بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ
بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ
( ح 354 )
أَخْبَرَنِا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثنا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف ، ثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ قَالَ :
سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
فَطَائِفَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى : مَنْعِ قتل النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مُطْلَقًا ، وَرَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جُثَامَةَ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى : جَوَازِ قَتْلِهِمْ مُطْلَقًا ، وَرَأَتْ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا .
وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَرَّقَتْ وَقَالَتْ : إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِلُ جَازَ قَتْلُهَا ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا صَبْرًا ، وَكَذَا فِي الْوِلْدَانِ قَالُوا : إِنْ كَانُوا مَعَ آبَائِهِمْ وَبَيَّتُوا جَازَ قَتْلَهُمْ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ صَبْرًا ، وَقَدْ تَمَسَّكَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَدِيثٍ ، وَنَحْنُ نُورِدُ بَعْضُهَا مُخْتَصَرًا :
( ح 355 )
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ ،
أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَمِعْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ؟ قَالَ : هُمْ مِنْهُمْ .
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ .
وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى : حَدِيثُ بُرَيْدَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَقِصَّةُ حَدِيثِهِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وأَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ .
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ مَنْسُوخًا ، فَحُجَّتُهُمْ :
( ح 356 )
مَا أخبرنا مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أنَا أَبُو عُبَيْدٍ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، قَالَ :
كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَأَصَابَ النَّاسُ ظَفَرًا حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ ، أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ .
( ح 357 )
أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا دَعْلَجٌ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ إِذْ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَكَانَ يَقُولُ : حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَنْسُوخٌ ، وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ .
( ح 358 )
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - : أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّعْبِ .
( ح 359 )
وَقَالَ : وأخبرنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه : فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْهُمْ ، إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ وَإِذْنٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ .
وَقَالَ : كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حُدِّثَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبٍ .
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ قَالَتْ : مَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَا .
ثُمَّ حَدِيثُ رَياحِ بْنِ الرَّبِيعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ :
( ح 360 )
أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا دَعْلَجٌ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، حَدَّثَنِي مُرَقِّعُ بْنُ صَيْفِيٍّ ، أَخْبَرَنِي جَدِّي رَياحُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِب أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُزَاةٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَمَرَّ رَياحٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةَ ، فَوَقَفُوا عَلَيْهَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ ، فَلَمَّا جَاءَ انْفَرَجُوا عَنِ الْمَرْأَةِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : أَكَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ ؟ أَلَمْ تَكُنْ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ ؟ ! ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ : الْحَقْ خَالِدًا ؛ فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً أو عَسِيفًا .
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه مَا أُبْهِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَخَّصَهَا .
( ح 361 )
أنا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ،
أنا الْحَاكِمُ بن عَبْدِ اللَّهِ ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أنا الرَّبِيعُ ، أنا الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه ، أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْهُمْ .
( ح 362 )
وَعَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .
قَالَ : فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُمْ مِنْهُمْ ، أَنَّهُ
إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ ، قَالَ : وَكَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعُهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : حَدِيثُ الصَّعْبِ كَانَ فِي عُمْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى فَقَدْ قُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ قَبْلَهَا ، وَقِيلَ فِي سنتِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْآخِرَةِ فَهِيَ بَعْد أَمْرِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَمْ نَعْلَمْهُ رَخَّصَ فِي قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ، وَمَعْنَى نَهْيهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، أَنْ يُقْصَدَ قَصْدَهُمْ بِقَتْلٍ وَهُمْ يُعْرَفُونَ مُتَمَيِّزِينَ مِمَّنْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْهُمْ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : هم مِنْهُمْ ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ خَصْلَتَيْنِ ، أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُمْنَعُ بِهِ الدَّمُ ، وَلَا حُكْمَ دَارَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَمَنْعُ بِهِ الْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ ، وَإِذَا أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ ، فَأَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ إِذَا حَلَّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ بَيَّتَ أَوْ أَغَارَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ ، فَيَسْقُطُ الْمَأْثَمُ فِيهِمْ وَالْكَفَّارَةُ وَالْعَقْلُ وَالْقَوَدُ عَمَّنْ أَصَابَهُمْ ، إِذْ أُبِيحَ أَنْ يُبَيِّتَ وَيُغِيرَ وَلَيْسَت لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قَتْلَهُمْ عَامِدًا لَهُمْ مُتَمَيِّزِينَ عَارِفًا بِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا كُفْرًا فَيَعْمَلُوا بِهِ فَيُقْتَلُوا بِهِ ، وَعَنْ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِنَّ لِقِتَالٍ ، وَأَنَّهُنَّ وَالْوِلْدَانَ يُتَحوَّلُونَ فَيَكُونُ قُوَّةً لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .
قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَينْ هَذَا بِغَيْرِهِ ؟ قِيلَ فِيهِ : مَا اكْتَفَى الْعَالِمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ : أَفَتَجِدُ مَا تَشُدُّهُ بِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا الآية .
قَالَ : فَأَوْجَبَ اللَّهُ لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَّقَبَةِ ، وَفِي قَتْلِ ذِي الْمِيثَاقِ الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَقَبَةٍ ؛ إِذْ كَانَا مَعًا مَمْنُوعَيِ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَهْدِ وَالدَّارِ مَعًا .
وَكَانَ الْمُؤْمِنُ فِي الدَّارِ غَيْرِ الْمَمْنُوعَةِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ الدم بِالْإِيمَانِ ، فَجُعِلَتْ فِيهِ قوة الْكَفَّارَةُ بِإِتْلَافِهِ ، وَلَمْ تجْعَلْ فِيهِ الدِّيَةَ وَهُوَ مَمْنُوعُ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ .
فَلَمَّا كَانَ الْوِلْدَانُ وَالنِّسَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مَمْنُوعِينَ بِإِيمَانٍ وَلَا دَارٍ ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَقْلٌ ، وَلَا قَوْدَ ، وَلَا دِيَةَ ، وَلَا مَأْثَمَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَلَا كَفَّارَةَ .