1850 حَدِيثٌ حَادٍ وَأَرْبَعُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلٌ يَسْتَنِدُ ، وَيَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - مُرْسَلًا ، وَمَا أَظُنُّ أَرْسَلَهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ ; وَقَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، مِنْهُمُ : الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَالتِّنِّيسِيُّ ، رَوَوْهُ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَسَمَاعُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي أَوَّلِ بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ ، فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ . وَرَوَاهُ الْقَطَّانُ - أَيْضًا - عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا مُسْنَدًا : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ بَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . وَهَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِمْ : فَخَطَبَا ، أَوْ خَطَبَ أَحَدُهُمَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، مِنْ وُجُوهٍ غَيْرِ هَذَا ، مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَغَيْرِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِهَذَا الْخَبَرِ ، فَقِيلَ : قَصَدَ بِهِ إِلَى ذَمِّ الْبَلَاغَةِ إِذْ شُبِّهَتْ بِالسِّحْرِ ، وَالسِّحْرُ مُحَرَّمٌ مَذْمُومٌ ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَصْوِيرِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ ، وَالتَّفَيْهُقِ ، وَالتَّشَدُّقِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الثَّرْثَارِينَ الْمُتَفَيْهِقِينَ مَا جَاءَ مِنَ الذَّمِّ ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِإِدْخَالِ مَالِكٍ لَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، ( وَأَبَى جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا مَدْحًا ، وَثَنَاءً ، وَتَفْضِيلًا لِلْبَيَانِ وَإِطْرَاءً ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقَةُ الْخَبَرِ ، وَلَفْظُهُ عَلَى مَا نُورِدُهُ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . رَوَى عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ مَحْفُوظٍ ، عَنْ أَبِي الْمُقَوِّمِ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : اجْتَمَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ الْمُطَاعُ فِيهِمْ ، وَالْمُجَابُ مِنْهُمْ ; آخُذُ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ ، وَأَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ - فَقَالَ عَمْرٌو : وَإِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعٌ لِجَانِبِهِ ، مُطَاعٌ فِي أَدَانِيهِ ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَنَا أَحْسُدُكَ ، فَوَاللَّهِ لَبَئِيسُ الْخَالِ ، حَدِيثُ الْمَالِ ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ ، مُبَغَضٌ فِي الْعَشِيرَةِ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ أَوَّلًا ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِيمَا قُلْتُ آخِرًا ، رَضِيتُ فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ ، وَغَضِبْتُ فَقُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . ( وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرٍو : أَخْبَرَنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ ، فَقَالَ : هُوَ مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ ، شَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعُ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، قَالَ الزِّبْرِقَانُ : هُوَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ لِزَمِرُ الْمُرُوءَةِ ، ضَيِّقُ الْعَطَنِ ، أَحْمَقُ الْأَبِ ، لَئِيمُ الْخَالِ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَدَقْتُهُ في الْأُولَى ، وَمَا كَذَبْتُهُ فِي الْأُخْرَى ، أَرْضَانِي فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ ، وَأَسْخَطَنِي فَقُلْتُ أَسْوَأَ مَا عَلِمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ مِنْهُمُ الْمَدَائِنِيُّ ، وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ : أَخْبِرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ فَقَالَ : هُوَ مُطَاعٌ فِي أَدَانِيهِ ، شَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ لَيَعْلَمُ مِنِّي أَكْثَرَ مِنَ هَذَا ، وَلَكِنَّهُ حَسَدَنِي ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَزَمِرُ الْمُرُوءَةِ ، ضَيِّقُ الْعَطَنِ ، أَحْمَقٌ الوالد ، لَئِيمُ الْخَالِ ، مَا كَذَبْتُ فِي الْأُولَى ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْآخِرَةِ ، رَضِيتُ فَقَلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ ، وَسَخِطْتُ فَقَلَتْ أَسْوَأَ مَا عَلِمْتُ ، فَقَالَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَدْحِ الْبَيَانِ ، وَفَضْلِ الْبَلَاغَةِ ، وَالتَّعَجُّبِ بِمَا يَسْمَعُ مِنْ فَصَاحَةِ أَهْلِهَا ، وَفِيهِ الْمَجَازُ ، وَالِاسْتِعَارَةُ الْحَسَنَةُ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ لَيْسَ بِسِحْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَفِيهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْمَدْحِ ; لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي الْإِعْجَابِ ، وَالْأَخْذِ بِالْقُلُوبِ يَبْلُغُ مَبْلَغَ السِّحْرِ ، وَأَصْلُ لَفْظَةِ السِّحْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ الِاسْتِمَالَةُ ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَمَالَكَ فَقَدْ سَحَرَكَ ، وَقَدْ ذَهَبَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلًا سَائِرًا فِي النَّاسِ ، إِذَا سَمِعُوا كَلَامًا يُعْجِبُهُمْ ، قَالُوا : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، وَيَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَيْضًا : هَذَا السِّحْرُ الْحَلَّالُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ قَدْ صَارَ هَذَا مَثَلًا - أَيْضًا - وَرُوِيَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاجَةً بِكَلَامٍ أَعْجَبَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا وَاللَّهِ السِّحْرُ الْحَلَّالُ ، وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَأَحْسَنَ : وَحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلَّالُ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَجْنِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ إِنْ طَالَ لَمْ يُمْلَلْ وَإِنْ هِيَ أَوْجَزَتْ وَدَّ الْمُحَدَّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ شِرْكُ الْعُقُولِ وَنُزْهَةٌ مَا مِثْلُهَا لِلسَّامِعِينَ وَعُقْلَةَ الْمُسْتَوْفِزِ وَمِنْ هَذَا مَا أَنْشَدَنِي يُوسُفُ بْنُ هَارُونَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ : نَطَقَتْ بِسِحْرٍ بَعْدَهَا غَيْرَ أَنَّهُ مِنَ السِّحْرِ مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَلَالِهِ كَذَاكَ ابْنُ سِيرِينَ بِنَفْثَةِ يُوسُفَ تَكَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا بِمِثْلِ مَقَالِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَجُّبَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْبَيَانِ ، مَوْجُودٌ فِي طِبَاعِ ذَوِي الْعُقُولِ وَالْبَلَاغَةِ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ - قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ إِلَّا أَنَّهُ بِإِنْصَافِهِ كَانَ يَعْرِفُ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ . وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْصَرَ النَّاسِ بِالشَّيْءِ أَشَدُّهُمْ فَرَحًا بِالْجَيِّدِ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَسُودًا ; وَإِنَّمَا يَحْمَدُ الْعُلَمَاءُ الْبَلَاغَةَ ، وَاللِّسَانَةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الْإِسْهَابِ ، وَالْإِطْنَابِ ، وَالتَّفَيْهُقِ ، فَقَدْ رُوِيَ فِي الثَّرْثَارِينِ الْمُتَفَيْهِقِينَ أَنَّهُمْ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ، وَرَسُولِهِ . وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُحَاوِلُ تَزْيِينَ الْبَاطِلِ ، وَتَحْسِينَهُ بِلَفْظِهِ ، وَيُرِيدُ إِقَامَتَهُ فِي صُورَةِ الْحَقِّ ، فَهَذَا هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ التَّغْلِيظُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْحَقِّ فَحَسَنٌ جَمِيلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَانَ فِيهِ إِطْنَابٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الْحَقَّ ، وَإِنْ كُنْتُ أَحِبُّ أَوْسَاطَ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْدَلُهَا ، وَالَّذِي اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ بِاللُّغَةِ فِي مَدْحِهِ مِنَ الْبَلَاغَةِ ، وَالْإِيجَازِ ، وَالِاخْتِصَارِ ، وَإِدْرَاكِ الْمَعَانِي الْجَسِيمَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ خَطَبَا ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ : لِزَمِرُ : فَالزَّمِرُ : الْقَلِيلُ ، أَرَادَ قَلِيلَ الْمُرُوءَةِ ، وَالْعَطَنُ : الْفِنَاءُ ، وَقَوْلُهُ : ضَيَّقُ الْعَطَنِ كِنَايَةٌ عَنِ الْبُخْلِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مَغْوَلٍ ، قَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ إِيَاسٍ يَقُولُ لِلشَّعْبِيِّ : يَا مُبْطِلَ الْحَاجَاتِ يَعْنِي أَنَّهُ يَشْغَلُ جُلَسَاءَهُ عَنْ حَوَائِجِهِمْ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمِهْرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، قَالَ : كَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَمِعَ حَدِيثًا ، وَرَدَّهُ فَكَأَنَّهُ زَادَ فِيهِ مِنْ تَحْسِينِهِ لِلَفْظِهِ ، فَسَمِعَ يَوْمًا حَدِيثًا ، وَقَدْ سَمِعَهُ مَعَهُ جَلِيسٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ : رَزِينٌ ، فَرَدَّهُ الشَّعْبِيُّ ، وَحَسَّنُهُ ، فَقَالَ لَهُ رَزِينٌ : اتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا عَمْرٍو ، لَيْسَ هَكَذَا الْحَدِيثُ ، فَقَالَ ( لَهُ ) الشَّعْبِيُّ : يَا رَزِينُ مَا كَانَ أَحْوَجَكَ إِلَى مُحَدْرَجٍ ، شَدِيدِ الْجِلْدِ ، لَيِّنِ المَهَزَّةِ ، عَظِيمِ الثَّمَرَةِ ، أَخَذَ مَا بَيْنَ مَغْرَزِ عُنُقٍ إِلَى عَجَبِ ذَنْبٍ ، يُوضَعُ مِنْكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، فَتَكْثُرُ لَهُ رَقَصَاتُكَ مِنْ غَيْرِ جَذْلٍ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا قَالَ لَهُ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : شَيْءٌ لَنَا فِيهِ أَرَبٌ ، وَلَكَ فِيهِ أَدَبٌ . وَمَنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي مَدْحِ الْبَلَاغَةِ مِنَ النَّظْمِ ، قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ : صَمُوتٌ إِذَا مَا الصَّمْتُ زَيَّنَ أَهْلَهُ وَفَتَّاقُ أَبْكَارِ الْكَلَامِ الْمُخَتَّمِ وَعَى مَا وَعَى الْقُرْآنُ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ وَنِيطَتْ لَهُ الْآدَابُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ وَقَالَ ثَعْلَبٌ : لَا أَعْرِفُ فِي حُسْنِ صِفَةِ الْكَلَامِ أَحْسَنَ مِنْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ، وَهُمَا لِعَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ : كَأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ جُمِّعَ عِنْدَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ يَتَخَيَّرُ فَلَمْ يَرْضَ إِلَّا كُلَّ بِكْرٍ ثَقِيلَةٍ تَكَادُ بَيَانًا مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَقْطُرُ قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْبَيْتَانِ اللَّذَانِ قَبْلَهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا ، وَلِحَسَّانٍ أَيْضًا فِي ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيُرْوَى لِلْحُطَيْئَةِ : إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ بِمُنْتَظِمَاتٍ لَا تَرَى بَيْنَهَا فَصْلَا يَقُولُ مَقَالًا لَا يَقُولُونَ مِثْلَهُ كَنَحْتِ الصَّفَا لَمْ يَبْقَ فِي غَايَةٍ فَضْلَا كفى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ لِذِي إِرْبَةٍ فِي الْقَوْلِ جَدًّا وَلَا هَزْلَا - فِي أَبْيَاتٍ لَهُ . وَلِغَيْرِهِ فِيهِ أَيْضًا : إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ صَوَابًا وَلَمْ يَقِفْ بِعَيٍّ وَلَمْ يُثْنِ اللِّسَانَ عَلَى هَجْرِ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ فِي خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ : عَلِيمٌ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ مُلَقَّنٌ ذَكُورٌ لِمَا سَدَّاهُ أَوَّلَ أَوَّلَا تَرَى خُطَبَاءَ النَّاسِ يَوْمَ ارْتِجَالِهِ كَأَنَّهُمُ الْكِرْوَانُ عَايَنَّ أَجَدْلَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا ، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا ، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا . فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيُسْحِرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ ، فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا ، فَتَكَلُّفُ الْعَالِمِ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْمَلُهُ ، فَيُجْهِلُهُ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا ، فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا ، فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ ، وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَلَا يُرِيدُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا أَرَادَ حِكْمَةً ، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ : - عَزَّ وَجَلَّ - أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ يَعْنِي الْحِكْمَةَ ، وَالنُّبُوَّةَ ، وَهَذَا أَعْرَفُ ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى شَاهِدٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ · ص 169 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا · ص 316 1850 ( 3 ) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ 1856 - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ قَالَ : إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لِسِحْرٌ . 41289 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا ، وَمَا أَظُنُّ أَرْسَلَهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُهُ ، وَأَحْسَبُهُ سَقَطَ لَهُ ذِكْرُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِهِ ; بِأَنَّ جَمَاعَةَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 41290 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِمْ : فَخَطَبَا ، أَوْ خَطَبَ أَحَدُهُمَا . 41291 - وَرَوَاهُ الْقَطَّانُ عَنْ مَالِكٍ : 41292 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ بَيَانِهِمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . 41293 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ . 41294 - وَالرَّجُلَانِ اللَّذَانِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَخَطَبَا ، أَوْ خَطَبَ أَحَدُهُمَا - لَا أَعْلَمُ خِلَافًا - أَنَّهُمَا عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، إِلَّا أَنَّهُمَا كَانَ مَعَهُمَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ يَوْمَئِذٍ . 41295 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرٍو : أَخْبِرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ فَقَالَ : هُوَ مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ ، شَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : هُوَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ لَزَمِرُ الْمُرُوءَةِ ، ضَيِّقُ الْعَطَنِ ، أَحْمَقُ الْأَبِ ، لَئِيمُ الْخَالِ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَدَقْتُ فِي الْأُولَى ، وَمَا كَذَبْتُ فِي الْأُخْرَى ، أَرْضَانِي فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ وَأَسْخَطَنِي فَقُلْتُ أَسْوَأَ مَا عَلِمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . 41296 - هَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ لِهَذَا الْخَبَرِ ; أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ كَانَ مَعَهُمَا . 41297 - كَذَلِكَ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا ذَكَرْتُهُ فِي التَّمْهِيدِ . 41298 - وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ هَذَا الْخَبَرَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِلَّا الرَّجُلَيْنِ ; الزِّبْرِقَانَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ مَالِكٍ : قَدِمَ رَجُلَانِ ; فَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ فِي خَبَرِهِ : مُطَاعٌ فِي أَدَانِيهِ ، لَمْ يَقُلْ : فِي نَادِيهِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 41299 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهَذَا اللَّفْظِ ; قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا هَلْ هُوَ عَلَى مَعْنَى الذَّمِّ ، أَوْ عَلَى مَعْنَى الْمَدْحِ . 41300 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : هُوَ عَلَى مَعْنَى الذَّمِّ ، وَأَضَافُوا ذَلِكَ أَيْضًا إِلَى مَالِكٍ ، وَاسْتَدَلُّوا بِإِدْخَالِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الْبَابِ بِمَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ . 41301 - وَاحْتَجُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِتَشْبِيهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ الْبَيَانِ بِالسِّحْرِ ، وَالسِّحْرُ مَذْمُومٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاغَةِ ، وَالتَّفَيْهُقِ مِنْ تَصْوِيرِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّرْثَارِينَ الْمُتَفَيْهِقِينَ أَنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - . 41302 - وَقَالَ آخَرُونَ ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ عَدَدًا : إِنَّهُ كَلَامٌ أُرِيدَ بِهِ الْمَدْحُ ، قَالُوا : وَالْبَيَانُ مَمْدُوحٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ وَبِدَلِيلِ مَا فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ، وَالْإِعْجَابُ لَا يَقَعُ إِلَّا بِمَا يَحْسُنُ وَيَطِيبُ سَمَاعُهُ ، لَا بِمَا يَقْبُحُ وَيُذَمُّ ، قَالُوا : وَشْبِيهُهُ بِالسِّحْرِ ، مَدْحٌ لَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى السِّحْرِ الِاسْتِمَالَةُ ، وَكُلُّ مَا اسْتَمَالَكَ فَقَدْ سَحَرَكَ ، فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الْقُلُوبِ بِحُسْنِ كَلَامِهِ ، فَأُعْجِبَ النَّاسُ بِهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمِيرَهُمْ بِفَضْلِ الْبَلَاغَةِ لِبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ فَشَبَّهَهُ بِالسِّحْرِ ; لِغَلَبَةِ السِّحْرِ عَلَى الْقُلُوبِ وَاسْتِمَالَتِهِ لَهَا . 41303 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فِي حَاجَةٍ بِكَلَامٍ أَعْجَبَهُ ، فَقَالَ : هَذَا السِّحْرُ الْحَلَالُ . 41304 - وَمِنْ هَاهُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَخَذَ ابْنُ الرُّومِيِّ قَوْلَهُ : وَحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلَالُ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَجْنِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ إِنْ طَالَ لَمْ يَمْلُلْ وَإِنْ هِيَ أَوْجَزَتْ وَدَّ الْمُحَدِّثِ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزْ شَرَكُ الْعُقُولِ وَنُزْهَةٌ مَا مِثْلُهَا لِلسَّامِعِينَ وَعَقْلُهُ الْمُسْتَوْفِزِ 41305 - وَأَنْشَدَنِي يُوسُفُ بْنُ هَارُونَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ : نَطَقَتْ بِسِحْرٍ بَعْدَهَا غَيْرَ أَنَّهُ مِنَ السِّحْرِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي حَلَالِهِ 41306 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، قَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ إِيَاسٍ يَقُولُ لِلشَّعْبِيِّ : يَا مُبْطِلَ الْحَاجَاتِ ؟ يَعْنِي أَنْه يَشْغَلَ جُلَسَاءَهُ عَنْ حَوَائِجِهِمْ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ مِنْ بَلَاغَةِ الشَّعْبِيِّ ، مَا حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ ; مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمِهْرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ ، قَالَ : كَانَ الشَّعْبِيُّ إِنْ سَمِعَ حَدِيثًا ، وَرَدَّهُ ، فَكَأَنَّهُ زَادَ فِيهِ مِنْ تَحْسِينِهِ بِلَفْظِهِ ، فَسَمِعَ يَوْمًا حَدِيثًا ، وَقَدْ سَمِعَ جَلِيسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ : رَزِينٌ ، فَرَدَّهُ الشَّعْبِيُّ ، وَحَسَّنَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَزِينٌ : اتَّقِ اللَّهَ ، يَا أَبَا عُمَرَ وَلَيْسَ هَكَذَا الْحَدِيثُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ : يَا رَزِينُ ، مَا كَانَ أَحْوَجَكَ إِلَى مُحَدْرَجٍ شَدِيدِ الْجَلَدِ لَيِّنِ الْمَهَزَّةِ ، عَظِيمِ الثَّمَرَةِ ، أَخَذَ مَا بَيْنَ مَغْرَزِ عُتقٍ إِلَى عَجْبِ ذَنَبٍ ، فَيُوضَعُ مِنْكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيُكْثِرُ لَهُ رَقَصَاتِكَ مِنْ غَيْرِ جَدَلٍ ، فَلَمْ يَدْرِ ، مَا قَالَ لَهُ ، فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا عَمْرٍو ؟ فَقَالَ : شَيْءٌ لَنَا فِيهِ أَدَبٌ ، وَلَكَ فِيهِ أَدَبٌ . 41307 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا زَالَتِ الْعَرَبُ تَمْدَحُ الْبَيَانَ وَالْفَصَاحَةَ فِي أَشْعَارِهَا وَأَخْبَارِهَا ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ : إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ بِمُنْتَظِمَاتٍ لَا تَرَى بَيْنَهُا فَصْلَا كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ لِذِي إِرْبَةٍ فِي الْقَوْلِ جِدًّا وَلَا هَزْلَا 41308 - فِي أَبْيَاتٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 41309 - وَلِحَسَّانَ أَيْضًا فِي ابْنِ عَبَّاسٍ : صَمُوتٌ إِذَا مَا الصَّمْتُ زَيَّنَ أَهْلَهُ وَفَتَّاقُ أَبْكَارِ الْكَلَامِ الْمُخَتَّمِ وَعَى مَا وَعَى الْقُرْآنَ مِنْ كُلِّ حِكْمَةٍ وَنِيطَتْ لَهَا الْآدَابُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ 41310 - وَأَنْشَدَ لِعَدَيٍّ ثَعْلَبُ بْنُ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَدْحِ الْكَلَامِ أَحْسَنَ مِنْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ : كَأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ جُمِّعَ عِنْدَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ يَتَخَيَّرُ فَلَمْ يَرْضَ إِلَّا كُلَّ بِكْرٍ ثَقِيلَةٍ تَكَادُ بَيَانًا مِنْ دَمِ الْجَوْفِ تَقْطُرُ 41311 - وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ ، فِي خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ : عَلِيمٌ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ مُلَقَّنٌ ذَكُورٌ لِمَا سَدَاهُ أَوَّلَ أَوَّلَا تَرَى خُطَبَاءُ النَّاسِ يَوْمَ ارْتِجَالِهِ كَأَنَّهُمُ الْكَرْوَانُ عَايَنَ أَجَدْلَا 41312 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارلَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ · ص 323 1857 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ ، فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى ، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ . 41313 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عِنْدِي أَفْضَلُ كَلَامٍ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ أَوْ مِنْ أَفْضَلِ الْكَلَامِ ; قِيلَ : أَجْمَعُهُ لِلْخَيْرِ ، وَأَدَلَّكَ عَلَيْهِ : وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : - ارْحَمِ النَّاسَ جَمِيعًا فَهُمْ أَبْنَاءُ جِنْسِكَ ابْغِ لِلنَّاسِ مِنَ الْخَيْرِ كَمَا تَبْغِي لِنَفْسِكَ 41314 - وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، قَالَ : قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ الْعِبَادِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ ، فَإِنَّ النَّاسَ مُبْتَلًى وَمُعَافًى ، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ . 41315 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَحْسَرِ . 41315 - قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْبَانُ ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَخَا بِلَالٍ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ ; فَسَالِمٌ وَغَانِمٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ، قَالَ : فَالسَّالِمُ السَّاكِتُ ، وَالْغَانِمُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالظَّالِمُ لِنَفَسِهِ النَّاطِقُ بِالْخَنَا ، وَالْمُعِينُ عَلَى الظُّلْمِ . 41316 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُيْثمٍ ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُسَاعِدٍ ، كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُيْثمٍ يَقُولُ : لَا خَيْرَ فِي الْكَلَامِ إِلَّا فِي تِسْعٍ ; تَسْبِيحِ اللَّهِ ، وَتَكْبِيرِ اللَّهِ ، وَتَحْمِيدِ اللَّهِ ، وَسُؤَالِكَ الْخَيْرَ ، وَتَعَوُّذِكَ مِنَ الشَّرِّ ، وَأَمْرِكَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهْيِكَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَقِرَاءَتِكَ الْقُرْآنَ . 41317 - وَرَوَيْنَا عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ لِي : أَرَأَيْتَ مَا كُنَّا فِيهِ ، فَإِنَّنِي لَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، إِنَّمَا انْتَفَعْتُ بِقَوْلِي : سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارلَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ · ص 325 1858 - مَالِكٌ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتْمَةِ فَتَقُولُ : أَلَّا تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ ؟ 41318 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْكُتَّابُ هَاهُنَا الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ ، وَهُمُ الْحَفَظَةُ الرُّقَبَاءُ ; قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - كِرَامًا كَاتِبِينَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 41319 - وَكَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذَهَبَتْ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ رَاحَةٌ لِلْحَفَظَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ عَلَى النَّائِمِ شَيْءٌ ; قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ : فَذَكَرَ مِنْهُمُ النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ . 41320 - وَرَوَى أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَنِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا ، وَكَرِهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّمَرَ إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ . 41321 - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ . 41322 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَجُوزُ السَّمَرُ بَعْدَ الْعَشَاءِ إِلَّا لِمُصَلي أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مُذَاكِرٍ بِعِلْمٍ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ · ص 640 3 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ 1803 - حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ ، فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، أَوْ قَالَ : إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ . 3 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ 1850 1803 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْفَقِيهِ الْعُمَرِيِّ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ) ، وَأَسْقَطَهُ يَحْيَى ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا أَظُنُّهُ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَالتِّنِّيسِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الصَّوَابُ ( أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ ) جِهَةِ ( الْمَشْرِقِ ) ، وَكَانَ سُكْنَى بَنِي تَمِيمٍ فِي جِهَةِ الْعِرَاقِ ، وَهِيَ فِي شَرْقِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُمَا الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ كَذَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَنَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ يُقَالُ إِنَّهُمَا الزِّبْرِقَانُ ، وَعَمْرٌو ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الرَّجُلَيْنِ صَرِيحًا ، وَزَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا الزِّبْرِقَانُ بِكَسْرِ الزَّايِ ، وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ ، وَالْمُجَابُ لَدَيْهِمْ ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ ، وَآخُذُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ ، وَهَذَا أَيْ عَمْرٌو يَعْلَمُ ذَلِكَ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعٌ لِجَانِبِهِ ، مُطَاعٌ فِي أَدْنَيْهِ ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ ، وَمَا مَنَعَهُ إِلَّا الْحَسَدُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَنَا أَحْسُدُكَ ! وَاللَّهِ إِنَّكَ لَئِيمُ الْخَالِ ، حَدِيثُ الْمَالِ ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ ، مُضَيَّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى ، وَمَا كَذَبْتُ فِي الْأُخْرَى ، لَكِنِّي رَجُلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ ، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى ، وَالْأُخْرَى جَمِيعًا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ تَمِيمٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَا هُمَا الْمُرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو وَحْدَهُ ، وَكَانَ كَلَامُهُ فِي مُرَاجَعَةِ الزِّبْرِقَانِ ، فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ الْخُطْبَةِ إِلَيْهِمَا ، إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ . ( فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ ) مِنْهُمَا لِبَيَانِهِمَا ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ) ؛ يَعْنِي أَنَّ مِنْهُ لَنَوْعًا يَحُلُّ مِنَ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ فِي التَّمْوِيهِ مَحَلَّ السِّحْرِ ، فَإِنَّ السَّاحِرَ بِسِحْرِهِ يُزَيِّنُ الْبَاطِلَ فِي عَيْنِ الْمَسْحُورِ ، حَتَّى يَرَاهُ حَقًّا ، فَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمَهَارَتِهِ فِي الْبَيَانِ ، وَتَقَلُّبِهِ فِي الْبَلَاغَةِ ، وَتَرْصِيفُ النَّظْمِ يَسْلُبُ عَقْلَ السَّامِعِ ، وَيَشْغَلُهُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ وَالتَّدَبُّرِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ الْبَاطِلُ حَقًّا ، وَالْحَقُّ بَاطِلًا ، فَتُسْتَمَالُ بِهِ الْقُلُوبُ كَمَا تُسْتَمَالُ بِالسِّحْرِ ، فَشُبِّهَ بِهِ تَشَبُّهًا بَلِيغًا بِحَذْفِ الْأَدَاةِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : أَصْلُهُ : إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ كَالسِّحْرِ ، لَكِنَّهُ جَعَلَ الْخَبَرَ مُبْتَدَأً مُبَالَغَةً فِي جَعْلِ الْأَصْلِ فَرْعًا ، وَالْفَرْعِ أَصْلًا . ( أَوْ قَالَ : إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ ) شَكَّ الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ ، وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى فَإِنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ قَوْمٌ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الذَّمِّ ؛ لِأَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ سِحْرٌ ، أَوْ هُوَ مَذْمُومٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِيمَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَالَ قَوْمٌ : خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ امْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِه ؛ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْلَغَ النَّاسِ ، وَأَفْضَلَهُمْ بَيَانًا ، قَالَ هَؤُلَاءِ : وَإِنَّمَا جَعَلَهُ سِحْرًا لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّفْسِ ، وَمَيْلِهَا إِلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ : حَمْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ صَحِيحٌ ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي ، إِذَا كَانَ فِي تَزْيِينِ الْحَقِّ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَكْثَرُ مَا يُقَالُ لَيْسَ ذَمًّا لِلْبَيَانِ كُلِّهِ ، وَلَا مَدْحًا ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِـ مِنْ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ قَالَ : وَكَيْفَ نَذُمُّهُ ، وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ ، فَقَالَ : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( سورة الرَّحْمَنِ : الْآيَةُ 3 ، 4 ) ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ مَا يَقَعُ بِهِ الْإِبَانَةُ عَنِ الْمُرَادِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، لَا خُصُوصُ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَدْحِ الْإِيجَازِ وَالْإِتْيَانِ بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ ، وَعَلَى مَدْحِ الْإِطْنَابِ فِي مَقَامِ الْخِطَابِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي ، نَعَمْ ، الْإِفْرَاطُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُومٌ ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَابْنُ التِّينِ : الْبَيَانُ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مَا يَقَعُ بِهِ الْإِبَانَةُ عَنِ الْمُرَادِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَالْآخَرُ مَا دَخَلَتْهُ صَنْعَةُ تَحْسِينِ اللَّفْظِ بِحَيْثُ يَرُوقُ لِلسَّامِعِينَ ، وَيَسْتَمِيلُ قُلُوبَهُمْ ، وَهَذَا الَّذِي يُشَبَّهُ بِالسِّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ الشَّيْءَ عَنْ حَقِيقَتِهِ ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا طَلَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاجَةً كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِسْعَافُهُ بِهَا ، فَاسْتَمَالَ قَلْبَهُ بِالْكَلَامِ ، فَأَنْجَزَهَا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَالُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ سَارَ هَذَا الْحَدِيثُ سَيْرَ الْمَثَلِ فِي النَّاسِ ، إِذَا سَمِعُوا كَلَامًا يُعْجِبُهُمْ قَالُوا : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، وَرُبَّمَا قَالُوا : السِّحْرُ الْحَلَالُ ، وَمِنْهُمْ أَخَذَ الْقَائِلُ : وَحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلَالُ لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ إِنْ طَالَ لَمْ يُمْلِلْ وَإِنْ هِيَ أَوْجَزَتْ وَدَّ الْمُحَدَّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ شَرَكُ الْعُقُولِ وَنُزْهَةٌ مَا مِثْلُهَا السَّامِعِينَ وَغَفْلَةُ الْمُسْتَوْفِزِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطِّبِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ مَوْصُولًا ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَدَبِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْبِرِّ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ · ص 642 1804 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ ؛ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى ، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَة . 1850 1804 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَتَقْسُوَ ) - بِالنَّصْبِ - ( قُلُوبَكُمْ ) فَلَا يَنْفَعُهَا عِظَةٌ ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حِكْمَةٌ ، ( فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ) ذَلِكَ ، وَهَذَا قَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةُ الْقَلْبِ ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . ( وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ ) جَمْعُ رَبٍّ ، ( وَ ) لَكِنِ ( انْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ ) يَخَافُونَ اطِّلَاعَ سَادَاتِهِمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ ، فَيَحْذَرُونَ مِنْهَا ، ( فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى ) بِالذُّنُوبِ ، ( وَمُعَافًى ) مِنْهَا ، ( فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ ) بِنَحْوِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِهِ عَنْهُمْ ، وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَى ذُنُوبِهِمْ وَهَتْكِهِمْ بِهَا ، عِظُوهُمْ بِلِينٍ وَرِفْقٍ ، ( وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ ) لِيُدِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ .
شرح الزرقاني على الموطأبَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ · ص 643 1805 - وَحَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تُرْسِلُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَتَقُولُ : أَلَا تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ . 1850 1805 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ ترسل إِلَى أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ ) - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْفَوْقِيَّةِ - الْعِشَاءِ ، ( فَتَقُولُ : أَلَا تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ ) الْمَلَائِكَةَ الْكِرَامَ مِنْ كَتْبِ الْكَلَامَ الَّذِي لَا ثَوَابَ فِيهِ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : أَرَادَتْ بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَصْحَابَ الشِّمَالِ ، لِأَنَّهَا كَارِهَةٌ لِأَعْمَالِ ابْنِ آدَمَ السَّيِّئَةِ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَرَاحَهَا مِنْ كَرَاهَتِهَا ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ عَنِ الْيَمِينِ ، فَهُمْ يُسَرُّونَ بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ الصَّالِحِ ، فَلَا تَعُودُ الْإِرَاحَةُ عَلَيْهِمْ .