حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاعتبار في الناسخ والمنسوخ

مُقَدِّمَةٌ فِي عِلْمِ نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ

وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَدَارِكُ مَعْرِفَتِهَا مَحْصُورَةٌ :

[1/124]

مِنْهَا : أَنْ [ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ ، وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ لَا نَاسِخٌ لَهُ .

وَمِنْهَا : أَنْ يَكُونَ ] الْمَنْسُوخُ أَيْضًا حُكْمًا شَرْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ .

وَمِنْهَا : أَنْ لا يَكُونَ الْحُكْمُ السَّابِقُ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ ، نحو قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - :

« م 009»

لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ . فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ أَدَاءُ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا مُؤَقَّتٌ ، فَلَا يَكُونُ نَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ النَّوَافِلِ فِي الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ يَمْنَعُ النَّسْخَ .

وَمِنْهَا : أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ النَّاسِخُ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْمَنْسُوخِ ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا .

فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا ، إِذْ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ التَّرَاخِي ، وَقَدْ فُقِدَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - :

[1/125]

« م 010»

لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ .

وَإِنْ كَانَ صَدْرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْخِفَافِ وَعَجُزُهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا ؛ لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى بَيَانًا .

وَإِذا كَانَ مُنْفَصِلًا نَظَرْتَ هَلْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا ؟

فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالِانْفِصَالِ الزَّمَانِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عن التَّنَافِي ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَعَمَّ لِلْفَائِدَةِ ، كَانَ أَوْلَى صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ النَّقْصِ ، وَلِأَنَّ فِي ادِّعَاءِ النَّسْخِ إِخْرَاجَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفِيدِ ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ . أَلَا تَرَى أن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - :

« م 011»

شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ .

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ :

[1/126]

« م 012»

خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ .

فهُمَا حَدِيثَانِ قَدْ تَعَارَضَا عَلَى مَا تَرَى . وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، لِمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ ظَاهِرِ الْمُنَافَاةِ ، مَعَ حُصُولِ الِانْفِصَالِ فِيهِمَا .

وَرُبَّمَا يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِسْنَادِ فَيَرَى إِسْنَادَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَمْثَلَ فَيَحْكُمُ بِنَسْخِ الثَّانِي ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ ؛ لِفُقْدَانِ شَرَائِطِ النَّسْخِ .

لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَحملَ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :

« م 013»

خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ، ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ .

[1/127]

وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فَهُوَ خَيْرُ الشُّهُودِ ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَالَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ رَفْعًا لِلتَّضَادِّ عَنِ الْأَخْبَارِ .

وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُنْفَصِلَانِ نَظَرْتَ : هَلْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ السَّابِقِ وَالتَّالِي ؟ فَإِنْ تَمَيَّزَ أُوجِبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَمَارَاتِ عِدَّةٌ :

هذا المحتوى أصلٌ لـ23 حديثًا
هذا المحتوى مخالِفٌ لـ23 حديثًا
موقع حَـدِيث