النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ
الثَّالِثَةُ : أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو هُرَيْرَةَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَذَلِكَ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى حَدِيثِيٍّ ، وَهُوَ أَوَّلُ صَاحِبِ حَدِيثٍ . بَلَغَنَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي النَّوْمِ ، وَأَنَا بِسِجِسْتَانَ أُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ : إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : أَنَا أَوَّلُ صَاحِبِ حَدِيثٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سِتَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُوا الرِّوَايَةَ عَنْهُ وَعُمِّرُوا : أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَكْثَرُهُمْ حَدِيثًا ، وَحَمَلَ عَنْهُ الثِّقَاتُ .
ثُمَّ إِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ فُتْيَا تُرْوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، بَلَغَنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْوَى عَنْهُ فِي الْفَتْوَى أَكْثَرَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : مَنِ الْعَبَادِلَةُ ؟ فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو . قِيلَ لَهُ : فَابْنُ مَسْعُودٍ ؟ قَالَ : لَا ، لَيْسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْعَبَادِلَةِ .
قَالَ الْحَافِظُ أَحْمَدُ الْبَيْهَقِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ : وَهَذَا لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ ، وَهَؤُلَاءِ عَاشُوا حَتَّى احْتِيجَ إِلَى عِلْمِهِمْ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ قِيلَ : هَذَا قَوْلُ الْعَبَادِلَةِ ، أَوْ هَذَا فِعْلُهُمْ . قُلْتُ : وَيَلْتَحِقُ بِابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْعَبَادِلَةِ الْمُسَمّينَ بِعَبْدِ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهُمْ نَحْوُ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ نَفْسًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ لَهُ أَصْحَابٌ يَقُومُونَ بِقَوْلِهِ فِي الْفِقْهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَصْحَابٌ يَقُومُونَ بِقَوْلِهِ وَيُفْتُونَ النَّاسَ .
وَرُوِّينَا عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : وَجَدْتُ عِلْمَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إِلَى سِتَّةٍ : عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَأُبَيٌّ ، وَزَيْدٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ انْتَهَى عِلْمُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ إِلَى اثْنَيْنِ : عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ . وَرُوِّينَا نَحْوَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، لَكِنْ ذَكَرَ أَبَا مُوسَى بَدَلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَرُوِّينَا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ الْعِلْمُ يُؤْخَذُ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عُمَرُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَزَيْدٌ ، يُشْبِهُ عِلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَكَانَ يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَكَانَ عَلِيٌّ ، وَالْأَشْعَرِيُّ ، وَأُبَيٌّ ، يُشْبِهُ عِلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَكَانَ يَقْتَبِسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .
وَرُوِّينَا عَنِ الْحَافِظِ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ الصَّحَابَةَ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ ، وَاجْتِهَادٍ ، وَوَرَعٍ ، وَعَقْلٍ ، وَأَمْرٍ اسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ وَاسْتُنْبِطَ بِهِ ، وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .