1833 - حَدِيثٌ ثَانٍ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ - فِيمَا يَقُولُونَ - قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . كَذَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ ، فَجَعَلَهَا كُلَّهَا أَحْيَانًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ فَمَا فَوْقَهَا ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ، أَوْ زَوْجٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ فِي مِقْدَارِ الْمَسَافَةِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي ذِي الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ ، هَلْ هُوَ مِنَ السَّبِيلِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْحَجِّ أَمْ لَا ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَحْرَمُ مِنَ السَّبِيلِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ النِّسَاءِ ذُو مَحْرَمٍ فَتَخْرُجُ مَعَهُ ، فَلَيْسَتْ مِمَّنِ اسْتَطَاعَ إِلَى الْحَجِّ سَبِيلًا ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ ، هَلْ يَكُونُ مَحْرَمًا لِأُمِّ امْرَأَتِهِ يُخْرِجُهَا إِلَى الْحَجِّ ، فَقَالَ : أَمَّا فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ فَأَرْجُو ; لِأَنَّهَا تَخْرُجُ إِلَيْهَا مَعَ النِّسَاءِ وَمَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا . قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : فَيَحُجُّ الرَّجُلُ بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ ؟ قَالَ : لَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَحِلُّ لَهُ ، قِيلَ لَهُ : فَالْأَخُ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَكُونُ مَحْرَمًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ لَهُ : فَيَكُونُ الصَّبِيُّ مَحْرَمًا ، قَالَ : لَا ، حَتَّى يَحْتَلِمَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ، فَكَيْفَ تَخْرُجُ مَعَهُ امْرَأَةٌ فِي سَفَرٍ ؟ لَا حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَتَجِبَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ ، أَوْ يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ إِذَا كَانَتْ مَعَ ثِقَاتٍ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، فَقَالَا : تَخْرُجُ مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِذَا خَرَجَتْ مَعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ ، وَتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ ، وَتَنْزِلُ ، وَلَا يَقْرَبُهَا رَجُلٌ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ ، وَتَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى ذِرَاعِهِ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا بَأْسَ بِهِ . وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ لَمْ تَحُجَّ وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ ، فَرُبَّمَا قَالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وَيَقُولُ : رُبَّ مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ أَوْثَقُ مِنْ مَحْرَمٍ . ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَابْنِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ الْمَحْرَمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ شَرَائِطِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ : الْإِجْمَاعُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَفِيهِ الِاسْتِطَاعَةُ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ فَسَادُ طَرِيقٍ وَلَا غَيْرُهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ وَاحِدٌ ، وَالْمَرْأَةُ مِنَ النَّاسِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا فِي تَقْدِيرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ وَتَحْدِيدُهَا ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ في مسافة أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَقَدَّرُوا ذَلِكَ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا ذَكَرْنَا . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ كُلَّ سَفَرٍ يَكُونُ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ بِسَفَرٍ حَقِيقَةً ، وَأَنَّ حُكْمَ مَنْ سَافَرَ حُكْمُ الْحَاضِرِ ; لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى إِبَاحَةِ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ ، فِيمَا دُونَ هَذَا الْمِقْدَارِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ فِي حَوَائِجِهَا إِلَى السُّوقِ ، وَمَا قَرُبَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمَأْمُونِ عَلَيْهَا فِيهَا فِي الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ فَظَعْنٌ وَسَفَرٌ وَانْتِقَالٌ يَكُونُ فِيهِ الِانْفِرَادُ ، وَتَعْتَرِضُ فِيهِ الْأَحْوَالُ ، فَكَانَ فِي حُكْمِ الْأَسْفَارِ الطِّوَالِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا زَادَ عَنِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنَ الْمُدَّةِ فِي نَوْعِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَفِي حُكْمِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَارُ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَحُجَّتُهُمُ الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ عَلَى حَسْبَمَا اجْتَلَبْنَا ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ الْمَذْكُورُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِمَعْنَى رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَرُبَّمَا قَالَ : مَسِيرَةُ يَوْمٍ ، فَمَا فَوْقَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، كَمَا قَالَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ : عَنْ مَالِكٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ عَلَى اخْتِلَافٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ زَوْجٍ ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا وَلَا غَيْرَهُ ، وَالْأَلْفَاظُ عَنْ سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ ، لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ مِنْ رِوَايَتِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ ، وَكُلُّ سَفَرٍ يَكُونُ دُونَ لَيْلَتَيْنِ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ . هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ . وَرَوَاهُ مِسْعَرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ فَوْقَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فصاعدا ، وَكُلُّ سَفَرٍ يَكُونُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ . هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ثَلَاثَةُ أَيَّامِ وَلَيَالِيهَا : مَسِيرُ الْإِبِلِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ : مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ . وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ سَفَرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا . وَبَعْضُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ ، يَقُولُ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ : فَوْقَ ثَلَاثٍ . وَرَوَى سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءٌ . هَذِهِ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ . وَرَوَى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ . وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ سُهَيْلٍ رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ سُهَيْلٍ . وَرَوَى بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ فِي الْإِسْلَامِ مَسِيرَةَ بَرِيدٍ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ . فَحَصَلَ حَدِيثُ سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْبَابِ مُضْطَرِبًا فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ . وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ، لَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ . وَقَدِ اضْطَرَبَتِ الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ ، كَمَا تَرَى فِي أَلْفَاظِهَا ، وَمَحْمَلِهَا عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى أَجْوِبَةِ السَّائِلِينَ ، فَحَدَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَقْتٍ مَا : هَلْ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِلَا مَحْرَمٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَقِيلَ لَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ : هَلْ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَقَالَ لَهُ آخَرُ : هَلْ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ؟ فَقَالَ : لَا . وَكَذَلِكَ مَعْنَى اللَّيْلَةِ وَالْبَرِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مَا سَمِعَ عَلَى الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَجْمَعُ مَعَانِي الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ ظَوَاهِرُهَا - الْحَظْرُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْمُسَالَةِ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ سَفَرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّلَاةِ التَّمَامُ بِالْيَقِينِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا تُقْصَرَ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ; لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُلَيَّةَ . وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ نَظَرًا وَاحْتِيَاطًا - فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ الِاتِّبَاعِ ، وَأَوْلَى مَا قِيلَ : فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الِاتِّبَاعِ : مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ فِي مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ ، قَالَ : وَبِهِ نَأْخُذُ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ شُذُوذٌ تَرَكْنَا حِكَايَتَهُ ، تَعَلَّقَ بِهِ دَاوُدُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةً إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا · ص 49 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا · ص 268 1833 1839 - مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 41094 - هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَجَمَاعَةُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 41095 - وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 41096 - وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 41097 - وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهَا تُسَافِرُ مَعَ زَوْجِهَا حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ قَصِيرِ الْمَسَافَةِ وَطَوِيلِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمٌ مِنْهَا . 41098 - وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ زَوْجِهَا ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 41099 - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُ مَعَ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ . 41100 - وَاخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ; 41101 - فَرَوَاهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ . 41102 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . 41103 - وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ . 41104 - لَمْ يَقُلْ : يَوْمًا وَلَا غَيْرَهُ ، وَلَا قَالَ فِي الْإِسْنَادِ : عَنْ أَبِيهِ . 41105 - وَرَوَاهُ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ . 41106 - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْهُ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . 41107 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَوْمًا . 41108 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَوْمَيْنِ . 41109 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : ثَلَاثَةً . 41110 - وَالْأَلْفَاظُ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا . 41111 - وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ قَزْعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا مَعَ زَوْجٍ ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ . 41112 - وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ قَزْعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ فَوْقَ يَوْمَيْنِ ، إِلَّا مَعَ زَوْجِهَا أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 41113 - وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ سَفَرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا ، أَوِ ابْنُهَا ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا . 41114 - وَبَعْضُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ يَقُولُ فِيهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا : فَوْقَ ثَلَاثٍ . 41115 - وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ; إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . 41116 - وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 41117 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحْرَمِ مِنَ الْمَرْأَةِ ; هَلْ تَكُونُ مِنَ السَّبِيلِ الَّتِي شَرَطَهَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْحَجِّ ; بِقَوْلِهِ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا 41118 - فَقَالَ قَوْمٌ : الْمَحْرَمُ مِنَ الْمَرْأَةِ مِنَ السَّبِيلِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْج أَوْ ذُو مَحْرَمٍ ، فَلَيْسَتْ مِمَّنِ اسْتَطَاعَتْ سَبِيلًا ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا عَنِ السَّفَرِ ، إِلَّا مَعَهُ . 41119 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَجَوَازَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ . 41120 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يَقْصُرُ فِيهَا الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ . 41121 - فَقَالَ قَوْمٌ : بَرِيدًا . 41122 - وَقَالَ آخَرُونَ : يَوْمًا . 41123 - وَقَالَ آخَرُونَ : يَوْمًا وَلَيْلَةً . 41124 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَوْمَيْنِ . 41125 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، عَلَى حَسَبِ مَا رَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ . 41126 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهَا هَاهُنَا . 41127 - وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ; أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُقْصَرُ فِي الْمَسَافَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَحُجَّتُهُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا لِلْمُسَافِرِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ ، قَالُوا : وَلَا يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ، وَإِنَّمَا قَصَرَ الصَّلَاةَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى مَكَّةَ . 41128 - وَالْأَصْلُ فِي الصَّلَاةِ التَّمَامُ ، فَالْوَاجِبُ أَلَّا تُقْصَرَ إِلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلَافِ . 41129 - وَقَدْ أَجْمَعُوا ; أَنَّ مَنْ سَافَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، فَهُوَ الْيَقِينُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدَانَ بِهِ . 41130 - وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافُهَا ، فَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ إِلَّا عَلَى أَجْوِبَةِ السَّائِلِينَ ، فَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْنَى مَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ سُؤَالِهِ ، كَأَنَّهُ سَأَلَ ; فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، فَقَالَ : لَا ، فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ بَرِيدًا ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ . 41131 - وَكَذَلِكَ السَّائِلُ عَنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَعَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْنَى مَا سَمِعَ مِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ . 41132 - وَالَّذِي جَمَعَ مَعَانِيَ آثَارِ هَذَا الْحَدِيثِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ - أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ تُمْنَعُ مِنْ كُلِّ سَفَرٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ الْفِتْنَةُ ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ ، قَصِيرًا كَانَ السَّفَرُ أَوْ طَوِيلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ · ص 620 1786 - وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 1833 1786 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) كِيسَانَ ( الْمَقْبُرِيِّ ) - بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَفَتْحِهَا - ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَبَّابَةَ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَصَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةَ إِسْقَاطِ عَنْ أَبِيهِ لِاتِّفَاقِ مَالِكٍ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَسُهَيْلٍ عَلَى إِسْقَاطِهِ ، وَانْتَقَدَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاجَهُمَا رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجَهُ رِوَايَةَ اللَّيْثِ بِإِثْبَاتٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ لَا يَقْدَحُ ، فَإِنَّ سَمَاعَ سَعِيدٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ ، فَقَالَ : سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ اهـ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنْ سَعِيدًا لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ ، وَيَنْقَادُ لَهُ ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهَا إِذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْمَوْقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ . ( تُسَافِرُ ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ ، فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، فَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ ، قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ ، ( مَسِيرَةَ ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ ، بِمَعِيشَةَ ؛ بِمَعْنَى الْعَيْشِ ، وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ . ( يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ - أَيْ : حَرَامٍ ( مِنْهَا ) بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ ، وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى النَّفْرَةِ عَنِ امْرَأَةِ الْأَبِ ، لَيْسَ كَالدَّاعِي إِلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ ، وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِعَدَاوَةِ الْمَرْأَةِ لِرَبِيبِهَا ، وَعَدَمِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا ، وَصَوَّبَ غَيْرُهُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أَوْ زَوْجٍ ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الزَّوْجِ ، لِقَيْسَ عَلَى الْمَحْرَمِ قِيَاسًا جَلِيًّا ، وَلَفْظُ امْرَأَةٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ ، لَا عَنِ الْبَاجِيِّ ، كَمَا زَعَمَ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ ، أَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَتُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ ، وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ ، فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا ، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا ، وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ ، وَلَوْ كَبِيرَةً ، وَقَدْ قَالُوا : لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ ، وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقْطِهِمْ مَنْ لَا يَتَرَفَّعُ عَنِ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ وَغَيْرِهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دَيْنِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا : أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَبِي دَاوُدَ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : يَوْمٍ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بَرِيدٍ بَدَلُ يَوْمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يَوْمَيْنِ ، وَفِي أُخْرَى : إِطْلَاقُ السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، فَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَعِيَاضٌ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ ، فَسُئِلَ مَرَّةً عَنْ سَفَرِهَا لَيْلَةً ، فَقَالَ : لَا ، وَأُخْرَى عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا ، فَقَالَ : لَا ، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِهَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَالْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ جَوَابًا لِسَائِلَيْنِ ، فَلَا مَفْهُومَ لِأَحَدِهَا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفِقْهُ جَمَعَ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، فَحَقُّ النَّاظِرِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ جَمِيعَهَا ، وَيَنْظُرَ أَخَصَّهَا فَيُنِيطُ الْحُكْمَ بِهِ ، وَأَخَصُّهَا بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ يَوْمٌ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِيهِ امْتَنَعَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنْ يَوْمٍ وُصْفُ السَّفَرِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِهَا ، فَيُمْنَعُ فِي أَقَلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنَ اسْمِ السَّفَرِ الْخَلْوَةُ بِهَا ، فَلَا تُعَرِّضُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِالْخَلْوَةِ مَعَ أَحَدٍ ، وَإِنْ قَلَّ الْزَمْنُ لِعَدَمِ الْأَمْنِ لَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَنِ ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النُّفْرَةِ مِنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ ، وَقَدِ اتَّقَى بَعْضُ السَّلَفِ الْخَلْوَةَ بِالْبَهِيمَةِ ، وَقَالَ : شَيْطَانٌ مُغْوِيٌّ ، وَأُنْثَى حَاضِرَةٌ اهـ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْمَجْمُوعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَاللَّيْلَ مِنَ الْيَوْمِ ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ يَوْمَيْنِ مُدَّةَ مَغِيبِهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فِي السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ ، فَأَشَارَ مَرَّةً لِمَسَافَةِ السَّفَرِ وَمَرَّةً لِمُدَّةِ الْمَغِيبِ ، وَهَكَذَا فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِ ، فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمُ الْوَسَطُ بَيْنَ السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهَا ، حَيْثُ سَافَرَتْ لَهُ فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا بِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ ، إِذِ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ ، وَالثَّلَاثَةُ أَقَلُّ الْجَمْعِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَانِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ فِيهِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ ؟ وَبِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اهـ . وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ ، أَوِ الزَّوْجَ شَرْطٌ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ ، فَإِنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ إِلَّا مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَالْحَجُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْفَارِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهَا فَلَا يَجِبُ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا ، وَطَائِفَةٌ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا تَحُجُّ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ ، وَاخْتُلِفَ : هَلْ مُرَادُهُ مَجْمُوعُ الصِّنْفَيْنِ ، أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ؟ وَأَكْثَرُ مَا نُقِلَ عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَحُجُّ مَعَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مسْلَمَةٍ ثِقَةٍ ، وَاعْتَرَضَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا ، فَإِبَاحَةُ الْخُرُوجِ مَعَهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ خِلَافُ السُّنَّةِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا تَخْرُجُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ ، لَا الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي الْكَافِرَةِ ، إِذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ مِنْهَا وَإِنْ بِلَا مَحْرَمٍ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْهِجْرَةِ . وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهَا تَخْشَى عَلَى دِينِهَا وَنَفْسِهَا ، وَلَا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْحَجِّ لِلْخِلَافِ فِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 97 ) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ ، وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةٌ بِبَدَنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِطَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَرَأَى مَالِكٌ ، وَمُوَافِقُوهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْأَمْنِيَّةُ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ أَمْنًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُمْكِنُ أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا خَرَجَ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْخَلْوَةِ ، وَانْكِشَافِ عَوْرَاتِهِنَّ غَالِبًا ، فَإِذَا أُمِنَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الرُّفْقَةِ نِسَاءٌ تَنْحَاشُ إِلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهَذَا عِنْدِي فِي الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ ، فَأَمَّا فِي الْقَوَافِلِ الْعَظِيمَةِ ، فَهِيَ كَالْبِلَادِ يَصِحُّ فِيهَا سَفَرُهَا دُونَ نِسَاءٍ ، وَدُونَ مَحْرَمٍ ، انْتَهَى . وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَيْدَ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَمَحَلُّ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ كَوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مُنْقَطِعَةٍ مَثَلًا ، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ أُخَرُ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنُّفَيْلِيِّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ يُدَوِّنُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، انْتَهَى . وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِيهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ ، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ .