أحكام الجرح والتعديل
وَهذهِ أَحكامٌ تتعلَّقُ بذلك ، ذكَرْتُ هاهُنا لتَكْمِلَةِ الفائدةِ ، فأَقولُ : تُقْبَلُ التَّزكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بأَسْبَابِها لا مِنْ غيرِ عارِفٍ ؛ لئلاَّ يُزكِّيَ بمجرَّدِ ما ظهَرُ لهُ ابْتِداءً مِن غيرِ ممارسةٍ واخْتِبارٍ . ولَوْ كانتِ التَّزكيةُ صادِرةً مِن مُزَكٍّ واحِدٍ عَلى الأصَحِّ ؛ خلافًا لمَن شَرَطَ أَنَّها لا تُقْبَلُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ ؛ إِلْحاقًا لها بالشَّهادَةِ في الأصحِّ أَيضًا والفَرْقُ بينَهُما أَنَّ التَّزكية تُنَزَّلُ منزِلَةَ الحُكْمِ ، فلا يُشْتَرَطُ فيها العددُ ، والشَّهادةُ تقعُ مِن الشَّاهِدِ عندَ الحاكِمِ ، فافْتَرقا . ولَوْ قيلَ : يُفَصَّلُ بينَ ما إِذا كانتِ التَّزكيةُ في الرَّاوي مُستَنِدَةً مِن المُزكِّي إِلى اجْتِهادِهِ ، أَو إِلى النَّقْلِ عنْ غيرِه ؛ لكانَ مُتَّجهًا .
فأنَّه إِنْ كانَ الأوَّلُ ، فلا يُشْتَرَطُ فيه العددُ أَصلًا ؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ بمنزلةِ الحاكمِ . وإِنْ كانَ الثَانيَ فيُجْري فيهِ الخِلافُ ، وتَبَيَّنُ أَنَّه – أَيضًا – لا يُشْتَرَطُ العددُ ؛ لأنَّ أَصلَ النَّقلِ لا يُشْتَرَطُ فيهِ العددُ ، فكَذا ما تفرَّعَ عنهُ ، واللهُ سبحانه وتعالى أَعلمُ . ويَنْبَغي أَلا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتَّعْديلُ إِلَّا مِن عدلٍ مُتَيَقِّظٍ ، فلا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فيهِ فُجَرِّحٌ بما لا يقْتَضي رَدَّ حديثِ المُحَدِّثِ .
كما لا تقْبَلُ تزكِيَةُ مَن أَخَذَ بمجرَّدِ الظَّاهِرِ ، فأَطلَقَ التَّزكيةَ . وقالَ الذَّهبيُّ – وهُو مِن أَهْلِ الاستِقراءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ – : لمْ يجْتَمِعِ اثْنانِ مِن عُلماءِ هذا الشَّأنِ قطُّ على تَوثيقِ ضَعيفٍ ، ولا على تَضعيفِ ثِقةٍ انتهى . ولهذا كانَ مذهَبُ النَّسائيِّ أَلا يُتْرَكَ حديثُ الرَّجُلِ حتَّى يجتَمِعَ الجَميعُ على تَرْكِهِ .
ولْيَحْذَرِ المتكلِّمُ في هذا الفنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ والتَّعديلِ ، فإِنَّهُ إِنْ عدَّلَ بغيرِ تثبُّتِ ؛ كانَ كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليسَ بثابتٍ ، فيُخْشى عليهِ أَنْ يدْخُلَ في زُمرةِ مَن روى حَديثًا وهُو يظنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ . وإِنْ جَرَّحَ بغيرِ تَحرُّزٍ ، أَقْدَمَ على الطَّعنِ في مُسلمٍ بَريءٍ مِن ذلك ، ووسَمَهُ بِميْسَمِ سُوءٍ يَبْقى عليهِ عارُهُ أَبدًا . والآفةُ تدخُلُ في هذا تارةً مِنَ الهَوى والغَرَضِ الفاسِدِ – وكلامُ المتقدِّمينَ سالِمٌ مِن هذا غالبًا – ، وتارةً مِن المُخالفةِ في العَقائدِ – وهُو موجودٌ كثيرًا قديمًا وحَديثًا – ولا ينْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذلك ، فقد قدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعةِ .
والجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّعْديلِ ، وأَطلقَ ذلك جماعةٌ ، ولكنَّ محلَّهُ إِن صَدَرَ مُبَيَّنًا مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ ؛ لأنَّه إِنْ كانَ غيرَ مفسَّرٍ لم يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُه . وإِنْ صدَرَ مِن غيرِ عارفٍ بالأسبابِ لم يُعْتَبَرْ بهِ أيضًا . فإِنْ خَلا المَجْروحُ عَنِ تَّعديلِ قُبِلَ الجَرْحُ فيهِ مُجْمَلًا غيرَ مبيَّنِ السَّببِ إِذا صدَرَ مِن عارفٍ عَلى المُخْتارِ ؛ لأنَّهُ إِذا لمْ يكُنْ فيهِ تعديلٌ ؛ فهو في حيَّزِ المَجهولِ ، وإِعمالُ قولِ المُجَرِّحِ أَولى مِن إِهمالِه .
ومالَ ابنُ الصَّلاحِ في مثلِ هذا إلى التوقُّفِ فيهِ .