مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ مَدَّنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ . وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَيُقَالُ : الْهُدَيْرُ بْنُ مُحْرِزِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ التَّيْمِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَعُبَّادِهَا وَفُقَهَائِهَا ، وَخِيَارِهَا ، كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : إِنَّهُ ( كَانَ ) مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، وَكَانَ مُقِلًّا ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ جَوَادًا . تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ أَوْ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . وَذَكَرَ الْأُوَيْسِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ عِنْدَ الْحَدِيثِ ، وَكُنْتُ إِذَا وَجَدْتُ مِنْ نَفْسِي قَسْوَةً آتِيهِ فَأَنْظُرُ إِلَيْهِ فَأَتَّعِظُ بِهِ وَأَنْتَفِعُ بِنَفْسِي أَيَّامًا ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ أَمِينًا عَلَى مَا رَوَى وَنَقَلَ مِنْ أَثَرٍ فِي الدِّينِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِمَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةُ أَحَادِيثَ ؛ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُسْنَدَةٌ وَوَاحِدٌ مُرْسَلٌ . 1639 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ . مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ ، فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ ، فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ : إِنَّهَا طَيِّبَةٌ تَنْفِي الْخَبَثَ ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ طَيِّبَةٌ غَرِيبٌ لَمْ يَقُلْهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى حُدُودِ الْإِسْلَامِ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُبَايِعُهُمْ عَلَى شُرُوطِ الْإِسْلَامِ وَمَعَالِمِهِ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ وَفَرَائِضِهِ ، الْبَيْعَةَ عَلَى هِجْرَةِ الْأَوْطَانِ وَالْبَقَاءِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَطَعَ اللَّهُ وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهَاجِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْهُمْ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَاقٍ مَعَ مُشْرِكٍ . وَكَانَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، إِلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْتَرِطُهَا قَدْ وَرَدَ فِي الْآثَارِ ذِكْرُهَا ، كَبَيْعَتِهِ لِلنِّسَاءِ وَغَيْرِهَا . وَقَدْ وَرَدَ بِالنَّصِّ بَيْعَتُهُ لِلنِّسَاءِ ( الْمُهَاجِرَاتِ ) ، وَسَكَتَ عَنِ الرِّجَالِ لِدُخُولِهِمْ فِي الْمَعْنَى كَدُخُولِ مَنْ أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ . وَقَدْ ذَكَرَ جَرِيرٌ أَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ النُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِعْلَامُ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ ، وَشَرَائِعِهِ وَآدَابِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ ; لِأَنَّهُنَّ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جِهَادُ كَافِرٍ وَلَا بَاغٍ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَتُهُنَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى وُجُوهٍ ، مِنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عَلَى الْقِتَالِ ، وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ، وَعَلَى نَحْوِ ذَلِكَ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ بَايَعَ النَّاسَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَقَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، فَكَانَ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِسْلَامِ دَارٌ ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَهَا ، وَيَدَعُوا دَارَ الْكُفْرِ ، وَعَلَى هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَتْ بَيْعَةُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ، فَلَمَّا لَحِقَهُ مِنَ الْوَعْكِ مَا لَحِقَهُ تَشَاءَمَ بِالْمَدِينَةِ وَخَرَجَ عَنْهَا مُنْصَرِفًا إِلَى وَطَنِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمُ الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ لَمْ يُبَايِعْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْبَيْعَةِ عَلَى الْهِجْرَةِ الْإِقَامَةُ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَهِيَ الْمَدِينَةُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ ، حَتَّى يَصْرِفَهُمْ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ غَزْوِ الْكُفَّارِ وَحِفْظِ الْمَدِينَةِ ، وَسَائِرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ رَاجِعِينَ إِلَى دَارِ أَعْرَابِيَّتِهِمْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكُونُونَ بِذَلِكَ مُرْتَدِّينَ إِلَى الْأَعْرَابِيَّةِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مَلْعُونًا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : آكِلُ الرِّبَا وَمُوَكِّلُهُ وَكَاتِبُهُ وَشَاهِدَاهُ إِذَا عَلِمُوا بِهِ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ وَالْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : بَلَغَنِي قُدُومُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَأَنَا فِي غَنِيمَةٍ لِي فَرَفَضْتُهَا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : جِئْتُ أُبَايِعُكَ ، فَقَالَ : بَيْعَةً أَعْرَابِيَّةً أَوْ بَيْعَةَ هِجْرَةٍ ؟ قُلْتُ : بَيْعَةَ هِجْرَةٍ ، قَالَ : فَبَايَعْتُهُ وَأَقَمْتُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي قَوْلِ عُقْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَبَايَعْتُهُ وَأَقَمْتُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَةَ عَلَى الْهِجْرَةِ تُوجِبُ الْإِقَامَةَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ الْبَيْعَةَ الْأَعْرَابِيَّةَ تَخَالِفُهَا لَا تُوجِبُ الْإِقَامَةَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهَا ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ ، بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَامُوا عِنْدَهُ أَيَّامًا ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ ، وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ كَانَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُقَامِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، فَمِنْ هُنَا أَبَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِقَالَةِ بَيْعَتِهِ ، وَفِي إِبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إِقَالَةِ الْبَيْعَةِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنَ الْعُقُودِ عُقُودًا إِلَى الْمَرْءِ عَقْدُهَا ، وَلَيْسَ لَهُ حَلُّهَا وَلَا نَقْضُهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا يَجِبُ عَقْدُهُ وَلَا يَحِلُّ نَقْضُهُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ فَسْخُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَانَ إِلَيْهِ فِي الْعَقْدِ ، فَلَيْسَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فِي النَّقْضِ . وَلَيْسَ كُلُّ مَا لِلْإِنْسَانِ عَقْدُهُ لَهُ فَسْخُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يقيله بَيْعَتَهُ ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ مُفْتَرَضَةً يَوْمَئِذٍ كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبِيحَ لَهُ شَيْئًا حَظَرَتْهُ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ إِذَا دَخَلَ فِيهَا ، وَلَزِمَتْهُ أَحْكَامُهَا إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّ الْوَحْيَ بَعْدَهُ قَدِ انْقَطَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهَا بُقْعَةٌ مُبَارَكَةٌ لَا يَسْتَوْطِنُهَا إِلَّا الْمَرْضِيُّ مِنَ النَّاسِ ، وَهَذَا عِنْدِي إِنَّمَا كَانَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْذُ نَزَلَهَا ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَسَائِرِ دِيَارِ الْكُفْرِ ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَقِيَ فَضْلُ قَبْرِهِ وَمَسْجِدِهِ ، وَالْمَدِينَةُ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَنْفِي حُثَالَةَ النَّاسِ ورذالتهم ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الطَّيِّبُ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْخَبَثُ رَذَالَةُ الْحَدِيدِ وَوَسَخُهُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عِنْدَ النَّارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَنْصَعُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي يَبْقَى وَيَثْبُتُ وَيَظْهَرُ ، وَأَصْلُ النُّصُوعِ فِي الْأَلْوَانِ الْبَيَاضُ ، يُقَالُ : أَبْيَضُ نَاصِعٌ وَيَقُقْ ، كَمَا يُقَالُ : أَحْمَرُ قَانِئٌ ، وَأَسْوَدُ حَالِكٌ ، وَأَصْفَرُ فَاقِعٌ ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثُّبُوتُ وَالصِّحَّةُ ، وَالنَّاصِعُ الْخَالِصُ السَّالِمُ ، قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ : أَتَاكَ بِقَوْلٍ هَلْهَلِ النَسْجِ كَاذِبٍ وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ نَاصِعُ أَيْ : خَالِصٌ سَالِمٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ . وَأَمَّا الْخَبَثُ فَلَا يَثْبُتُ ، وَمَا لَا يَثْبُتُ فَلَيْسَ ظُهُورُهُ بِظُهُورٍ ، وَشَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالْكِيرِ وَالنَّارِ الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا طَيِّبُهُ وَيَدْفَعُ الْخَبَثَ ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَدِينَةُ لَا يَبْقَى فِيهَا وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا الطَّيِّبُ مِنَ النَّاسِ لِصُحْبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْفَهْمِ عَنْهُ ، فَلَمَّا مَاتَ خَرَجَ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِهِ لِنَشْرِ عِلْمِهِ وَالتَّبْلِيغِ لِدِينِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ نَفَتِ الْمَدِينَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَخْذِ عَنْهُ ، بَلْ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْمَدِينَةِ الْبَاقِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . قِيلَ لَهُ : لَا يُنْكِرُ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَالَمٌ ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا لَيْسَ إِلَّا عْلَى مَا قُلْنَا ، بِدَلِيلِ خُرُوجِ الْفُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ الطَّيِّبِينَ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ : إِنَّهُمْ كَانُوا خُبَثَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، وَقَدْ يَقُولُ الْعَالِمُ الْقَوْلَ عَلَى الْإِشْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ خُرُوجُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ - فِيمَا ذَكَرُوا - أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ كَهْفٌ لِلْمُنَافِقِينَ ، فَجَاوَبَهُ الْوَلِيدُ إِنِّي أَعْزِلُهُ ، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْمُرِّيَّ ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمَذْكُورِ ، فَلَمَّا صَارَ عُمَرُ بِالسُّوَيْدَاءِ قَالَ لِمُزَاحِمٍ : يَا مُزَاحِمُ ، أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ نَفَتِ الْمَدِينَةُ ؟ وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : مَا رَأَيْتُ ثَلَاثَةً فِي بَيْتٍ خَيْرًا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَوْلَاهُ مُزَاحِمٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ ، قَالَ : جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي أُمَيَّةَ يَوْمَ فَتَحَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ : أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الصباح ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ ، قَالَ : قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَتْ : لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ ، كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ · ص 221 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث جابر إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا · ص 20 1639 1638 - مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا . 38543 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْأَعْرَابِيُّ كَانَتْ لِبَيْعَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ لِوَطَنِهِ ، وَالْمُقَامِ مَعَهُ ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعَاتِ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ . 38544 - وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهَهَا وَشَوَاهِدَهَا فِي التَّمْهِيدِ فِي بَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَكَانَ عَلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَرْضًا إِذَا أَسْلَمُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَارٌ غَيْرَهَا ، وَيُقِيمُ مَعَهُمْ ، لِصَرْفِهِمْ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ غَزْوِ الْكُفَّارِ ، وَحِفْظِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ أَرَادَهَا مِنْهُمْ ، وَلِإِرْسَالِ مَنِ احْتَاجَ إِلَى إِرْسَالِهِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سِيرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِ مَكَّةَ . 38545 - وَكَانَ بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ فِي دَارِ الْكُفْرِ مُسْلِمًا حَرَامًا عَلَيْهِ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٌ فِي دَارِ الشِّرْكِ . 38546 - وَكَذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِمْ حَرَامًا رُجُوعُهُمْ مِنْ هِجْرَتِهِمْ إِلَى أَعْرَابِيَّتِهِمْ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ ، وَكَاتِبُهُ ، وَشَاهِدَاهُ ، إِذَا عَلِمُوا بِهِ ، وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ ، وَالْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ - مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 38547 - وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا لَحِقَهُ مِنَ الْوَعْكِ ، أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهَا إِلَى وَطَنِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِمَّنْ رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ ، بَلْ كَانَ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّهُمْ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ . 38548 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 38549 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا . فَلَا خُبْثَ أَكْثَرُ دَنَاءَةً مِمَّنْ رَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَنْ صُحْبَتِهِ . 38550 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَيَنْصَعُ طِيبُهَا . فَالنَّاصِعُ : السَّالِمُ الْخَالِصُ الْبَاقِي عَلَى النَّارِ وَالنَّقِيُّ الطَّيِّبُ مِنَ الْحَدِيدِ . 38551 - قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ : أَتَاكَ بِقَوْلٍ هَلْهَلِ النَّسْخِ كَاذِبٍ وَلَمْ يَأْتِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ نَاصِعُ . 38552 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ . 38553 - وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي يَوْمَ الْفَتْحِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ . فَقَالَ : أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ . 38554 - وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَإِنَّمَا هُوَ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا · ص 348 1591 - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا . 1639 1591 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيِّ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) ، قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ - إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ . وَفِي الذَّيْلِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ حَازِمٍ الْمِنْقَرِيُّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا ، أَيْ زِيدٌ فِي اسْمِ أَبِيهِ أَدَاةُ الْكُنْيَةِ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا . ( بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِسُكُونِ الْعَيْنِ - حُمَّى ( بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : فَجَاءَ الْغَدُ مَحْمُومًا ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي ) عَلَى الْإِسْلَامِ - قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا اسْتَقَالَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَرُدِ الِارْتِدَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَلَّ مَا عَقَدَهُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ أَرَادَ الرِّدَّةَ وَوَقَعَ فِيهَا لَقَتَلَهُ إِذْ ذَاكَ ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِقَالَةِ مِنَ الْمَقَامِ بِالْمَدِينَةِ ، ( فَأَبَى ) امْتَنَعَ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَنْ يُقِيلَهُ ( ثُمَّ جَاءَهُ ) ثَانِيَةً ( فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ) امْتَنَعَ ( ثُمَّ جَاءَهُ ) الثَّالِثَةَ ( فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ) أَنْ يُقِيلَهُ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ فَهِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُقِلْهُ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ إِلَى الْكُفْرِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهِيَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ - كَذَا قَالَ عِيَاضٌ . وَرَدَّهُ الْأُبِّيُّ فَقَالَ : الْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَلَى الْهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ وَعْكٌ ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ رِدَّةً لِأَنَّ الرِّضَا بِالدَّوَامِ عَلَى الْكُفْرِ كُفْرٌ . انْتَهَى . ( فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ ) مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَدْوِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ أَوِ الْمَوْضِعُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهَا ( تَنْفِي ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ ( خَبَثَهَا ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَا تُبْرِزُهُ النَّارُ مِنْ وَسَخٍ وَقَذَرٍ ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ مِنَ الشَّيْءِ الْخَبِيثِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِمُنَاسَبَةِ الْكِيرِ . ( وَيَنْصَعُ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتَحِ الصَّادِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ ، أَيْ يَخْلُصُ ( طِيبُهَا ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ خَفِيفَةً وَالرَّفْعُ فَاعِلُ يَنْصَعُ ، وَفِي رِوَايَةٍ تَنْصَعُ بِالْفَوْقِيَّةِ طِيبَهَا بالنصب عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ مُخَفَّفًا أَيْضًا ، وَبِهِ ضَبْطَهُ الْقَزَّازُ لَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ النُّصُوعَ فِي الطِّيبِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةِ وَاوٍ ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى يَنْصَعُ يَصْفُو وَيَخْلُصُ ، يُقَالُ طِيبٌ نَاصِعٌ إِذَا خَلُصَتْ رَائِحَتُهُ وَصَفَتْ مِمَّا يُنْقِصُهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ طَيِّبُهَا بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ مَكْسُورَةً وَالرَّفْعِ فَاعِلٌ ، قَالَ الْأُبِّيُّ : وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ أَقْوَمُ مَعْنًى لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَبِيثِ أَيْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْكِيرِ وَالطِّيبِ ، شَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَمَا يُصِيبُ سَاكِنَهَا مِنَ الْجَهْدِ بِالْكِيرِ وَمَا يَدُورُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ فَيَذْهَبُ الْخَبِيثُ وَيَبْقَى الطَّيِّبُ ، وَكَذَلِكَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي شَرَارَهَا بِالْحُمَّى وَالْجُوعِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمُ ، انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا تَشْبِيهٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْكِيرَ بِشِدَّةِ نَفْخِهِ يَنْفِي عَنِ النَّارِ السُّخَامَ وَالدُّخَانَ وَالرَّمَادَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا خَالِصُ الْجَمْرِ ، هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِالْكِيرِ الْمِنْفَخُ الَّذِي يُنْفَخُ بِهِ النَّارُ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَوْضِعُ فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ يَنْزِعُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيُخْرِجُ خُلَاصَةَ ذَلِكَ ، وَالْمَدِينَةُ كَذَلِكَ تَنْفِي شِرَارَ النَّاسِ بِالْحُمَّى وَالْوَصَبِ وَشِدَّةِ الْعَيْشِ وَضِيقِ الْحَالِ الَّتِي تُخَلِّصُ النَّفْسَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الشَّهَوَاتِ وَتُطَهِّرُ خِيَارَهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الِاعْتِصَامِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ عَنْ يَحْيَى - الْأَرْبَعَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ .