بِالْأَيْمَانِ ، وَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ سَبَبًا تَقْوَى بِهِ دَعْوَاهُمْ ; لِأَنَّهُ لَطْخٌ يَلِيقُ بِهِمْ فِي الْأَغْلَبِ لِعَدَاوَتِهِمْ ، وَمِنْ سُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ فِي دَعْوَاهُ وَجَبَتْ تَبْدِئَتُهُ بِالْيَمِينِ ، وَلِهَذَا جَاءَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ قَطْعِ التَّطَرُّقِ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَقَبْضِ أَيْدِي الْأَعْدَاءِ عَنْ إِرَاقَةِ دَمِ مَنْ عَادَوْهُ عَلَى الدُّنْيَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى تَبْدِئَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فِي الدِّمَاءِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَالْحَسْنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ كُلُّ هَؤُلَاءِ قَالُوا : يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عَلَى عُمُومِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . قَالَ : وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ مِنَ الدِّمَاءِ أَوْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ مَخْرَجَ هَذَا الْخَبَرِ كَانَ فِي دَعْوَى دَمٍ ، وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ بِمَكَّةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَتَيْنِ أَخْرَجَتْ إِحْدَاهُمَا يَدَهَا تَشْخُبُ دَمًا ، فَقَالَتْ : أَصَابَتْنِي هَذِهِ ، وَأَنْكَرَتِ الْأُخْرَى ، فَكَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، ادْعُهَا فَاقْرَأْ عَلَيْهَا إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فبلغه فسره . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . قَالُوا : فَهَذَا عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ ، وَعَارَضُوا الْآثَارَ الْمُتَقَدِّمَةَ بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ : أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا فَأَبَوْا ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : اسْتَحِقُّوا ، فَقَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى يَهُودَ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قَيْظِيٍّ ، أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : وَايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ ، إِنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَانَ الشَّأْنُ هَكَذَا ، وَلَكِنْ سَهْلٌ أَوْهَمَ ، مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ ، فَدُوهُ ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ هَذَا مِمَّا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ; لِأَنَّ سَهْلًا أَخْبَرَ عَمَّا رَأَى وَعَايَنَ وَشَاهَدَ حَتَّى رَكَضَتْهُ مِنْهَا نَاقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُجَيْدٍ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَا رَآهُ ، وَلَا شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ . وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَ إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ ، وَلَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مُخَالَفَةٌ فِي تَبْدِئَةِ الْأَيْمَانِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ - وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - أَيْضًا - وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ فِي ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - رِوَايَةُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَمِنَ الِاخْتِلَافِ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ : مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدٍ الطَّائِيَّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ - أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا ، فَوَجَدُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا ، فَقَالُوا لِلَّذِينِ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ : قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا ، قَالُوا : مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا قَالَ : فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْكُبْرَ ، الْكُبْرَ ، فَقَالَ لَهُمْ : تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ ، فَقَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ ; قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ ، قَالُوا : مَا نَرْضَى أَيْمَانَ يَهُودَ . فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ أَثْبَتُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهُمْ بِهِ أَقْعَدُ ، وَنَقْلُهُمْ أَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ هَذَا ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ مَا رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَحْمَدُ : وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَقْتُولًا بِخَيْبَرَ ، فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ثم أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ ، وَقَدْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا ، قَالَ : فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ ، فَأَبَوا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا تَبْدِئَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ، وَفِي الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ هَذِهِ وَهَذِهِ ، وَقَضَى بِمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْأَثْبَتُ وَالْأَوْلَى عَلَى مَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحِجَازِيُّونَ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَدَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ، قِيلَ لَهُ : الْمَصِيرُ إِلَى الْمُسْنَدِ الثَّابِتِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الصَّاحِبِ مِنْ جِهَةِ الْحُجَّةِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ نُكُولُ الْفَرِيقَيْنِ عَنِ الْأَيْمَانِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ تَبَرُّعًا لِئَلَّا يُبْطِلَ ذَلِكَ الدَّمَ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي قَتِيلٍ ادَّعَى بَعْضُ وُلَاتِهِ أَنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا عِلْمَ لَنَا بِمَنْ قَتَلَهُ وَلَا نَحْلِفُ ، فَإِنَّ دَمَهُ يَبْطُلُ ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِي الْقَسَامَةِ وَفِيمَا يُوجِبُهَا مِنَ الْأَسْبَابِ ، وَفِيمَا يَجِبُ بِهَا مِنَ الْقَوْدِ أَوِ الدِّيَةِ مَذَاهِبُ نَذْكُرُهَا هُنَا ( نَحْنُ ) لِيَتَبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ فِي كِتَابِنَا مَعْنَى الْقَسَامَةِ بَيَانًا وَاضِحًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الْمَقْتُولِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدْعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِمُدَّعِي الدَّمِ عَلَى مَنِ ادَّعَوْهُ ، فَيَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَنْكِلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ الَّذِينَ يَجُوزُ عَفْوُهُمْ ، فَلَا يُقْتَلُ حِينَئِذٍ أَحَدٌ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَلَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ; قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ، فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمُ الدَّمُ ، فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتِ الْخَمْسُونَ يَمِينًا عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ حَتَّى تَكْمُلَ الْخَمْسُونَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ الدَّمُ حَلِفَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْسِمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إِلَّا اثْنَانِ مِنَ الْمُدَّعِينَ فَصَاعِدًا ، يَحْلِفَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدَّدُ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ قَدِ اسْتَحَقَّا الدَّمَ ، وَقَتَلَا مَنْ حَلَفَا عَلَيْهِ ، ( وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ الَّذِي ادَّعَاهُ وَاحِدًا بُدِئَ بِهِ ، فَحَلَفَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقُّوا صَاحِبَهُمْ ، وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ) وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ، وَلَا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ ; - هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَمُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَ مَالِكٌ قَوْلَ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ شُبْهَةً وَلَطْخًا ، وَجَبَ بِهِ تَبْدِئَةُ أَوْلِيَائِهِ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ طِبَاعِ النَّاسِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ الْإِنَابَةُ ، وَالتَّوْبَةُ ، وَالتَّنَدُّمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ سَيِّئِ الْعَمَلِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَقَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ فَهَذَا مَعْهُودٌ مِنْ طِبَاعِ الْإِنْسَانِ ، وَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ قَاتِلِهِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَيَدَعَ قَاتِلَهُ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا ، فَنَادِرٌ فِي النَّاسِ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَلِهَذَا وَشِبْهِهِ مِمَّا وَصَفْنَا ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَقَدْ نَزَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ قَتِيلِ الْبَقَرَةِ ; لِأَنَّهُ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَاتِلِهِ ; وَفِي هَذَا ضُرُوبٌ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : إِذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَدْلٌ عَلَى الْقَاتِلِ ، أَقْسَمَ رَجُلَانِ فصاعدا خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالشَّاهِدُ فِي الْقَسَامَةِ إِنَّمَا هُوَ لَوْثٌ وَلَيْسَتْ شَهَادَةً ، وَعِنْدَ مَالِكٍ : أَنَّ وُلَاةَ الدَّمِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً لَمْ يُقْسِمْ إِلَّا اثْنَانِ فصاعدا ، وَاعْتَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِقَوْلِهِ هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا عَرَضَهَا عَلَى جَمَاعَةٍ ، وَالْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ كَهِيَ فِي الْعَمْدِ لَا تُسْتَحَقُّ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَنْ دَمٍ ، وَالدَّمُ لَا يُسْتَحَقُّ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْخَطَأِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ بِهَا قَتْلٌ وَلَا قَوْدٌ ، كَالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، وَالْيَمِينُ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى مَنْ سَمَّى أَنَّهُ ضَرَبَهُ ، وَأَنَّ مَنْ ضَرَبْتَهُ مَاتَ ، فَإِنْ أَقْسَمَ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ عَلَى وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ قُتِلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِمَّنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الدَّمُ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُ ضُرِبُوا مِائَةً مِائَةً ، وَسُجِنُوا سَنَةً ، ثُمَّ خُلِّيَ عَنْهُمْ ، وَالدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِ بِهِ خَطَأً ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ فِي قَسَامَةِ الْخَطَأِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الدِّيَةِ ، فَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَيْمَانِ كُسُورٌ أُتْمِمَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ مِيرَاثًا ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ هَذَا يَمِينًا ، وَهَذَا يَمِينًا ، ثُمَّ يُرْجَعُ إِلَى الْأَوَّلِ فَيَحْلِفُ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ حَتَّى تَتِمَّ الْأَيْمَانُ كُلُّهَا . وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا ادَّعَى الدَّمَ بِنُونَ أَوْ إِخْوَةٌ ، فَعَفَا أَحَدُهُمْ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إِلَى الدَّمِ سَبِيلٌ ، وَكَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَنْصِبَاؤُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَقْسَمُوا ، ثُمَّ عَفَا بَعْضُهُمْ ، فَأَمَّا إِذَا نَكَلَ أَحَدُهُمْ عَنِ الْقَسَامَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ . وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ فِي عَفْوِ الْعَصَبَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ ، وَفِي نَوَازِلِ الْقَسَامَةِ مَسَائِلُ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهَا هَاهُنَا . