الْوَجْهُ الرَّابِعُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ الرَّاوِي الْبَالِغِ
الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ لَمَّا سَمِعَهُ كَانَ بَالِغًا ، وَالثَّانِي كَانَ صَغِيرًا حَالَةَ الْأَخْذِ ، فَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ الْأَوَّلِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَفْهَمُ لِلْمَعَانِي ، وَأَتْقَنُ لِلْأَلْفَاظِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ غَوَائِلِ الِاخْتِلَاطِ ، وَأَحْرَصُ عَلَى الضَّبْطِ ، وَأَشَدُّ اعْتِنَاءً بِمُرَاعَاةِ أُصُولِهِ مِنَ الصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّ الْكَبِيرَ سَمِعَهُ فِي حَالَةٍ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ لَقُبِلَ مِنْهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ . وَلِهَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ لَمَّا ذُوكِرَ فِي أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ رَجَّحَ مَالِكًا عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، لِأَنَّ مَالِكًا أَخَذَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ كَبِيرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا صَحِبَ الزُّهْرِيَّ وَهُوَ صَغِيرٌ دُونَ الِاحْتِلَامِ . فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ مَنْ تحمل شَهَادَةً وَهُوَ بَالِغٌ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا صَغِيرًا .
قُلْنَا : إِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا التَّرْجِيحُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا تخْتَلِفُ مَعْرِفَتُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرِّوَايَةُ ، فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا الْأَلْفَاظُ وَالْأَحْوَالُ وَالْأَسْبَابُ ؛ لِتَطَرُّقِ الْوَهْمِ إِلَيْهَا ، وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ ، فَيُبَالَغُ فِي مُرَاعَاتِهَا لِذَلِكَ .