بَابُ الرَّجُلِ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الطِّيبِ
كِتَابُ الْحَجِّ بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الطِّيبِ ( ح 218 )
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ غَالِبٍ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ،
أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرَّاجُ الْقَاضِي ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، أنا أَبِي ، قال : سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجِعِرَّانَةِ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرُ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صلى الله عليك ! إِنِّي أَحْرَمْتُ ، وَأَنَا كَمَا تَرَى ! قَالَ : اغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكِ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ .
( ح 219 )
أنا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّيْدَلَانِيُّ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ،
أنا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْعطاردي ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ ، ثنا عَمِّي ، ثنا أَبِي ، عَنْ ابن إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَهَلَلْتُ . وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ وَعِمَامَةٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْزِعْ عِمَامَتَكَ وَقَمِيصَكَ ، وَاغْسِلِ هذه الصُّفْرَةَ عَنْكَ ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْه فِي عُمْرَتِكَ .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الطيب عِنْدَ الْإِحْرَامِ .
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْمَنْعِ ، وَرَأَوْا لِلْمُحْرِمِ تَرْكُ الطيبِ وَغَسْلِهِ ، إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِحْرَامِ ، كَمَا يَلْزَمُهُ التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ .
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَرَأَوْا أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَأَنَّ بَقَاءَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ ، وَرَأَوْهَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ .
( ح 220 )
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَرَجِيُّ فِي كِتَابِهِ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ،
أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَقَدْ رَأَيْتُ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ ؛ تَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ .
وَرُوِّينَا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رأى مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الرَّبِّ مِنَ الْغَالِيَةِ .
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ : رَأَيْتُ ابن الزُّبَيْرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ رَجُلٌ لَاتَّخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ .
( ث 038 ) أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد بن مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ ، أنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ النَّيْسَابُورِيُّ ،
أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ ، أنا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفْنَا بَعْضَ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فِي التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَبَعْدَ الرَّمْيِ ، وَالْحِلَاقِ ، وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ، قَالَ : لَا يَتَطَيَّبُ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَّرَ مُعَاوِيَةَ وَأَحْرَمَ مَعَهُ فَوَجَدَ مِنْهُ طِيبًا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الطِّيبَ ، وَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ رَمَى الْجَمْرةَ وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ ؛ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَفْقَهُ وَأَجْمَلُ مَذْهَبًا مِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ .
( ح 221 )
أخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَرُبَّمَا قَالَ : عَنْ أَبِيهِ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ ، وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ .
قَالَ سَالِمٌ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَلِحِلِّهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَة ، وَقَبْلَ أَنْ يَزُورَ .
قَالَ سَالِمٌ : وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُ مَذْهَبًا - يَعْنِي لِمَنْ خَالَفَهُ - فِي جَوَازِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمِ الصُّفْرَةَ عَنْهُ ، وَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ - فِيمَا نَرَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلصُّفْرَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ .
( ح 222 )
وَقَالَ : ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ .
ثُمَّ قَالَ : وَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ عَنْهُ ، يَعْنِي حَدِيثَ عَمَّارٍ أَنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ إِلَّا لِمَا وَصَفْتُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْهَى عَنِ الطِّيبِ فِي حَالٍ يَتَطَيَّبُ فِيهَ عليه
السلام .
ثُمَّ قَالَ : وَلَوْ كَانَ نَهْيُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهَا طِيبٌ ، فَإِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ عَامَ الْجِعِرَّانَةِ - وَهِيَ سَنَةَ ثَمَانٍ - وَكَانَ حجه حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ ، وكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالَّذِي خَالَفَنَا يَرْوِي أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْ مُعَاوِيَةَ . أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى الْحَدِيثِ :
( ث 039 )
الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ - أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ ، فَقَالَ : مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ عُمَرُ : مِنْكَ لَعَمْرِي . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : أُمُّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ : عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتَغْسِلَنَّهُ .
وَلَوْ بَلَغَ عُمَرَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ لَرَجَعَ إِلَى خَبَرِهَا ، وَإِذْ لَمْ يَبْلُغْهُ ذلك فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ كَمَا قَالَ سَالِمٌ .
وَاحْتَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ حَتَّى
يَذْهَبَ أَثَرُهُ - بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ :
( ح 223 ) قَالَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا؟ فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا ، لَأَنْ أطلى بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أن أَفْعَلُ ذَلِكَ .
فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ إِحْرَامِهِ ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ الْمُنْتَشِرِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَصَابَهُنَّ حَتَّى وَجَبَ عليه الْغُسْلُ ، بَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا كَانَ يَطُوفُ على نسائه مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُنَّ .
( ح 224 )
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : قَلَّ يَوْمٌ - أَوْ مَا كَانَ يَوْمٌ - إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا ، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمَسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ . فَإِذَا جَاءَ إلى الَّتِي هِيَ يَوْمُهَا ثبت عِنْدَهَا .
ثُمَّ إِنْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ دَلَالَةً مَا عَلَى أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ مَا تَطَيَّبَ ، أَوِ اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ ، فَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ ، يعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ ، يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ؛ لِأَنَّ وَبِيصَ الشَّيْءِ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ ، وَلَا يَكُونُ لِرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالطِّيبِ بَرِيقٌ وَلَا لَمَعَانٌ .
ثُمَّ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ نَقُولَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهَا طَيَّبَتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِالْمِسْكِ بَعْدَ الْغُسْلِ ، حَتَّى كانت تَرَى بَرِيقَهُ وَلَمَعَانَهُ فِي مَفْرِقِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، أَوْ طَيَّبَتْهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْغُسْلِ ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ فِي مَفَارِقِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَتَّى كَانَتْ تَرَاهُ ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مَعْنًى ، وَالْمَعَانِي لَا تُوصَفُ بِالرُّؤْيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : حَدِيثُ عَائِشَةَ ثَابِتٌ ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ اسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ ، وَهُوَ يُلْزِمُ مَالِكًا ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ .