1810 حَدِيثٌ حَادِي عَشَرَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . أَمَّا قَوْلُهُ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، فَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ الْكُفْرِ وَأَكْبَرَهُ كَانَ هُنَاكَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَهُمْ فَارِسُ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ ، وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ فَهُوَ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا ، وَلَا يَتَّبِعُونَ رَسُولًا ، فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَأَمَّا أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَهُمُ الْأَعْرَابُ أَهْلُ الصَّحَرَاءِ ، وَفِيهِمُ التَّكَبُّرُ ، وَالتَّجَبُّرُ ، وَالْخُيَلَاءُ ، وَهِيَ الْإِعْجَابُ ، وَالْفَخْرُ ، وَالتَّبَخْتُرُ ، وَأَمَّا أَهْلُ الْغَنَمِ فَهُمْ أَهْلُ سَكِينَةٍ ، وَقِلَّةِ أَذًى ، وَقِلَّةِ فَخْرٍ وَخُيَلَاءَ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهُوَ الصَّادِقُ فِي خَبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ الْفَدَّادِينَ ، فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : الْفَدَّادُونَ هُمْ أَهْلُ الْجَفَاءِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ - يُرِيدُ بِالْوَبَرِ الْإِبِلَ - وَهُوَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُمُ الْفَدَّادُونَ بِالتَّشْدِيدِ ، وَهُمُ الرِّجَالُ ، وَالْوَاحِدُ فَدَّادٌ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : هُمُ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتُهُمْ فِي حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَمَا يُعَالَجُونَ مِنْهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : وَيُقَالُ مِنْهُ فَدَّ الرَّجُلُ يَفِدُّ فَدِيدًا إِذَا اشْتَدَّ صَوْتُهُ ، وَأَنْشَدَ : أَنْبَئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدَ ظُلْمًا عَلَيْنَا لَهُمْ فَدِيدُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، قَالَ : الْفَدَّادُونَ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي يَمْلِكُ أَحَدُهُمُ الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إِلَى الْأَلْفِ ، يُقَالُ لِلرِّجَالِ فَدَّادٌ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ ، وَهُمْ مَعَ هَذَا جُفَاةٌ أَهْلُ خُيَلَاءَ ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ فِي الْفَدَّادِينَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمُ الْأَعْرَابُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِ أَصْوَاتِهِمْ عِنْدَ سَقْيِ إِبِلِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ مَعَ رِعَاءِ إِبِلِهِمْ ، وَالْفَدِيدُ الْأَصْوَاتُ وَالْجَلَبَةُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمُّوُا الْفَدَّادِينَ مِنْ أَجْلِ الْفَدَافِدِ ، وَهِيَ الصَّحَارِي وَالْبَوَادِي الْخَالِيَةُ ، وَاحِدُهَا فَدْفَدٌ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَهْلُ الْإِبِلِ أَهْلُ الْجَفَاءِ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ إِسْنَادُ هَذَا اللَّفْظِ بِالْقَائِمِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَزِمَ الْبَادِيَةَ جَفَا . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى التَّمَّارِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتَتَنَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا دُفِنَ فِيهَا الْإِنْسَانُ ، قَالَتْ لَهُ : رُبَّمَا مَشَيْتَ عَلَيَّ فَدَّادًا ، وَالْمَعْنَى ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَذَا خُيَلَاءَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : فَجَلَسْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّ الْقَبْرَ يُكَلِّمُ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِيهِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الظُّلْمَةِ ؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْحَقِّ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي ؟ لَقَدْ كُنْتَ تَمْشِي حَوْلِي فَدَّادَا ، قَالَ ابْنُ عَائِذٍ : قُلْتُ لِغُضَيْفٍ : مَا الْفَدَّادُ يَا أَبَا أَسْمَاءَ ؟ قَالَ : كَبَعْضِ مِشْيَتِكَ يَا ابْنَ أَخِي أَحْيَانًا ، قَالَ غُضَيْفٌ : فَقَالَ صَاحِبِي ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَمَاذَا لَهُ ؟ قَالَ : يُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَيُجْعَلُ مَنْزِلُهُ أَخْضَرَ ، وَيُعْرَجُ بِنَفْسِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ · ص 142 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ · ص 202 1810 ( 6 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ 1816 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . 40805 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُفْرَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ - وَهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَارِسُ وَمَا وَرَاءَهُمْ مِنَ الْعَجَمِ ، وَكُلُّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُ وَلَا شَرِيعَةَ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَكُفْرُهُ أَشَدُّ الْكُفْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِنَبِيٍّ ، وَلَا بِرَسُولٍ ، وَلَا كِتَابَ لَهُ وَلَا شَرِيعَةَ ، وَلَا يَدِينُ بِدِينٍ يَرْضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . 40806 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ فَإِنَّهُ أَرَادَ الْأَعْرَابَ أَهْلَ الْجَفَاءِ وَالتَّكَبُّرِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، وَكُلُّهُمْ أَوْ جُلُّهُمْ فَدَّادٌ ، مُتَكَبِّرٌ عَلِيٌّ مُتَجَبِّرٌ ، هَذَا مَعْنَى الْفَدَّادِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاللُّغَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْعِبَارَةِ فِي الْفَدَّادِينَ ، وَاشْتِقَاقِ الْاسْمِ فِيهِمْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ عَنْهُمْ . 40807 - وَأَحْسَنُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ; قَالَ : الْفَدَّادُ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ الْمُخْتَالُ ، ذُو الْخُيَلَاءِ . 40808 - قَالَ : وَمِنْهُ الْحَدِيثُ ; أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا دُفِنَ فِيهَا الْإِنْسَانُ ، قَالَتْ لَهُ : رُبَّمَا مَشَيْتَ عَلَيَّ فَدَّادًا . 40809 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : إِنَّ الْقَبْرَ يُكَلِّمُ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِيهِ ; فَيَقُولُ : ابْنَ آدَمَ ، مَا غَرَّكَ بِي ، لَقَدْ كُنْتَ تَمْشِي حَوْلِي فَدَّادًا فِي حَدِيثٍ قَدْ ذَكَرْتُهُ بِإِسْنَادِهِ وَتَمَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 40810 - وَقَالَ مَالِكٌ : الْفَدَّادُونَ أَهْلُ الْجَبَلِ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ . 40811 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَهْلُ الْإِبِلِ أَهْلُ الْجَفَاءِ . 40812 - رَوَى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَزِمَ الْبَادِيَةَ جَفَا . 40813 - وَقَدْ ذَكَرْتُهُ بِإِسْنَادِهِ وَتَمَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعِلمِ . 40814 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ فَالسَّكِينَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّكُونِ وَالْوَقَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 40815 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ . 40816 - وَالسَّكِينَةُ اسْمٌ يُمْدَحُ بِهِ ، وَيُذَمُّ بِضِدِّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأباب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ · ص 593 6 - باب مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ 1763 - حدثني مَالِك ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ . 6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ 1810 1763 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) - بِكَسْرِ الزَّايِ ، وَخِفَّةِ النُّونِ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأَسُ الْكُفْرِ ) أَيْ : مَنْشَؤُهُ وَابْتِدَاؤُهُ ، أَوْ مُعْظَمُهُ وَشِدَّتُهُ ، ( نَحْوَ الْمَشْرِقِ ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فَارِسَ ، وَأَنْ يُرِيدَ أَهْلَ نَجْدٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ فِتَنِ الْإِسْلَامِ ظَهَرَتْ مِنْ جِهَتِهِ كَفِتْنَةِ الْجَمَلِ ، وَصِفِّينَ ، وَالنَّهْرَوانِ ، وَقَتْلِ الْحُسَيْنِ ، وَقَتْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَفِتْنَةِ الْجَمَاجِمِ ، يُقَالُ : قُتِلَ فِيهَا خَمْسُمِائَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَإِثَارَةُ الْفِتَنِ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ كُفْرَانُ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ كُفْرَ الْجُحُودِ ، وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى وَقْعَةِ التَّتَارِ الَّتِي اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ ، فَفِي خَبَرٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنَّمَا ذَمَّ الْمَشْرِقَ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْوَى الْكُفْرِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ ، وَمَحَلَّ الْفِتَنِ ، ثُمَّ عَمَّهُ الْإِيمَانُ ، وَأَيَّمَّا كَانَ فَالْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ وَقَدْ وَقَعَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ كُفْرِ الْمَجُوسِ ؛ لِأَنَّ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَكَانُوا فِي غَايَةِ الْعِزَّةِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ حَتَّى مَزَّقَ مَلِكُهُمْ كِتَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ ، وَاسْتَمَرَّتِ الْفِتَنُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ . ( وَالْفَخْرُ ) - بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ - ادِّعَاءُ الْعَظَمَةِ ، وَالْكِبْرِ ، وَالشَّرَفِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ، وَمِنْهُ الْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ . ( وَالْخُيَلَاءُ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ ، وَالْمَدِّ ، والْكِبْرُ ، وَاحْتِقَارُ الْغَيْرِ . ( فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ ) بَدَلٌ مِنْ أَهْلِ ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالُ مُشَدَّدَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ الرِّوَايَةُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ جَمْعُ فَدَّادٍ ، وَهُوَ مَنْ يَعْلُو صَوْتُهُ فِي إِبِلِهِ وَخَيْلِهِ وَحَرْثِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : الْفَدَّادِينُ الْإِبِلُ الْكَبِيرَةُ مِنْ مِائَتَيْنِ إِلَى أَلْفٍ ، وَقِيلَ : مَنْ سَكَنَ الْفَدَافِدَ ، جَمْعُ فَدْفَدٍ وَهِيَ الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَحُكِيَ تَخْفِيفُ الدَّالِ جَمْعُ فَدَانٍ ، وَالْمُرَادُ : الْبَقَرُ الَّتِي يُحْرَثُ عَلَيْهَا ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : آلَةُ الْحَرْثِ وَالسِّكَّةِ ، فَالْمُرَادُ أَصْحَابُ الْفَدَّادِينَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ : وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا ذَمَّ هَؤُلَاءِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمُعَالَجَةِ مَا هُمْ فِيهِ عَنْ أُمُورِ دِينِهِمْ ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى قَسَاوَةِ الْقَلْبِ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْحَدِيثِ : الْجَفَاءُ وَالْقَسْوَةُ فِي الْفَدَّادِينَ : أَصْحَابُ الْحُرُوثِ وَالْمَوَاشِي . ( أَهْلِ الْوَبَرِ ) - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ - أَيْ : لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْمَدَرِ ، وَعَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِأَهْلِ الْوَبَرِ ، فَلَا يُشْكِلُ ذِكْرُ الْوَبَرِ بَعْدَ الْخَيْلِ ، وَلَا وَبَرَ لَهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيِّنَتُهُ ، زَادَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، أَيْ : فِي الْفَدَّادِينَ مِنْهُمْ . ( وَالسَّكِينَةُ ) فَعِيلَةٌ دُونَ أَهْلِ الْإِبِلِ فِي التَّوَسُّعِ وَالْكَثْرَةِ مِنَ السُّكُونِ ، أَيِ : الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ وَالتَّوَاضُعُ ، قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : لَا نَظِيرَ لَهَا ، أَيْ : فِي وَزْنِهَا إِلَّا قَوْلَهُمْ عَلَى فُلَانٍ قَرِيبَةٌ ، أَيْ : خَرَاجٌ مَعْلُومٌ ( فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ) ؛ لِأَنَّهُمْ غَالِبًا ، وَهُمَا سَبَبُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِمْ أَهْلَ الْيَمَنِ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ مَوَاشِيهِمُ الْغَنَمُ بِخِلَافِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ إِبِلٍ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : اتَّخِذِي الْغَنَمَ فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .