المتواتر يفيد العلم الضروري
فالأوَّلُ : المُتواتِرُ ، وهو المُفيدُ للعِلْمِ اليَقينِيِّ ، فأخرَجَ النَّظريَّ على ما يأْتي تقريرُه ، بِشروطِهِ التي تَقَدَّمَتْ . واليَقينُ : هو الاعتقادُ الجازِمُ المُطابِقُ ، وهذا هو المُعْتَمَدُ : أَنْ خَبَرَ التواتِرَ يُفيدُ العِلْمَ الضَّروريَّ ، وهو الذي يَضْطُّر الإِنْسانُ إليهِ بحيثُ لا يُمْكِنُهُ دفْعُهُ . وقيلَ : لا يُفيدُ العلمَ إِلَّا نَظَرِيًّا ، وليس بشيءٍ ؛ لأنَّ العِلْم بالتَّواتُرِ حاصِلٌ لمن ليس لهُ أهليَّةُ النَّظرِ كالعامِّيِّ ، إذ النَّظرُ : ترتيبُ أُمورٍ معلومةٍ أَو مَظْنونةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى عُلومٍ أَو ظُنونٍ ، وليس في العامِّيِّ أهلِيَّةُ ذلك ، فلو كان نَظَرِيًّا ؛ لما حَصَل لهُم .
ولاحَ بهذا التَّقريرِ الفرْقُ بين العِلْمِ الضَّرورِيِّ والعِلْمِ النَّظَرِيِّ ، إِذ الضَّرورِيُّ يُفيدُ العِلْمَ بلا اسْتِدلالٍ ، والنَّظريُّ يُفيدُهُ لكنْ مع الاستِدْلالِ على الإِفادةِ ، وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لكُلِّ سامعٍ ، والنَّظَرِيَّ لا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ فيهِ أهليَّةُ النَّظَرِ . وإِنَّما أََبْهَمْتُ شُروطَ المتواترِ في الأَصْلِ ؛ لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِن مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ ، إِذ عِلمُ الإِسْناِد يُبْحَثُ فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضَعْفِهِ ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَو يُتْرَكَ مِن حيثُ صفاتُ الرِّجالِ ، وصِيَغُ الأداءِ ، والمُتواتِرُ لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ ، بل يجبُ العملُ بهِ مِن غيرِ بَحْثٍ .