مُقَدِّمَةٌ فِي عِلْمِ نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ
مُقَدِّمَةٌ فِي عِلْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ
اعْلَمْ أَنَّ النَّسْخَ لَهُ اشْتِقَاقٌ عِنْدَ أَرْبَابِ اللسان ، وَحَدٌّ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَعَانِي ، وَشَرَائِطُ عِنْدَ الْعَالِمِينَ بِالْأَحْكَامِ .
أَمَّا أَصْلُهُ : فَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إِبْطَالِ شَّيْءِ ، وَإِقَامَةِ آخَرَ مَقَامَهُ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : الْأَصْلُ فِي النَّسْخُ هُوَ : أَنْ يُحَوَّلَ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ الْعَسَلِ وَالنَّحْلِ فِي أُخْرَى ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : مَا مِنْ نُبُوَّةٍ إِلَّا وَتَنَاسَخَتْهَا فَتْرَةٌ . « م 008»
ثُمَّ النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : الزَّوَالُ عَلَى جِهَةِ الِانْعِدَامِ .
وَالثَّانِي : عَلَى جِهَةِ الِانْتِقَالِ .
أَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى نَوْعَيْنِ :
1- نَسْخٌ إِلَى بَدَلٍ ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ : نَسَخَ الشَّيْبُ الشَّبَابَ ، ونَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ ، أَيْ : أَذْهَبَتْهُ وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ .
2- وَنَسْخٌ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ ، إِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَإِبْطَالُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ
يُقِيمَ لَهُ بَدَلًا ، يُقَالُ : نَسَخَتِ الرِّيحُ الْآثَارَ ، أَيْ : أَبْطَلَتْهَا وَأَزَالَتْهَا .
وَأَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى النَّقْلِ ، فَهُوَ نَحْوُ قَوْلِكَ : نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا نَقَلْتَ مَا فِيهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِعْدَامَ مَا فِيهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الصُّحُفِ ، أو مِنَ الصُّحُفِ إِلَى غَيْرِهَا ، غَيْرَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ إِبْطَالُ الْحُكْمِ مَعَ إِثْبَاتِ الْخَطِّ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي السُّنَّةِ .
أَمَّا فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ النَّاسِخَةُ وَالْمَنْسُوخَةُ ثَابِتَتَيْنِ فِي التِّلَاوَةِ ، إِلَّا أَنَّ الْمَنْسُوخَةَ لَا يُعْمَلُ بِهَا مِثْلَ : عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَتْ سَنَةً ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .
وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ فَعَلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الْمَنْسُوخَ كَمَا نَقَلُوا النَّاسِخَ .