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ ، وَبَيْنَ الْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، قَالَ : فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَعُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ هَلَكَتِ الدِّمَاءُ وَبَطَلَتْ ، وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا ، وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يَبْدَءونَ فِيهَا ، لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدَّمِ ، وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ قَوْمٍ مُحِيطَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ - وَكَانُوا أَعْدَاءً لِلْمَقْتُولِ ، وَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ ، وَكَذَلِكَ الزِّحَامُ إِذَا لَمْ يَفْتَرِقُوا حَتَّى وَجَدُوا بَيْنَهُمْ قَتِيلًا ، أَوْ فِي نَاحِيَةٍ لَيْسَ إِلَى جَانِبِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ ، أَوْ يَأْتِي شُهُودٌ مُتَفَرِّقُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَوَاحٍ لَمْ يَجْتَمِعُوا فِيهَا ، يُثْبِتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، فَتَتَوَاطَأُ شَهَادَتُهُمْ ، وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ بِشَهَادَةِ بَعْضٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْدِلُ ، أَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ ; لِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْ هَذَا يُغَلِّبُ عَلَى عَقْلِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَمَا ادَّعَى وَلِيُّهُ ، فَلِلْوَلِيِّ حِينَئِذٍ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ ، وسَوَاءٌ كَانَ جُرْحًا أَوْ غَيْرَهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ ، قَالَ : وَلَا يُنْظَرُ إِلَى دَعْوَى الْمَيِّتِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُسْتَحْلَفُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَا ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرُّوا ، وَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتُهُمْ وَلِيَهَا الْمُدَّعُونَ ، فَأَحْلَفُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا ، وَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتُهُمْ أَوْ نَكَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمْ يُعْطَوُا الدَّمَ ، وَعُقِلَ قَتِيلُهُمْ إِذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الَّذِينَ ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الَّذِي يُوجِبُ الْقَسَامَةَ أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ : فُلَانٌ قَتَلَنِي ، أَوْ يَأْتِي مِنَ الصِّبْيَانِ أَوِ النِّسَاءِ أَوِ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِشَهَادَتِهِ - أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا حِينَ قَتَلَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ ، وَبِهِ أَثَرٌ ، وَادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ ; اسْتُحْلِفَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ خَمْسُونَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَا ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، يَخْتَارُهُمُ الْوَلِيُّ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ كَرَّرَ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ ، ثُمَّ يُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ ، وَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ : إِذَا أَبَوْا أَنْ يُقْسِمُوا تَرَكَهُمْ وَلَمْ يَحْبِسْهُمْ ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ . وَقَالُوا جَمِيعًا يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابَهُ : إِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، فَقَدْ أَبْرَأَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ : أَنَّهُ إِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، فَقَدْ بَرِئَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ ، وَصَارَ دَمُهُ هَدْرًا ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يَحْلِفُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ مِنْ سَاكِنٍ أَوْ مَالِكٍ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْتُهُ ، وَلَا عَلِمْتُ قَاتِلًا ، فَإِذَا حَلَفُوا كَانَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ مَنْ كَانَ غَائِبًا ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يُسْتَحْلَفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا مَا قَتَلْنَا ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، ثُمَّ لَا شَيْءَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ . وَكَانَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَا يَرَوْنَ الْقَسَامَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : الْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ جَاهِلِيَّةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَوْدَ فِي الْقَسَامَةِ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا مَعَ الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ - مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَضَى فِيهَا بِالْقَوْدِ ، وَقَضَى بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ - أَنَّهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلُهُ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ . قَالُوا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَهُمْ إِلَّا وَقَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُ الْقَتِيلِ بِخَيْبَرَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْيَهُودِ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ إِلَّا بِمَنْعِهِمْ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِمْ . وَاحْتَجُّوا - أَيْضًا - بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ ، فَجَعَلَهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا ، وَأَحْلَفَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلْنَا ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، ثُمَّ أَغْرَمَهُمُ الدِّيَةَ . فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ الْأَزْمَعِ : نَحْلِفُ وَنُغَرَّمُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : وَحَدِيثُ سَهْلٍ مُضْطَرِبٌ ، قَالُوا : وَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ نَقَلَتَهُ أَئِمَّةٌ فُقَهَاءُ حُفَّاظٌ لَا يُعْدَلُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ ، وَفِيهِ : فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً عَلَى الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالُوا : إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ في قَبِيلَةِ قَوْمٍ ، لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِهِ شَيْءٌ ، وَلَمْ تَجِبْ بِهِ قَسَامَةٌ حَتَّى تَكُونَ الْأَسْبَابُ الَّتِي شَرَطُوهَا كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنْهُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ ، أَوْ دَارِ قَوْمٍ ، أَوْ أَرْضِ قَوْمٍ ، أَوْ فِي سُوْقٍ أَوْ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، وَلَا قَسَامَةَ ، وَقَدْ طُلَّ دَمُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَحَلَّةُ قَرْيَةُ الْبَوَادِي ، وَالْمَجَاشِرِ ، وَالْقَيَاطِنِ ، وَكَذَلِكَ الْقَبَائِلُ ، وَالْمِيَاهُ ، وَالْأَحْيَاءُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ قَتِيلٌ ، وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ لَا يُحِيطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ ، فَذَلِكَ لَوْثٌ يُقْسَمُ مَعَهُ ، وَإِنْ خَالَطَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَدَ طُلَّ دَمُهُ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، فَيَحْلِفُونَ ، وَيُبَرَّءُونَ ، وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْقَبِيلَةِ وَالْمَحَلَّةِ أَعْدَاءَ الْمَقْتُولِ ، فَيُجْعَلُ عَقْلُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الْقَسَامَةِ أَوْ لَا يَكُونُوا ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي نَاحِيَةٍ لَيْسَ بِقَرْيَةٍ - إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وُجِدَ بِقَرْيَةِ رَجُلٍ فِي يَدِهِ سِكِّينٌ مَلْطُوخَةٌ بِالدَّمِ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ لَوْثًا يُقْسِمُ مَعَهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ . وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - إِنْ كَانَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ ، فَيَجْعَلُهُ عَلَى الْقَبِيلَةِ ، أَوْ لَا يَكُونُ أَثَرٌ لَهُ فَلَا يَجْعَلُهُ عَلَى أَحَدٍ ، وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الْقَسَامَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ مَالِكٍ : لَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَذَا الْقَوْلِ قَسَامَةٌ . وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ الْمَقْتُولِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - إِذْ ذُبِحَتِ الْبَقَرَةُ وَضُرِبَ بِبَعْضِهَا ، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ ، وَقَالَ : فُلَانٌ قَتَلَنِي ، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ ، وَرَدَّ الْمُخَالِفُ هَذَا بِأَنَّ تِلْكَ آيَةٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا الْيَوْمَ ، وَبِأَنَّ شَرِيعَتَنَا فِيهَا أَنَّ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالدَّعَاوَى دُونَ الْبَيِّنَاتِ ، وَلَمْ نَتَعَبَّدْ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَقَتِيلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُقْسِمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ : هَذَا قَتَلَنِي ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقْتَلُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي دُونَ بَيِّنَةٍ وَلَا قَسَامَةٍ ، فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَاهُنَا ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الَّذِي تَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْوَالِ ، فَالدِّمَاءُ أَحَقُّ بِذَلِكَ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُحِبُّ الِاسْتِرَاحَةَ مِنَ الْأَعْدَاءِ لِلْبَنِينَ وَالْأَعْقَابِ ، وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَتَلُوهُ ; قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ إِلَّا اثْنَانِ فصاعدا كَمَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْلِفُ النِّسَاءُ فِي الْعَمْدِ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ فِيهِ ، وَيَحْلِفْنَ فِي الْخَطَأِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَالٌ ، وَشَهَادَتُهُنَّ جَائِزَةٌ فِي الْأَمْوَالِ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : يُقْسِمُ الْوَلِيُّ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى وَاحِدٍ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَعَلَى جَمَاعَةٍ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ ، وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِرُمَّتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى تَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمَ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً . وَمِنْ حُجَّتِهِ - أَيْضًا - فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَسَامَةَ بَدَلٌ مِنَ الشَّهَادَةِ ، فَلَمَّا كَانَتِ الشَّهَادَةُ تُقْتَلُ بِهَا الْجَمَاعَةُ ، فَكَذَلِكَ الْقُسَامَةُ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَلَهَا يَطُولُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ قَوَدٌ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا : أَنَّ الْقَسَامَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْقَوَدُ ، وَيُقْتَلُ بِهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ إِذَا أَقْسَمُوا عَلَيْهِمْ فِي الْعَمْدِ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - أَنَّ الْقَسَامَةَ تُوجِبُ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ جَمِيعًا ، إِلَّا أَنَّهَا فِي الْعَمْدِ فِي أَمْوَالِ الْجُنَاةِ ، وَفِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْحُجَّةُ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ فِي إِسْقَاطِ الْقَوَدِ فِي الْقَسَامَةِ حَدِيثُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَهْلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ ، وَتَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ : دَمَ صَاحِبِكُمْ ( دِيَةَ صَاحِبِكُمْ ) ; لِأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ دِيَةَ صَاحِبِهِ ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ دَمَهُ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ قَدْ تُؤْخَذُ فِي الْعَمْدِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقًا لِلدَّمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الظَّاهِرُ فِي ذِكْرِ الدَّمِ الْقَوَدُ ، - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ هُنَاكَ بِعَوْنِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَنْ أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ ، وَقَوْلَيْنِ : فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا الدِّيَةَ وَالْقَسَامَةَ بِوُجُوبِ الْقَتِيلِ فَقَطْ ، وَلَمْ يُرَاعُوا مَعْنًى آخَرَ ، وَقَوْمٌ اعْتَبَرُوا اللَّوْثَ ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ، وَمَا يَكُونُ شُبْهَةً يُتَطَرَّقُ بِهَا إِلَى حِرَاسَةِ الدِّمَاءِ ، وَلَمْ يَطْلُبُوا فِي الْقَسَامَةِ الشَّهَادَةَ الْقَاطِعَةَ وَلَا الْعِلْمَ الْبَتَّ ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا شُبْهَةً ، وَسَمَّوْهُ لَوْثًا ; لِأَنَّهُ يُلَطِّخُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَيُوجِبُ الشُّبْهَةَ ، وَيُتَطَرَّقُ بِهَا إِلَى حِرَاسَةِ الْأَنْفُسِ ، وَحَقْنِ الدِّمَاءِ ; إِذْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي رَدْعِ السُّفَهَاءِ وَالْجُنَاةِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَلِذَلِكَ وَرَدَتِ الْقَسَامَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَلَا أَصْلَ لَهُمْ ( فِي الْقَسَامَةِ ) غَيْرُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ الْحَارِثِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْمَقْتُولِ بِخَيْبَرَ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِهَا مُوعَبَةً وَاضِحَةً فِي هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي رَدِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَيْمَانَ فِي الْقَسَامَةِ - دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي رَدِّ الْيَمِينِ ، وَهَذَا أَصْلُهُمْ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَهُمْ يَقْضُونَ بِالنُّكُولِ ، وَلَا يَرَوْنَ رَدَّ يَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُقُوقِ وَالدَّعَاوَى ، وَالْقَوْلُ بِرَدِّ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَصَحُّ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا النُّكُولُ فَلَا أَثَرَ فِيهِ ، وَلَا أَصْلَ يُعَضِّدُهُ ، وَلَمْ نَرَ فِي الْأُصُولِ حَقًّا ثَبَتَ عَلَى مُنْكِرٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَالنُّكُولُ سَبَبٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَمِّ شَيْءِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ ، كَمَا ضُمَّ شَاهِدٌ إِلَى شَاهِدٍ مِثْلِهِ أَوْ يَمِينِ الطَّالِبِ - وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا · ص 198 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالنبي يأمر بالحلف خمسين يمينا · ص 300 1631 1630 - مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ ، فَأَتَى هُوَ ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ ، لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ، فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّهِ ، لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . 38292 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، فِي إِرْسَالِهِ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ذِكْرٌ . 38293 - وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ رُوَاةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، جَعَلُوهُ : عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . 38294 - وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سَمَاعَ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ لَهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَإِنَّ مَالِكًا فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَعِلْمِهِ بِحَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، قَدْ أَرْسَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، لَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ . 38295 - وَمَا أَظُنُّ الْبُخَارِيَّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَرَكَ إِخْرَاجَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ هَذَا إِلَّا لِإِرْسَالِ مَالِكٍ لَهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَنْ خَالَفَهُ وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَسْنَدَهُ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ ، وَخَرَّجَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ : الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى مَا جَاءَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِيهِ ، مِنْ تَبْدِئَةِ السَّاعِي الْمُدَّعِي بِالْأَيْمَانِ . 38296 - وَقَدْ أَخْطَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدٍ ، فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَذَمُّوا الْبُخَارِيَّ فِي تَخْرِيجِهِ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَتَرْكِهِ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، الَّذِي فِيهِ تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِي بِالْأَيْمَانِ . 38297 - وَمِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَبُشَيْرُ بْنُ الْفَضْلِ . 38298 - وَقَالَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَزَادَ فِيهِ مَعَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ . 38299 - وَقَالَ فِيهِ اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : قَالَ يَحْيَى : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ . 38300 - وَكُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي تَبْدِئَةِ الْأَنْصَارِ الْمُدَّعِينَ بِالْأَيْمَانِ ، إِلَّا سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ، فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، فَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ بِسِيَاقَةِ مَالِكٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : لَا أَدْرِي بَدَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَمِينِ الْمُدَّعِينَ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ . 38301 - وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ : وَجَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ قَتِيلًا بِخَيْبَرَ . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَنْصَارِ ، حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ : تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ . فَقَالُوا : وَكَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ قَالَ : فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، قَالُوا : كَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَ ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ ، فَبَدَأَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ : تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ ، قَبْلَ أَنْ يَقُولَ : فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ وَهَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ سَهْلٍ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 38302 - وَرَوَاهُ سَائِرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِمَعْنَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ تَبْدِئَةِ الْمُدَّعِي بِالْأَيْمَانِ . 38303 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَمَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ تَبْدِئَةُ الْيَهُودِ بِالْأَيْمَانِ ، فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَلَمْ يُصِبْ ، وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ وَهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْأَيْمَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 38304 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . 38305 - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، ذَكَرَ فِيهِ تَبْدِئَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَنْصَارَ بِالْأَيْمَانِ . 38606 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ الرّوَايَاتِ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِالْأَسَانِيدِ عَنْ مَنْ ذَكَرْنَا ، فَسِيَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْحَدِيثِ بِمَعْنَى مَا وَصَفْتُ عَنْهُ ، إِلَّا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَنَذْكُرُهَا هُنَا ، لِأَنَّا لَمْ نَذْكُرْهَا هُنَاكَ . 38307 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . 38308 - وَحَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، قَالَ : أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ ، وَكَانَ خَرَجَ إِلَيْهَا فِي أَصْحَابٍ لَهُمْ يَتَّمَّارُونَ مِنْهَا تَمْرًا ، فَوُجِدَ فِي عَيْنٍ قَدْ كُسِرَتْ عُنُقُهُ ، ثُمَّ طُرِحَ فِيهَا ، فَأَخَذُوهُ ، فَغَيَّبُوهُ ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ شَأْنَهُ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ ابْنَا عَمِّهِ ، حُوَيِّصَةُ ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا ، وَكَانَ صَاحِبَ الدَّمِ وَكَانَ ذَا قَدَمٍ فِي الْقَوْمِ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ قَبْلَ ابْنَيْ عَمِّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ هُوَ بَعْدُ ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَ صَاحِبِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ، ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ عَلَى مَا لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ بِاللَّهِ - يَعْنِي الْيَهُودَ - خَمْسِينَ يَمِينًا ، مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، ثُمَّ يُبَرَّؤونَ مِنْ دَمِهِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ يَهُودَ ، مَا فِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إِثْمٍ ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ بِمِائَةِ نَاقَةٍ . قَالَ سَهْلٌ : فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى بَكْرَةً مِنْهَا حَمْرَاءَ ضَرَبَتْنِي وَأَنَا أَحُوزُهَا . 38309 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ لِلدَّمِ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ . 38310 - وَإِلَيْهَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 38311 - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي الْقَسَامَةِ ، حَدِيثُ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، فَقَدْ وَصَلَهُ عَنْهُ حفاظٌ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ . 38312 - حَكَى هَذَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، وَحَسْبُكَ بِأَحْمَدَ إِمَامَةً فِي الْحَدِيثِ ، وَعِلْمًا بِصَحِيحِهِ مِنْ سَقِيمِهِ . 38313 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ، فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا . 38314 - وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْيَهُودَ بَدَأَهُمُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْأَيْمَانِ ، فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، 38315 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ ، 38316 - وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، 38317 - قَالُوا كُلُّهُمْ : حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ ، الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ . 38318 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِسْمَاعِيلَ ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ ، الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ : سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا ، فَوَجَدُوا مِنْهُمْ قَتِيلًا ، فَقَالُوا لِلَّذِي وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ : قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا ، فَقَالُوا : مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عِلْمنَا لَهُ قَاتِلًا ، قَالَ : فَانْطَلَقُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَوَجَدْنَا أَخَانَا قَتِيلًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ وَقَالَ لَهُمْ : تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ فَقَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ قَالُوا : مَا نَرْضَى أَيْمَانَ يَهُودَ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ . 38319 - وَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودَ ، وَبَدَأَ بِهِمْ ، أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ؟ فَأَبَوْا ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُوا ، فَقَالُوا : أَنَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً عَلَى يَهُودَ ، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْن أَظْهُرِهِمْ . 38320 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَقْتُولًا ، فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَتْلِ صَاحِبِكُمْ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُمْ يَهُودُ ، وَقَدْ يَجْسُرُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا ، قَالَ : فَاخْتَارُوا مِنْكُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ فَأَبَوْا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ . 38321 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدأَ الْأَنْصَارَ بِالْأَيْمَانِ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . 38322 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ الْأَنْصَارَ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ، أَرَادَ أَيْمَانَ الْيَهُودِ ، فَلَمْ يَرْضَوْا بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ ، فَأَرَادَ أَيْمَانَهُمْ ، لِيَقْضِيَ لَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ دِيَةٍ أَوْ قَوَدٍ ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ، فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . 38323 - وَهَذِهِ قِصَّةٌ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ ، لِإِبَاءِ الْمُدَّعِينَ مِنَ الْأَيْمَانِ ، وَمِنْ قَبُولِ أَيْمَانِ الْيَهُودِ ، وَتَبَرَّعَ بِأَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِئَلَّا يُطَلَّ دَمُ مُسْلِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 38324 - وَمَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الِاضْطِرَابِ ، وَالتَّضَادِّ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، فَإِنَّ الْآثَارَ فِيهَا مُتَضَادَّةٌ مُتَدَافِعَةٌ ، وَهِيَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَفِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَسَامَةِ وَمَا يُوجِبُهَا وَالْأَيْمَانِ فِيهَا ، وَمَنْ يُبَدِّئُوا بِهَا ، وَهَلْ يَجِبُ بِهَا الْقَوَدُ أَوْ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا غَيْرُ الدِّيَةِ ؟ وَفِي مَنْ أَثْبَتَهَا وَذَهَبَ فِيهَا إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَمَنْ نَفَاهَا جُمْلَةً وَلَمْ يَرَهَا . 38325 - وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّنَازُعِ مَا يَضِيقُ بِتَهْذِيبِهِ وَتَلْخِيصِ وَجُوبِهِ كِتَابٌ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُجْمَعَ فِي بَابٍ . 38326 - وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ هُنَا مَا يَكْفِي وَيَشْفِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْقَسَامَةَ فَرِيقَانِ : 38327 - فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُمْ ، مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، يَعْتَبِرُونَ الشُّبْهَةَ لِلْبَيِّنَةِ ، وَاللَّوْثِ ، وَاللَّطْخِ وَمَا غَلَبَ عَلَى الْعَقْلِ وَالظَّنِّ فَهُمْ يَطْلُبُونَ مَا يُتَطَرَّقُ بِهِ إِلَى حِرَاسَةِ الدِّمَاءِ ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الشَّهَادَةَ الْقَاطِعَةَ ، وَلَا الْعِلْمَ الصَّحِيحَ الْبَتِّ ، وَهَؤُلَاءِ وَأَصْحَابُهُمْ يُبَدِّئُونَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الدَّمَ بِالْأَيْمَانِ فِي دَعْوَى الدَّمِ . 38328 - وَطَائِفَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ ، يُوجِبُونَ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ ، لِوُجُودِ الْقَتِيلِ عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ ، مَا يَعْتَبِرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَكُلُّهُمْ يَرَى الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مَعَ الدِّيَةِ دُونَ الْمُدَّعِينَ وَكُلُّهُمْ وَاحِدٌ . 38329 - وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَنْزِعُ بَابًا نَشْهَدُ لَهُ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَنَبْدَأُ بِقَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ نُرْدِفُهُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ، بِحَوَلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالنبي يأمر بالحلف خمسين يمينا · ص 309 38330 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، أَنْ يُبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ ، فَيَحْلِفُونَ ، وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدْعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَنِ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ ، وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ أَنَّ الْمُبَدَّئِينَ بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ ، وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَارِثِيِّينَ فِي قَتْلِ صَاحِبِهِمُ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ . 38331 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا أَصْحَابِهِ أَنَّ قَوْلَ الْمَقْتُولِ قَبْلَ مَوْتِهِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَنَّهُ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ ، وَلَمْ يُتَابِعْ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إِلَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فَإِنَّهُ تَابَعَهُ فَقَالَ : الَّذِي تُوجِبُهُ الْقَسَامَةُ أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : فُلَانٌ قَتَلَنِي ، أَوْ يَأْتِي مِنَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ يُشْبِهُهُمْ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِشَهَادَتِهِ أَنَّهُ رَأَى هَذَا حِينَ قَتَلَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَسَامَةَ تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ . 38332 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَا رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ ، فِي مَعْنَى اللَّوْثِ الْمُوجِبِ لِلْقَسَامَةِ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ الْعَدْلَ لَوْثٌ . 38333 - وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ ، أَنَّ الْوَاحِدَ الْعَدْلَ لَوْثٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، قَالَ : وقَالَ لِي مَالِكٌ : اللَّوْثُ : الْأَمْرُ الَّذِي لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا قَاطِعٍ . 38334 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، هَلْ تَكُونُ شَهَادَتُهَا لَوْثًا تُوجِبُ الْقَسَامَةَ ؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ . 38335 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ أَقْوَالِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ . 38336 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذا مِثْلُ الطَّيِّبِ مِثْلُ السَّلْبِ الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَسَامَةِ حَكَمْتُ بِهَا ، وَجَعَلْتُ الدِّيَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ قِيلَ : وَمَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قِيلَ : كَانَتْ خَيْبَرُ دارَ يَهُودَ مَحْضَةً ، وَلَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ ، وَكَانَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَبَيْنَهُمْ ظَاهِرَةً ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَوُجِدَ قَتِيلًا قَبْلَ اللَّيْلِ ، فَيَكَادُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ إِلَّا بَعْضُ الْيَهُودِ ، فَإِذَا كَانَتْ دَارَ يَهُودَ مَحْضَةً أَوْ قَبِيلَةً ، وَكَانُوا أَعْدَاءَ الْمَقْتُولِ ، فَادَّعَى الْوَلِيُّ قَتْلَهُ عَلَيْهِمْ فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ . 38337 - قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ نَفَرٌ بَيْتًا ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ ، أَوْ كَانُوا فِي صَحْرَاءَ ، أَوْ كَانَ زِحَامٌ فَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّا وَقَتِيلٌ بَيْنَهُمْ ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي نَاحِيَةٍ لَيْسَ إِلَى جَنْبِهِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ إِلَّا بِرَجُلٍ مُخَضِّبٍ بِدَمِهِ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ ، أَوْ تَأْتِي بَيِّنَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ نَوَاحٍ شَتَّى لَمْ يَجْتَمِعُوا ، فَيَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الانْفِرَادِ ، أَنَّهُ قَتَلَهُ ، فَتَتَوَطَّأُ شَهَادَتُهُمْ ، وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ ، وَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْدِلُ ، أَوْ يَشْهَدُ رَجُلٌ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا يَغْلِبُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَمَا ادَّعَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ . 38338 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الدَّعْوَى ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَّ فِي الْأَمْوَالِ أَنْ تُؤْخَذَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَفِي دَعْوَى الدِّمَاءِ أَنْ تُسْتَحَقَّ بِهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ مُمْكِنٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي وَصَفْنَا . 38339 - قَالَ : وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ وَفِي جُمْلَتِهِمْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْقَتِيلِ جُرْحٌ أَوْ أَثَرٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ . 38340 - قَالَ : فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ ، لَمْ يُقْسِمِ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ ، أَوْ إِقْرَارٍ مِنْهُ بِذَلِكَ . 38341 - قَالَ : وَلَا يُنْظَرُ إِلَى دَعْوَى الْمَيِّتِ ، وَقَوْلِهِ : دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَلَّا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ شَيْئًا ، دَمًا وَلَا غَيْرَهُ . 38342 - قَالَ : وَلِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمُوا ، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا عَنْ مَوْضِعِ الْقَتِيلِ ، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ عِنْدَهُمْ ، وَبِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ لَا يَقْبَلُهَا الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ عِنْدَهُمْ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ مَا يَعْلَمُ مَا غَابَ . 38343 - وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : اتَّقُوا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ وَالْيَقِينِ عَلَى مَنْ تَدَّعُونَ الدَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ أَيْمَانَهُمْ مَتَى حَلَفُوا ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ كَافِرِينَ عَلَى مُسْلِمِينَ وَعَلَى كَافِرِينَ ، لِأَنَّ كُلًّا وَلِيُّ دَمِهِ وَوَارِثُ دِيَتِهِ . 38344 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ ، أَوْ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَلَكِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَا لَمْ يَرَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ ، إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ وَعَلِمَهُ بِمَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِمِثْلِهِ ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ ، وَاسْتَيْقَنَهُ حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ . 38345 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ ، وَبِهِ أَثَرٌ ، وَادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ ، اسْتَحْلَفَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ خَمْسُونَ رَجُلًا بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ، يَخْتَارُهُمُ الْوَلِيُّ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ ، كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانُ ، ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ ، وَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ ، حُبِسُوا حَتَّى يُقِرُّوا أَوْ يَحْلِفُوا . 38346 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ . 38347 - وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، إِذَا أَبَوْا أَنْ يُقْسِمُوا ، تَرَكَهُمْ وَلَمْ يَحْبِسْهُمْ ، وَجُعِلَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ . 38348 - وَقَالُوا جَمِيعًا : إِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، فَقَدْ أَبْرَأَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ . 38349 - وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى عَنْهُ ، إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَقَدْ أَبْرَأَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ غَيْرَهُ . 38350 - وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، فَقَدْ أَبْرَأَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ ، وَصَارَ دَمُهُ هَدَرًا ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ . 38351 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يُسْتَحْلَفُ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ خَمْسُونَ رَجُلًا ، مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عِلْمنَا قَاتِلَهُ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ . 38352 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ مُخَالِفٌ لِمَا قَضَى بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الْكُوفِيِّينَ . 38353 - وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ بن الْأَزْمَعِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَحْلَفَ الَّذِينَ وُجِدَ الْقَتِيلُ عِنْدَهُمْ ، وَأَغْرَمَهُمُ الدِّيَةَ ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ الْأَزْمَعِ : أَيَحْلِفُونَ وَيَغْرَمُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 38354 - وَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنِ الْأَحْنَفِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ، إِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَيْكُمُ الدِّيَةُ . 38355 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ ، أَوْ فِي فِنَائِهِمْ ، لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ ، وَلَمْ تَجِبْ فِيهِمْ قَسَامَةٌ بِوُجُودِهِ حَتَّى تَكُونَ الْأَسْبَابُ الَّتِي شُرُوطُهَا فِي وُجُوبِ الْقَسَامَةِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ . 38356 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَدَاوُدَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالنبي يأمر بالحلف خمسين يمينا · ص 315 38357 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ، لَا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ ، يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنَّ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ ، وُلَاةِ الدَّمِ ، الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوُ عَنْهُ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ . 38358 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا ، فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِي مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ ، إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَيْمَانِ ، وَلَكِنَّ الْأَيْمَانَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ ، تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ، خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا ، رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ . 38359 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعَفْوِ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي مَنْ لَهُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ . 38360 - وَالْجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّ كُلَّ وَارِثٍ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ لِلدِّيَةِ ، وَالْمَالِ ، مُسْتَحِقٌّ لِلدَّمِ ، لِأَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ عَنِ الدَّمِ ، وَعَفْوُ كُلِّ وَارِثٍ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ عَنِ الدَّمِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . 38361 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ ، اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ ، وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَا يُسْتَحَقُّ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ، هَلْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الدَّمُ أَوِ الدِّيَةُ ؟ 38362 - فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . 38363 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ . 38364 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ . 38365 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : مَنْ قَالَ بِالْقَوَدِ فِي الْقَسَامَةِ ، لَا أُعِينُهُ ، وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقَادُ بِالْقَسَامَةِ ، وَلَكِنْ تَجِبُ بِالْقَسَامَةِ الدِّيَةُ . 38366 - قَالَ : وَالَّذِينَ يُبَدِّئونَ عِنْدَنَا بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ، فَإِنْ نَكَلُوا ، عَادَتِ الْأَيْمَانُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الَّذِينَ ادُّعِيَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ، وَإِنْ نَقَصُوا عَنْ خَمْسِينَ ، رُدَّتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانُ . 38367 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ وَلَا يُقْتَلُ بِهَا اثْنَانِ ، فَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ، لِأَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِالْوَاحِدِ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ عَمْدًا ، لَا يُوجِبُونَ قَوَدًا بِالْقَسَامَةِ ، وَإِنَّمَا يُوجِبُونَ الدِّيَةَ . 38368 - وَالزُّهْرِيُّ ، وَدَاوُدُ ، لَا يَقْتُلَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ ، كَمَا لَا تُقْطَعُ عِنْدَ الْجَمِيعِ يَدَانِ بِيَدٍ . 38369 - وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا . 38370 - ذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَقَادَا بِالْقَسَامَةِ . 38371 - وَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْقَسَامَةُ يُقَادُ بِهَا . 38372 - وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ . 38373 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا قَوَدَ فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِلَّا الدِّيَةُ . 38374 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ . 38375 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، أَنَّهُمَا لَمْ يُقِيدَا بِالْقَسَامَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حَكَمَ بِهَا عُمَرُ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ . 38376 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَالْخُلَفَاءَ ، وَالْجَمَاعَةَ الْأُولَى ، لَمْ يَكُونُوا يَقْتُلُونَ بِالْقَسَامَةِ . 38377 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْقَسَامَةُ تُوجِبُ الْعَقْلَ وَلَا تُشِيطُ بالدَّمَ . 38378 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : الْقَسَامَةُ تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ . 38379 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ فُضَيْلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : الْقَوَدُ بِالْقَسَامَةِ جَوْرٌ . 38380 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الْقَسَامَةُ تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ ، وَلَا يُقَادُ بِهَا . 38381 - وَقَالَ الْحَسَنُ : الْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ جَاهِلِيَّةٌ . 38382 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَأَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ فَعُمَرُ ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَكَيْفَ تَجْتَرِئونَ عَلَيْهَا ؟ فَسَكَتَ . 38383 - قَالَ : فَقُلْتُ ذَلِكَ لِمَالِكٍ ، فَقَالَ : لَا تَضَعْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخَتْلِ ، لَوِ ابْتُلِيَ بِهَا لَأَقَادَ بِهَا . 38384 - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَعْجَبُ مِنَ الْقَسَامَةِ ، يَأْتِي الرَّجُلُ يَسْأَلُ عَنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ ، لَا يَعْرِفُ الْقَاتِلَ مِنَ الْمَقْتُولِ : ثُمَّ يُقْسِمُ ؟ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَسَامَةِ فِي قَتِيلِ خَيْبَرَ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ يَجْتَرِئونَ عَلَيْهَا ، مَا قَضَى بِهَا . 38385 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ نَكَلُوا ، أَوْ نَكَلَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ مِنْهُمْ ، رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، 38386 - فَإِنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمَا ، وَاللَّيْثَ ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ ، يَقُولُونَ : يَبْدَأُ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ . 38387 - إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ لَا يَقْضِي بِالْقَسَامَةِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ يَدَّعُونَ عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ ، أَوْ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ هُمْ أَعْدَاءٌ لَهُمْ ، يَدَّعُونَ أَنَّ وَلِيَّهُمْ قُتِلَ عَمْدًا ، فَلَا يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يُقْضَى بِهَا فِي دَعْوَى قَتْلِ الْخَطَأِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ . 38388 - وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَأَوْلِيَائِهِ ، وَبَيْنَ الْقَاتِلِ وَأَهْلِ مَوْضِعِهِ ، فَاشْتَرَطَهَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ مَالِكٍ ، فِيمَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ . 38389 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مُعَلَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : قَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فِي الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الْقَسَامَةِ ، حَدِيثُ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ : إِذَا كَانَ بَيْنَ الْقَوْمِ عَدَاوَةٌ وَشَحْنَاءُ ، كَمَا كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْيَهُودِ فَوُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ ، ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَيْهِمْ . 38390 - وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّهُمْ يُبَدِّئُونَ فِي الْقَسَامَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْأَيْمَانِ ، فَإِنْ حَلَفُوا ، بَرُّوا عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ ، يَحْلِفُونَ وَيَغْرَمُونَ الدِّيَةَ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ سَلَفُهُمْ فِي ذَلِكَ . 38391 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً ، أَو عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا ، وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ ، يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ، إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ يُؤْخَذُ بِهَا ، فَإِنْ نَكَلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ رُدَّتْ قَسَامَتُهُمْ وَوَلِيَهَا الْمُدَّعُونَ ، فَيَحْلِفُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَإِنْ حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ ، اسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ ، وَإِنْ نَقَصَتْ قَسَامَتُهُمْ ، وَرَجَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ ، لَمْ يُعْطَوُا الدِّيَةَ . 38392 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُ يُوجِبُ الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ بِهَا هَاهُنَا إِلَّا الدِّيَةَ . 38393 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِيَهُودَ بَدْءًا بِهِمْ ، قَالَ : يَحْلِفُونَ لَكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا فَأَبَوْا . فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ ؟ فَقَالُوا : لَا نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ ، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً عَلَى الْيَهُودِ ، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . 38394 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ لِلثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ . 38395 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالْيَهُودِ ، فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، فَرَدَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْأَنْصَارِ ، وَجَعَلَ الْعَقْلَ عَلَى الْيَهُودِ . 38396 - قَالَ : وَأَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ ، وَقَالَ لَهُمْ : احْلِفُوا وَاسْتَحِقُّوا فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، فَقَالَ : أَيَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ ؟ مَا يُبَالِي الْيَهُودُ أَنْ يَحْلِفُوا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ . 38397 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهَا . 38398 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَشَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَسَامَةِ ، أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ . 38399 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38400 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَسَامَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ . 38401 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَصْحَابًا لَهُمْ يُحَدِّثُونَ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَدَّأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ ضَمَّنَهُمُ الْعَقْلَ . 38402 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُطِيعٍ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَضَى بِالْقَسَامَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ . 38403 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . 38404 - يُرْوَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي امْرَأَتَيْنِ ، أَخْرَجَتْ إِحْدَاهُمَا يَدَهَا تَشْخَبُ دَمًا ، فَقَالَتْ : أَصَابَتْنِي هَذِهِ ، وَأَنْكَرَتِ الْأُخْرَى ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، ادْعُهَا ، فَاقْرَأْ عَلَيْهَا : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَسَرَّهُ . 38405 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . 38406 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قِبْطِيٍّ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : وَايْمُ اللَّهِ ، مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ ، إِنَّهُ قَالَ : مَا كَانَ الشَّأْنُ هَكَذَا ، وَلَكِنَّ سَهْلًا أَوْهَمَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ : احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْن أَظْهُرِكُمْ ، فَدُوهُ ، فَكَتَبُوا لَهُ يَحْلِفُونَ مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ . 38407 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ لَا تُدْفَعُ بِالْإِنْكَارِ لَهَا ، لِأَنَّ الْإِنْكَارَ لَهَا جَهْلٌ بِهَا ، وَسَهْلٌ قَدْ شَهِدَ بِمَا عَلِمَ ، وَحَضَرَ الْقِصَّةَ ، وَرَكَدَتْهُ مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالنبي يأمر بالحلف خمسين يمينا · ص 324 38408 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ وَالْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ ، أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، قَالَ : فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ ، وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ ، هَلَكَتِ الدِّمَاءُ ، وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا ، وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ ، يُبَدَّؤُون بِهَا فِيهَا لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدَّمِ ، وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ . 38409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : السُّنَّةُ إِذَا ثَبَتَتْ ، فَهِيَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ عِبَادَةٌ ، يَدْنُو الْعَامِلُ بِهَا مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ ، وَيَنَالُ الْمُسْلِمُ بِهَا دَرَجَةَ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ ، وَالِاعْتِلَالُ لَهَا ظَنٌّ ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الظَّنَّ مِنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِأَصْلٍ عِنْدَهُ ، وَلَوْ كَانَ أَصْلًا عِنْدَهُ ، لَقَاسَ عَلَيْهِ أَشْبَاهَهُ وَيُصَدَّقُ الَّذِي يَدَّعِي قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَلَبَهُ ، وَقَتَلَ وَلَيَّهُ فِي طرِيق ، لِأَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، وَيَسْتَتِرُ لِمَا يَفْعَلُهُ جَهْرَةً . 38410 - وَلَيْسَ يَقُولُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّ مُدَّعِيَ السَّرِقَةِ أَوِ الْقَطْعِ فِي الطَّرِيقِ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ وَيَأْخُذُ بِيَمِينِهِ مَا ادَّعَاهُ . 38411 - وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَنْ سُلِبَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ ، أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ . 38412 - إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : إِنَّ الْمَسْلُوبِينَ إِذَا شَهِدُوا عَلَى السَّالِبِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، قُبِلُوا ، وَلَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ لِمَا ادَّعَى . 38413 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَكَذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ عَلَى مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعِ الْحَالِيِّ . 38414 - وَقَدْ يَجْتَرِئُ النَّاسُ عَلَى الْأَمْوَالِ ، كَمَا يَجْتَرِئونَ عَلَى الدِّمَاءِ . 38415 - وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . 38416 - وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يُبَدَّؤونَ فِيهَا ، لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدِّمَاءِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَنْصَارِ ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْيَهُودِ . 38417 - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى ذَلِكَ مِنَ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ . 38418 - وَقَدْ أَنْكَرَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا عَلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلَهُ : إِنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي لَوْثٌ يَشْهَدُونَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لا يُؤْخَذُ بِهِمْ حَقٌّ ، لِأَنَّ الْمَقْتُولَ وَوَلِيَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَى أَحَدٍ ، وقَالَ : دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ ، وَلَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ يَأْتُونَ بِلَوْثٍ . 38419 - قَالُوا : فَقَدْ جَعَلَ مَالِكٌ سُنَّةَ مَا لَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلَهُ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَاهُ ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، أَنْ يُبَدَّأَ الْمُدَّعُونَ فِي الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ ، وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً . 38420 - قَالَ : فَكَيْفَ قَالَ : اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، وَابْنُ شِهَابٍ يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَّأَ الْيَهُودَ بِالْأَيْمَانِ ؟ 38421 - وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ أَثْبَتُ وَأَجَلُّ مِنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ . 38422 - وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رِوَايَتِهِ فَمِنْ رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِلْجُهَيْنِيِّ الَّذِي ادَّعَى دَمَ وَلَيِّهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ ، كَانَ أَجْرَى فَرَسَهُ ، فَوَطِئَ عَلَى أُصْبُعِ الْجُهَيْنِيِّ ، فَنُزِيَ مِنْهَا فَمَاتَ ، فَقَالَ عُمَرُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمْ : أَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ ، فَأَبَوْا ، وَتَحَرَّجُوا ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ : احْلِفُوا ، فَأَبَوْا ، فَقَضَى بِشَطْرِ الدِّيَةِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ . 38423 - قَالُوا : فَأَيُّ أَئِمَّةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَى مَا قَالَ ، وَلَمْ يَرَوْا فِيمَا قَالَ فِي ذَلِكَ ؟ وَلَا فِي قَوْلِ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَدِينَةِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ وَلَا أَحَدٌ يَعْلَمُ قَوْلَهُ ، مِمَّا يُرْوَى قَوْلُهُ . 38424 - وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِقَوْلِهِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ بِقَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أَحْيَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فقال : قَتَلَنِي فُلَانٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ . 38425 - وَهَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ شَعْوَذَةٌ ، لِأَنَّ الَّذِي ذُبِحَتِ الْبَقَرَةُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَضُرِبَ بِبَعْضِهَا ، كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا الْيَوْمَ ، فَلَا تَصِحُّ إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ بِحَضْرَةِ نَبِيٍّ . 38426 - وَقَتِيلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُقْسِمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا بِخَمْسِينَ . 38427 - وَمَالِكٌ لَا يُعْطِي أَحَدًا بِقَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ شَيْئًا ، دُونَ قَسَامَةِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ ، أَنَّهُ لَا يُعْطَى مُدَّعِي الدَّمِ شَيْئًا دُونَ قَسَامَةٍ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ شَرِيعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَسُنَّتَهُمْ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لَا يُقْضَى فِيهَا بِالدَّعَاوَى الْمُجَرَّدَةِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ قَوْلَ الْمَقْتُولِ عِنْدَ مَوْتِهِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، لَوْ قَالَ حِينَئِذٍ : وَلِي عَلَيْهِ مَعَ هَذَا أَوْ عَلَى غَيْرِهِ دِرْهَمٌ ، فَمَا فَوْقَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الدِّرْهَمِ ، وَلَمْ يَحْلِفْ عَلَى قَوْلِهِ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ ، فَيَسْتَحِقُّهُ ، فَأَيُّ سُنَّةٍ فِي قَوْلِ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ؟ بَلِ السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ . 38428 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ ، وَدَفَعُوهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يَقْضُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا . 38429 - وَمِمَّنْ أَنْكَرَهَا ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ قَتَادَةَ . 38430 - وَهُوَ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ ، وَفُقَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ . 38431 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُلَيَّةَ . 38432 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَوْلًى لِأَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى أَبِي قِلَابَةَ ، وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَقَالَ : نَاشَدْتُكَ بِاللَّهِ يَا أَبَا قِلَابَةَ ، لَا تُشْمِتْ بِنَا الْمُنَافِقِينَ . . ، فَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَكَرُوا الْقَسَامَةَ ، فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ أَهْلِ الشَّامِ ، وَوَجْهُمْ عِنْدَكَ : أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ شَهِدُوا أَنْ فُلَانًا سَرَقَ بِأَرْضِ كَذَا ، وَهُمْ عِنْدَكَ ، أَكُنْتَ قَاطِعَهُ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا بِأَرْضِ كَذَا ، وَهُمْ عِنْدَكَ هَاهُنَا ، أَكُنْتَ حَادَّهُ بِقَوْلِهِمْ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَمَا بَالُهُمْ إِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِأَرْضِ كَذَا وَهُمْ عِنْدَكَ ، أَقَدْتَهُ ؟ قَالَ : فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْقَسَامَةِ : إِنْ أَقَامُوا شَاهِدَيْ عَدْلٍ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ ، فَأَقِدْهُ ، وَلَا تَقْبَلْ شَهَادَةَ وَاحِدٍ مِنَ الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا . 38433 - ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ ؟ فَأَضَبَّ الْقَوْمُ ، قَالُوا : نَقُولُ : الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ ، قَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ وَتُفْتِي لِلنَّاسِ ؟ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ ، وَرُؤوسُ الْأَجْنَادِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ زَنَى وَلَمْ يَرَوْهُ ، أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ أَنَّهُ سَرَقَ ، وَلَمْ يَرَوْهُ ، أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ ؟ قَالَ : لَا . 38434 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : وَقَدْ تَيَسَّرَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ لِيَحْلِفُوا فِي الْقَسَامَةِ ، فَقَالَ سَالِمٌ : يَا آلَ عِبَادِ اللَّهِ ! لَقَوْمٌ يَحْلِفُونَ عَلَى مَا لَمْ يَرَوْهُ ، وَلَمْ يَحْضُرُوهُ ، وَلَمْ يَشْهَدُوهُ ، وَلَوْ كَانَ لِي أَوْ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، لَعَاقَبْتُهُمْ ، أَوْ لَنَكَلْتُهُمْ ، أَوْ لَجَعَلْتُهُمْ نَكَالًا ، وَمَا قَبِلْتُ لَهُمْ شَهَادَةً . 38435 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الَّذِينَ دَفَعُوا الْقَسَامَةَ جُمْلَةً ، وَأَنْكَرُوهَا ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهَا ، فَإِنَّمَا رَدُّوهَا بِآرَائِهِمْ لِخِلَافِهَا لِلسُّنَّةِ بِخِلَافِ هَذِهِ السُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُنْكِرِ . 38436 - وَالِاعْتِرَاضُ بِهَذَا عَلَى رَدِّ الْقَسَامَةِ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ الَّذِي سَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي الْأَمْوَالِ ، هُوَ الَّذِي خَصَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقَسَامَةِ ، وَبَيَّنَهُ لِأُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38437 - وَكَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى الدِّمَاءِ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارَتْ سُنَّةً ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الَّتِي سَنَّ فِيهَا يَمِينًا وَاحِدَةً . 38438 - وَالْأُصُولُ لَا يُرَدُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَلَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، بَلْ يُوضَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَوْضِعَهُ ، كَالْعَرَايَا وَالْمُزَابَنَةِ ، وَكَالْمُسَاقَاةِ وَكَالْقِرَاضِ مَعَ الْإِجَارَاتِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّسْلِيمُ فِي كُلِّ مَا سَنَّ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38439 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : دَعَانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدَعَ الْقَسَامَةَ ، يَأْتِي رَجُلٌ مِنْ أَرْضِ كَذَا ، وَآخَرُ مِنْ أَرْضِ كَذَا ، فَيَحْلِفُونَ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ ، قَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَأَنْتَ إِنْ تَرَكَتْهَا ، أَوْشَكَ رَجُلٌ أَنْ يُقْتَلَ عِنْدَ بَابِكَ ، فَيُطَلُّ دَمُهُ ، وَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي الْقَسَامَةِ حَيَاةً .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالنبي يأمر بالحلف خمسين يمينا · ص 330 38440 - وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ، فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمُ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ ، فَيَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ ، وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ : أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ ، وَلَا يَبْرَؤُونَ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ . 38441 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الدِّمَاءِ ، أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهَا إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، كَمَا لَا يُسْتَحَقُّ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّهَا تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّمَاءُ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا . 38442 - وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ الَّذِي وَصَفَهُ هُوَ عِنْدَهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعَ . 38443 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ ، إِلَّا خَمْسِينَ يَمِينًا ، كَمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعُونَ ، وَإِنْ كَانَ الْكُوفِيُّونَ لَا مَدْخَلَ عِنْدَهُمْ لِلْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِينَ وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، يَحْلِفُونَ وَيَغْرَمُونَ ، بِحَدِيثِ ابْنِ عُبَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فِي قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، فَدُوهُ ، وَلِقَوْلِ الْأَنْصَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ : فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيَةً عَلَى الْيَهُودِ ، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، قَوْلُهُ : إِمَّا أَنْ تَفْدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ وَلِقَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، إِذْ حَلَّفَ الْهَمْدَانِيِّينَ ، وَأَغْرَمَهُمُ الدِّيَةَ . 38444 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْلِفُ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ قُصِدَ قَصْدُهُ بِالدَّعْوَى ، فَإِنِ ادَّعَوْا عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ ، حَلَفُوا عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَإِنِ ادَّعَوْا عَلَى سِتِّينَ رَجُلًا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ فَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ يَمِينٌ ، وَإِنِ اسْتُحَقَّ ، غَرِمَ الدِّيَةَ عَنِ الدَّمِ ، صِغَارٌ وَكِبَارٌ ، وَحُضُورٌ وَغُيَّبٌ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْغُيَّبِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الدِّيَةِ ، فَإِذَا كَبِرَ الصَّغِيرُ ، أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ ، حَلَفَ مِنَ الْأَيْمَانِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنَ الدِّيَةِ ، وَلَا يَحْلِفُ مِنَ الْمُدَّعِينَ إِلَّا الْوَرَثَةُ ، رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْغَائِبُ وَالصَّغِيرُ مِنَ الْيَمِينِ ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَبَرؤوا ، فَإِنْ نَكَلُوا غَرَمُوا . 38445 - قَالَ : وَإِنِ ادَّعَوْا عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا ، أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ ، حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . 38446 - وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب تَبْدِئَةِ أَهْلِ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ · ص 330 1587 - قَالَ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ ، وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ : أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ ، وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِيَ وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ مِنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَنْ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ ، وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ . قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ : أَنَّ الْمُبَدَّئِينَ بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ ، وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ . قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثِيِّينَ فِي قَتْلِ صَاحِبِهِمْ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ ، لَا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ ، يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ، إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْهُ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ الْأَيْمَانِ ، وَلَكِنْ الْأَيْمَانُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ . قَالَ يَحْيَى : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ وَالْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ ، قَالَ : فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ هَلَكَتْ الدِّمَاءُ وَاجْتَرَأَ النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا ، وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتْ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يُبَدَّءُونَ بِهَا فِيهَا لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنْ الدَّمِ ، وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ . قَالَ يَحْيَى : وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمْ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ ، فَيَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ : أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ وَلَا يَبْرَءُونَ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا . قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ، قَالَ : وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ ، وَهُمْ وُلَاةُ الدَّمِ الَّذِينَ يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ ، وَالَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ . 1631 1587 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ بُشَيْرِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ( ابْنِ يَسَارٍ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْمَدَنِيِّ الْحَارِثِيِّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ التَّابِعِيِّ ثِقَةٌ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ انْتَهَى ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، زَادَ حَمَّادٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ بُشَيْرٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : مَعَ سَهْلٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ) فِي أَصْحَابٍ لَهُمَا يَمْتَارُونَ تَمْرًا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ : وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ وَالْمُرَادُ بَعْدَ فَتْحِهَا . ( فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ ( فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ : فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَنْشَطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ( فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ ) الْمَدِينَةَ ( فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ) ابْنَا مَسْعُودٍ ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ) أَخُو الْمَقْتُولِ ( إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِيُخْبِرُوهُ بِذَلِكَ ( فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ ) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبَّرْ ) بِالْجَزْمِ أَمْرٌ وَكَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ قَدِّمِ الْأَسَنَّ يَتَكَلَّمُ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَقَالَ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الْكَافِ وَتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ الْأَكْبَرِ ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، يَعْنِي كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ ، وَزَادَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ : فَسَكَتَ ( فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ، وَمُحَيِّصَةُ ) بِشَدِّ الْيَاءِ فِيهِمَا عَلَى أَشْهَرِ اللُّغَتَيْنِ ( فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ) أَيْ أَخْبَرَاهُ بِقِصَّةِ قَتْلِهِ . وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ : فَصَمَتَ أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُمَا فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَحْلِفُونَ ) بِهَمْزِ الِاسْتِفْهَامِ ( خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ ) قَالَ : دَمَ ( قَاتِلِكُمْ ) أَيْ قَاتِلِ قَرِيبِكُمْ ، فَشَكَّ الرَّاوِي ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَعْنَى يَثْبُتُ حَقُّكُمْ عَلَى مَنْ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْحَقُّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قِصَاصًا أَوْ دِيَةً انْتَهَى . وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مُتَعَسِّفٌ حَمَلَهُ عَلَيْهِ نُصْرَةُ مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِالْقَسَامَةِ فِي عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ إِنَّمَا فِيهَا الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي فِي الْعَمْدِ ، وَعَاقِلَتُهُ فِي الْخَطَأِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ الدَّمِ الْقِصَاصُ وَالتَّبَادُرُ آيَةُ الْحَقِيقَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ ) قَتْلَهُ ( وَلَمْ نَحْضُرْ ) هُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ : وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ ؟ وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ فَقَالَ : تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ، قَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ . وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقِمْ شَاهِدِينَ عَلَى قَاتِلِهِ أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرُمَّتِهِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُصِبْ شَاهِدِينَ وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ أَثْبَتُ وَهُمْ بِهِ أَقْعَدُ وَنَقْلُهُمْ أَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ بُشَيْرٍ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذِكْرُ الْبَيِّنَةِ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ خَيْبَرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْ مَعَ الْيَهُودِ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ لَكِنْ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا يَمْتَارُونَ تَمْرًا فَيَجُوزُ أَنَّ طَائِفَةً أُخْرَى خَرَجَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانَ فَامْتَنَعُوا فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُبْرِئُكُمْ ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ تَبْرَأُ إِلَيْكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ ( يَهُودُ ) بِالرَّفْعِ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ عَلَى إِرَادَةِ اسْمِ الْقَبِيلَةِ وَالطَّائِفَةِ ، وَضُبِطَ أَيْضًا فَتُبْرِيكُمْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ مَكْسُورَةً أَيْ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ ( بِخَمْسِينَ ) يَمِينًا يَحْلِفُونَهَا ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ عَلَى مَا لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يبرون مِنْ دَمِهِ ، قَالُوا : مَا كُنَّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ الْيَهُودِ مَا فِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إِثْمٍ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَكَرِهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ ( قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : فَزَعَمَ ) أَيْ قَالَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّابِتِ كَخَبَرِ زَعْمِ جِبْرِيلَ ( بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاهُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ أَنْ أَعْطَاهُمْ دِيَتَهُ ( مِنْ عِنْدِهِ ) مِنْ خَالِصِ مَالِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَوَلِيُّ أَمْرِهِمْ . وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : قَالَ سَهْلٌ فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ قَدْ دَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْقَسَامَةِ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الدَّعَاوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا وَهُوَ يَخُصُّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سُنَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ جَاءَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ فَقَدْ عَضَّدَهُ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، لَكِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْإِمَامُ حَيْثُ ( قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ أَرْضَى ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ( فِي الْقَسَامَةِ وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ) وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ قَوْلُهُ : ( أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيْمَانِ الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُونَ ) فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَبَطَلَ الدَّمُ ، فَإِنْ أَبَوْا فَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ ( وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ ) أَيْ تَثْبُتُ لِوَلِيِّ الدَّمِ ( إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ ) قَبْلَ مَوْتِهِ ( دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، أَوْ يَأْتِي وُلَاةُ الدَّمِ بِلَوْثٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ آخِرَهُ مُثَلَّثَةٌ ( مِنْ بَيِّنَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ ) بَيَانٌ لِلَّوْثِ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : اللَّوْثُ الْبَيِّنَةُ الضَّعِيفَةُ غَيْرُ الْكَامِلَةِ ( فَهَذَا يُوجِبُ ) يُثْبِتُ ( الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَنِ ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ) أَعَادَهُ تَأْكِيدًا ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا جَعَلَ مَالِكٌ قَوْلَهُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ شُبْهَةً وَلَطْخًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ طَبْعِ النَّاسِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ الْإِنَابَةُ وَالتَّوْبَةُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( سورة الْمُنَافِقُونَ : الْآيَةُ 10 ) وَقَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ( سورة النِّسَاءِ : الْآيَةُ 18 ) فَهَذَا مَعْهُودٌ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ وَلَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدَعَ قَاتِلَهُ وَيَعْدِلَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا نَادِرٌ فِي النَّاسِ لَا حُكْمَ لَهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ أَنَّ المبديين بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّمِ وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَهْلِ الدَّمِ ، وَأَعَادَ ذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمَهُ قَرِيبًا لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَلِلِاحْتِجَاجِ لَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثِيِّينَ ) نِسْبَةً إِلَى حَارِثَةَ ، بِمُثَلَّثَةٍ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ ؛ يَعْنِي الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ طَرِيقَيْهِ ( فِي قَتْلِ صَاحِبِهِمُ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ( سورة الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 179 ) وَقَوْلِهِ : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ( سورة الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 82 ) فَلِلْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ بَدَّأَهُمْ بِالْأَيْمَانِ ، وَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ سَبَبًا تُقَوَّى بِهَا دَعْوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَطْخٌ يَلِيقُ بِهِمْ غَالِبًا لِعَدَاوَتِهِمْ ، وَمِنْ سُنَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ قَوِيَ سَبَبُهُ فِي دَعْوَاهُ وَجَبَتْ تَبْدِيَتُهُ بِالْيَمِينِ ، وَلِهَذَا جَاءَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ مَا فِي هَذَا مِنْ قَطْعِ التَّطَرُّقِ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَقَبْضِ أَيْدِي الْأَعْدَاءِ عَلَى إِرَاقَةِ دِمَاءِ مَنْ عَادَوْهُ عَلَى الدُّنْيَا . وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ : يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْحَلِفِ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَعَارَضُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ : أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ؟ فَأَبَوْا فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ ؟ فَقَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْيَهُودِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْجَوَابُ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ أَصَحُّ ، وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ نَفْسُهُ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَضَى بِمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْأَثْبَتُ وَالْأَوْلَى ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَانَ الشَّأْنُ هَكَذَا ، وَلَكِنَّ سَهْلًا وَهِمَ مَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ فَدُوهُ فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحْلِفُونَ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَرُدُّ قَوْلَ سَهْلٍ الْمُخْبِرِ عَمَّا شَاهَدَ حَتَّى رَكَضَتْهُ مِنْهَا نَاقَةٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ لَمْ يَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا شَهِدَ الْقِصَّةَ ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . ( قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ ) فِي الْعَمْدِ ( وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا يُقْتَلُ فِيهِ اثْنَانِ ) لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ : فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ فَيُدْفَعُ لَكُمْ بِرُمَّتِهِ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُسَلَّمُ إِلَيْكُمْ فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَعْيِينِ رَجُلٍ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ بِرُمَّتِهِ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْوَاحِدَ أَوْلَى مَنْ يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ بِالْقَسَامَةِ عَلَيْهِ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ . ( يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ) كُلُّ رَجُلٍ يَمِينًا ( فَإِنْ قل عَدَدُهُمْ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعِينَ الْأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ أَيِ الَّذِينَ حَلَفُوا وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ ( إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْمَقْتُولِ وُلَاةِ الدَّمِ ) بِالْخَفْضِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ ( الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوَ عَنْهُ ) كَابْنٍ مَعَ أَخٍ ( فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ) لِسُقُوطِهِ بِنُكُولِهِ كَمَا لَوْ عَفَا ( وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ ) لِوُجُودِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَيُنَزَّلُ نُكُولُهُ كَالْعَدَمِ وَتُرَدُّ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ حَلَفَ . ( فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَيْمَانِ ، وَلَكِنَّ الْأَيْمَانَ إِذَا كَانَ ) وُجِدَ ( ذَلِكَ ) أَيْ نُكُولُ بَعْضِ وُلَاةِ الدَّمِ ( تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ) كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فتبريكم يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ . ( فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ ) حَتَّى تُكْمِلَ الْخَمْسِينَ يَمِينًا ( فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ إِلَّا الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ ) الدَّمُ ( حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّمِ ) فِي أَنَّ أَيْمَانَهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُدَّعِينَ ( وَ ) بَيْنَ ( الْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ ) فَاكْتَفَى فِيهَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ( أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ) بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالرَّهْنِ أَوِ الضَّامِنِ . ( وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ ) يَطْلُبُ ( الْخَلْوَةَ ) حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ . ( فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ ) الْمَالِيَّةِ مِنَ الْبَيِّنَةِ أَوْ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ ( هَلَكَتِ الدِّمَاءُ ) ضَاعَتْ ( وَاجْتَرَأَ ) بِالْهَمْزِ أَسْرَعَ وَهَجَمَ ( النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى وُلَاةِ الْمَقْتُولِ يُبَدَّءُونَ فِيهَا ) بِالْحَلِفِ فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدَّمِ وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ ) دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَأَقْسَامِ أَوْلِيَائِهِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمُ الْعَدَدُ يُتَّهَمُونَ بِالدَّمِ فَتَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ نَفَرٌ لَهُمْ عَدَدٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُقْطَعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ وَلَا يبرون ) يُخَلَّصُونَ ( دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَهُ . ( وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ وَهُمْ وُلَاةُ الدَّمِ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ ) قَالَ أَبُو عَمْرٍو : مِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا فِي وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ مَعَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِذَلِكَ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .