أمن
[ أمن ] أمن : الْأَمَانُ : وَالْأَمَانَةُ بِمَعْنًى . وَقَدْ أَمِنْتُ فَأَنَا أَمِنٌ ، وَآمَنْتُ غَيْرِي مِنَ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ . وَالْأَمْنُ : ضِدُّ الْخَوْفِ .
وَالْأَمَانَةُ : ضِدُّ الْخِيَانَةِ . وَالْإِيمَانُ : ضِدُّ الْكُفْرِ . وَالْإِيمَانُ : بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ ، ضِدُّهُ التَّكْذِيبُ .
يُقَالُ : آمَنَ بِهِ قَوْمٌ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمٌ ، فَأَمَّا آمَنْتُهُ الْمُتَعَدِّي فَهُوَ ضِدُّ أَخَفْتُهُ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ . ابْنُ سِيدَهْ : الْأَمْنُ نَقِيضُ الْخَوْفِ ، أَمِنَ فُلَانٌ يَأْمَنُ أَمْنًا وَأَمَنًا ; حَكَى هَذِهِ الزَّجَّاجُ ، وَأَمَنَةً وَأَمَانًا فَهُوَ أَمِنٌ .
وَالْأَمَنَةُ : الْأَمْنُ ; وَمِنْهُ : أَمَنَةً نُعَاسًا وَ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ، نَصَبَ أَمَنَةً لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ كَقَوْلِكَ : فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ ; قَالَ ذَلِكَ الزَّجَّاجُ . وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ الْمَسِيحِ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ فِي الْأَرْضِ أَيِ الْأَمْنُ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَرْضَ تَمْتَلِئُ بِالْأَمْنِ فَلَا يَخَافُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ . وَفِي الْحَدِيثِ : النُّجُومُ أَمَنَةُ السَّمَاءَ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى الْأُمَّةَ مَا تُوعَدُ ; أَرَادَ بِوَعْدِ السَّمَاءِ انْشِقَاقَهَا وَذَهَابَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَذَهَابُ النُّجُومِ : تَكْوِيرُهَا وَانْكِدَارُهَا وَإِعْدَامُهَا ، وَأَرَادَ بَوَعْدِ أَصْحَابِهِ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ بِوَعْدِ الْأُمَّةِ ، وَالْإِشَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى مَجِيءِ الشَّرِّ عِنْدَ ذَهَابِ أَهْلِ الْخَيْرِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ كَانَ يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَالَتِ الْآرَاءُ وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ ، فَكَانَ الصَّحَابَةُ يُسْنِدُونَ الْأَمْرَ إِلَى الرَّسُولِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ ، فَلَمَّا فُقِدَ قَلَّتِ الْأَنْوَارُ وَقَوِيَتِ الظُّلَمُ ، وَكَذَلِكَ حَالُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ النُّجُومِ ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَالْأَمَنَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعُ أَمِينٍ ، وَهُوَ الْحَافِظُ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ج١ / ص١٦٤; قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَرَادَ ذَا أَمْنٍ فَهُوَ آمِنٌ وَأَمِنٌ وَأَمِينٌ ; عَنِ اللِّحْيَانِيِّ ، وَرَجُلٌ أَمِنٌ وَأَمِينٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ، أَيِ الْآمِنِ يَعْنِي مَكَّةَ ، وَهُوَ مِنَ الْأَمْنِ ، وَقَوْلُهُ :
ابْنُ السِّكِّيتِ : وَالْأَمِينُ الْمُؤْتَمِنُ . وَالْأَمِينُ : الْمُؤْتَمَنُ ، مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَأَنْشَدَ ابْنُ اللَّيْثِ أَيْضًا : لَا أَخُونُ يَمِينِي أَيِ الَّذِي يَأْتَمِنُنِي الْجَوْهَرِيُّ : وَقَدْ يُقَالُ الْأَمِينُ الْمَأْمُونُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَا أَخُونُ أَمِينِي أَيْ مَأْمُونِي . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ، أَيْ قَدْ أَمِنُوا فِيهِ الْغِيَرَ .
وَأَنْتَ فِي آمِنٍ أَيْ فِي أَمْنٍ كَالْفَاتِحِ . وَقَالَ أَبُو زِيَادٍ : أَنْتَ فِي أَمْنٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْ فِي أَمَانٍ ، وَرَجُلٌ أُمَنَةٌ : يَأَمَنُ كُلَّ أَحَدٍ ، وَقِيلَ : يَأْمَنُهُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ غَائِلَتَهُ ; وَأُمَنَةٌ أَيْضًا : مَوْثُوقٌ بِهِ مَأْمُونٌ ، وَكَانَ قِيَاسُهُ أُمْنَةً ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ هَاهُنَا إِلَّا بِمَفْعُولٍ ؟ اللِّحْيَانِيُّ : يُقَالُ مَا آمَنْتُ أَنْ أَجِدَ صَحَابَةً إِيمَانًا أَيْ مَا وَثِقْتُ ، وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُ الثِّقَةُ . وَرَجُلٌ أَمَنَةٌ ، بِالْفَتْحِ : لِلَّذِي يُصَدِّقَ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ وَلَا يُكَذِّبُ بِشَيْءٍ .
وَرَجُلٌ أَمَنَةٌ أَيْضًا إِذَا كَانَ يَطْمَئِنُّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَثِقُ بِكُلِّ أَحَدٍ ، وَكَذَلِكَ الْأُمَنَةُ مِثَالُ الْهُمَزَةِ . وَيُقَالُ : آمَنَ فُلَانٌ الْعَدُوَّ إِيمَانًا ، فَأَمِنَ يَأْمَنُ وَالْعَدُوُّ مُؤْمَنٌ ، وَأَمِنْتُهُ عَلَى كَذَا وَأْتَمَنْتُهُ بِمَعْنًى ، وَقُرِئَ : ( مَا لَكَ لَا تَأْمَنَنَا عَلَى يُوسُفَ ) ، بَيْنَ الْإِدْغَامِ وَالْإِظْهَارِ ; قَالَ الْأَخْفَشُ : وَالْإِدْغَامُ أَحْسَنُ : وَتَقُولُ : اؤْتُمِنَ فُلَانٌ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَإِنِ ابْتَدَأْتَ بِهِ صَيَّرْتَ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ وَاوًا لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ اجْتَمَعَ فِي أَوَّلِهَا هَمْزَتَانِ وَكَانَتِ الْأُخْرَى مِنْهُمَا سَاكِنَةً ، فَلَكَ أَنْ تُصَيِّرَهَا وَاوًا إِذَا كَانَتِ الْأُولَى مَضْمُومَةً ، أَوْ يَاءً إِنْ كَانَتِ الْأُولَى مَكْسُورَةً نَحْوَ إِيتَمَنَهُ ، أَوْ أَلِفًا إِنْ كَانَتِ الْأُولَى مَفْتُوحَةً نَحْوَ آمَنَ . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ فَقَالَ : إِنِّي لَا إِيمَنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ أَيْ لَا آمَنُ ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَكْسِرُ أَوَائِلَ الْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ نَحْوَ يِعْلَمُ وَنِعْلَمُ ، فَانْقَلَبَتِ الْأَلِفُ يَاءً لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا .
وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ : دَخَلَ فِي أَمَانِهِ ، وَقَدْ أَمَّنَهُ وَآمَنَهُ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ : لَسْتَ مُؤَمَّنًا أَيْ لَا نُؤَمِّنُكَ . وَالْمَأْمَنُ : مَوْضِعُ الْأَمْنِ .
وَالْأَمِنُ : الْمُسْتَجِيرُ لِيَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ ; عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَأَنْشَدَ :
وَفِي الْحَدِيثِ : الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ ; مُؤْتَمَنُ الْقَوْمِ : الَّذِي يَثِقُونَ إِلَيْهِ وَيَتَّخِذُونَهُ أَمِينًا حَافِظًا ، تَقُولُ اؤْتُمِنَ الرَّجُلُ ، فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ يَعْنِي أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَمِينُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ . وَفِي الْحَدِيثِ : الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ ; هَذَا نَدْبٌ إِلَى تَرْكِ إِعَادَةِ مَا يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ ، وَالْأَمَانَةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلٍّ مِنْهَا حَدِيثٌ . وَفِي الْحَدِيثِ : الْأَمَانَةُ غِنًى أَيْ سَبَبُ الْغِنَى ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا عُرِفَ بِهَا كَثُرَ مُعَامِلُوهُ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغِنَاهُ .
وَفِي حَدِيثِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ : وَالْأَمَانَةَ مَغْنَمًا أَيْ يَرَى مَنْ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ أَنَّ الْخِيَانَةَ فِيهَا غَنِيمَةٌ قَدْ غَنِمَهَا . وَفِي الْحَدِيثِ : الزَّرْعُ أَمَانَةٌ وَالتَّاجِرُ فَاجِرٌ ، جَعَلَ الزَّرْعَ أَمَانَةً لِسَلَامَتِهِ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي التِّجَارَةِ مِنَ التَّزَيُّدِ فِي الْقَوْلِ وَالْحَلِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَيُقَالُ : مَا كَانَ فُلَانٌ أَمِينًا ، وَلَقَدْ أَمُنَ يَأْمُنُ أَمَانَةً .
وَرَجُلٌ أَمِينٌ وَأُمَّانٌ أَيْ لَهُ دِينٌ ، وَقِيلَ : مَأْمُونٌ بِهِ ثِقَةٌ ; قَالَ الْأَعْشَى :
الْجَوْهَرِيُّ : أَصْلُ آمَنَ أَأْمَنَ ، بِهَمْزَتَيْنِ ، لُيِّنَتِ الثَّانِيَةُ ، وَمِنْهُ الْمُهَيْمِنُ وَأَصْلُهُ مُؤَأْمِنٌ ، لُيِّنَتِ الثَّانِيَةُ وَقُلِبَتْ يَاءً وَقُلِبَتِ الْأُولَى هَاءً ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : قَوْلُهُ بِهَمْزَتَيْنِ ، لُيِّنَتِ الثَّانِيَةُ ، صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ أُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ ; وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي مُهَيْمِنٍ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ مُؤَأْمِنٌ لُيِّنَتِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ وَقُلِبَتْ يَاءً لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ ، وَإِنَّمَا تَخْفِيفُهَا أَنْ تُقْلَبَ أَلِفًا لَا غَيْرُ ، قَالَ : فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ مُهَيْمِنًا مِنْ هَيْمَنَ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ لَا غَيْرُ . وَحَدَّ الزَّجَّاجُ الْإِيمَانَ فَقَالَ : الْإِيمَانُ إِظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُولِ لِلشَّرِيعَةِ وَلِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتِقَادُهُ وَتَصْدِيقُهُ بِالْقَلْبِ ، فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُرْتَابٍ وَلَا شَاكٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ رَيْبٌ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ : وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ، أَيْ بِمُصَدِّقٍ .
وَالْإِيمَانُ : التَّصْدِيقُ . التَّهْذِيبُ : وَأَمَّا الْإِيمَانُ فَهُوَ مَصْدَرُ آمَنَ يُؤْمِنُ إِيمَانًا ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ . وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْنَاهُ التَّصْدِيقُ .
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا الْآيَةَ ، قَالَ : وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى تَفْهِيمِهِ ، وَأَيْنَ يَنْفَصِلُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُسْلِمِ وَأَيْنَ يَسْتَوِيَانِ ، وَالْإِسْلَامُ إِظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُولِ لِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ فَإِنْ كَانَ مَعَ ج١ / ص١٦٥ذَلِكَ الْإِظْهَارِ اعْتِقَادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ ، فَذَلِكَ الْإِيمَانُ الَّذِي يُقَالُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرَ مُرْتَابٍ وَلَا شَاكٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْجِهَادَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ رَيْبٌ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ حَقًّا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، أَيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ فَهُمُ الصَّادِقُونَ ، فَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ قَبُولَ الشَّرِيعَةِ وَاسْتَسْلَمَ لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ وَبَاطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ أَسْلَمْتُ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ صِدِّيقًا ، لِأَنَّ قَوْلَكَ آمَنْتُ بِاللَّهِ ، أَوْ قَالَ قَائِلٌ آمَنْتُ بِكَذَا وَكَذَا ، فَمَعْنَاهُ صَدَّقْتُ فَأَخْرَجَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ ; فَقَالَ : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ، أَيْ لَمْ تُصَدِّقُوا إِنَّمَا أَسْلَمْتُمْ تَعَوُّذًا مِنَ الْقَتْلِ ، فَالْمُؤْمِنُ مُبْطِنٌ مِنَ التَّصْدِيقِ مِثْلَ مَا يُظْهِرُ ، وَالْمُسْلِمُ التَّامُّ الْإِسْلَامِ مُظْهِرٌ لِلطَّاعَةِ مُؤْمِنٌ بِهَا ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَعَوُّذًا غَيْرُ مُؤْمِنٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، إِلَّا أَنَّ حُكْمَهُ فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ : وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ، لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِيمَانِ الدُّخُولُ فِي صِدْقِ الْأَمَانَةِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا اعْتَقَدَ التَّصْدِيقَ بِقَلْبِهِ كَمَا صَدَّقَ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ التَّصْدِيقَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُؤَدٍّ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ مُنَافِقٌ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ إِظْهَارُ الْقَوْلِ دُونَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا يَنْضَحُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ تَأْيِيدًا لَهُمْ ، أَوْ يَكُونَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَمَا يُقَالُ لَهُ ، أَخْرَجَهُ الْجَهْلُ وَاللَّجَاجُ إِلَى عِنَادِ الْحَقِّ وَتَرْكِ قَبُولِ الصَّوَابِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَعَلَنَا مِمَّنْ عَلِمَ فَاسْتَعْمَلَ مَا عَلِمَ ، أَوْ جَهِلَ فَتَعَلَّمَ مِمَّنْ عَلِمَ ، وَسَلَّمَنَا مِنْ آفَاتِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ; مَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ هَذِهِ الصِّفَةَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، لِأَنَّ إِنَّمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَجِيءُ لِتَثْبِيتِ شَيْءٍ وَنَفْيِ مَا خَالَفَهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا قَالَا : الْأَمَانَةُ هَاهُنَا الْفَرَائِضُ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى عِبَادِهِ ; وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَعَرَفَ ثَوَابَ الطَّاعَةِ وَعِقَابَ الْمَعْصِيَةِ ; قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ الْأَمَانَةَ هَاهُنَا النِّيَّةُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا الْإِنْسَانُ فِيمَا يُظْهِرُهُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْإِيمَانِ وَيُؤَدِّيهِ مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ فِي الظَّاهِرِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - ائْتَمَنَهَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُظْهِرْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ ، فَمَنْ أَضْمَرَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ مِثْلَ مَا أَظْهَرَ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَمَنْ أَضْمَرَ التَّكْذِيبَ ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ بِاللِّسَانِ فِي الظَّاهِرِ فَقَدْ حَمَلَ الْأَمَانَةَ وَلَمْ يُؤَدِّهَا ، وَكُلُّ مَنْ خَانَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَامِلٌ ، وَالْإِنْسَانُ فِي قَوْلِهِ : وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ، هُوَ الْكَافِرُ الشَّاكُّ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ - وَهُوَ الظَّلُومُ الْجَهُولُ - يَدُلُّكُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم : الْإِيمَانُ أَمَانَةٌ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : لَا إِيمَانَ لَمِنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ ثَعْلَبٌ : الْمُؤْمِنُ بِالْقَلْبِ وَالْمُسْلِمُ بِاللِّسَانِ ، قَالَ الزَّجَّاجُ : صِفَةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَاجِيًا ثَوَابَهُ خَاشِيًا عِقَابَهُ .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ ثَعْلَبٌ : يُصَدِّقُ اللَّهَ وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَدْخَلَ اللَّامَ لِلْإِضَافَةِ ، فَأَّمَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : لَا تَجِدُهُ مُؤْمِنًا حَتَّى تَجِدَهُ مُؤْمِنَ الرِّضَا مُؤْمِنَ الْغَضَبِ أَيْ مُؤْمِنًا عِنْدَ رِضَاهُ مُؤْمِنًا عِنْدَ غَضَبِهِ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : مَنِ الْمُهَاجِرُ ؟ فَقَالَ : مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ ، قَالَ : فَمَنِ الْمُؤْمِنُ ؟ قَالَ : مَنِ ائْتَمَنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، قَالَ : فَمَنِ الْمُسْلِمُ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، قَالَ : فَمَنِ الْمُجَاهِدُ ؟ قَالَ : مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ .
قَالَ النَّضْرُ : وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ : مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : الطُّمَأْنِينَةُ ، قَالَ : وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ : تَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ ; قَالَ : لَا أَقُولُهُ وَهَذَا تَزْكِيَةٌ . ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . وَآمَنْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا صَدَّقْتَ بِهِ ; وَقَالَ الشَّاعِرُ :
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قِصَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ، أَرَادَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا . وَفِي الْحَدِيثِ : نَهْرَانِ مُؤْمِنَانِ وَنَهْرَانِ كَافِرَانِ أَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ، وَأَمَّا الْكَافِرَانِ فَدِجْلَةُ وَنَهْرُ بَلْخٍ ، جَعَلَهُمَا مُؤْمِنَيْنِ عَلَى التَّشْبِيهِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَفِيضَانِ عَلَى الْأَرْضِ فَيَسْقِيَانِ الْحَرْثَ بِلَا مَؤُونَةٍ ، وَجَعَلَ الْآخَرَيْنِ كَافِرَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْقِيَانِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِمَا إِلَّا بِمَؤُونَةٍ وَكُلْفَةٍ ، فَهَذَانِ فِي الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ كَالْمُؤْمِنَيْنِ ، وَهَذَانِ فِي قِلَّةِ النَّفْعِ كَالْكَافِرَيْنِ . وَفِي الْحَدِيثِ : لَا يَزْنِي الزَّانِي ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ .
قِيلَ : مَعْنَاهُ النَّهْيُ ، وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ وَالْأَصْلُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ يَزْنِي أَيْ : لَا يَزْنِ الْمُؤْمِنُ وَلَا يَسْرِقْ وَلَا يَشْرَبْ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَقِيلَ : هُوَ وَعِيدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَزْنِي وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْهَوَى يُغَطِّي الْإِيمَانَ ، فَصَاحِبُ الْهَوَى لَا يَزْنِي إِلَّا هَوَاهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى إِيمَانِهِ النَّاهِي لَهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ ، فَكَأَنَّ الْإِيمَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قَدِ انْعَدَمَ ; قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : الْإِيمَانُ نَزِهٌ فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ فَارَقَهُ ; وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِذَا ج١ / ص١٦٦زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ ، فَإِذَا أَقْلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ ، قَالَ : وَكُلُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَرَفْعِ الْإِيمَانِ وَإِبْطَالِهِ . وَفِي حَدِيثِ الْجَارِيَةِ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ; إِنَّمَا حَكَمَ بِإِيمَانِهَا بِمُجَرَّدِ سُؤَالِهِ إِيَّاهَا : أَيْنَ اللَّهُ ؟ وَإِشَارَتِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَبُقُولِهِ لَهَا : مَنْ أَنَّا ؟ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى السَّمَاءِ ، يَعْنِي أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ دُونَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالتَّبَرِّي مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ ، وَإِنَّمَا حَكَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى مِنْهَا أَمَارَةَ الْإِسْلَامِ وَكَوْنَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ رِقِّ الْمُسْلِمِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي عِلْمًا لِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ لَمْ يُقْتَصَرْ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ إِنِّي مُسْلِمٌ حَتَّى يَصِفَ الْإِسْلَامَ بِكَمَالِهِ وَشَرَائِطِهِ ، فَإِذَا جَاءَنَا مَنْ نَجْهَلُ حَالَهُ فِي الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، فَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ قَبِلْنَاهُ ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ هَيْئَةٍ وَشَارَةٍ وَدَارٍ كَانَ قَبُولُ قَوْلِهِ أَوْلَى ، بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا . وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : أَسْلَمُ النَّاسِ وَآمَنُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ; كَأَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى جَمَاعَةٍ آمَنُوا مَعَهُ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَأَنَّ عَمْرًا كَانَ مُخْلِصًا فِي إِيمَانِهِ ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ .
وَفِي الْحَدِيثِ : مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ أَيْ آمَنُوا عِنْدَ مُعَايَنَةِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ ، وَأَرَادَ بِالْوَحْيِ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ الَّذِي خُصَّ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ كَانَ مُعْجِزًا إِلَّا الْقُرْآنُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُحْلَفَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ، وَالْأَمَانَةُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِهِ ، فَنُهُوا عَنْهَا مِنْ أَجْلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، كَمَا نُهُوا أَنْ يَحْلِفُوا بِآبَائِهِمْ . وَإِذَا قَالَ الْحَالِفُ : وَأَمَانَةِ اللَّهِ ، كَانَتْ يَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَعُدُّهَا يَمِينًا .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ ، أَيْ أَهْلَكَ وَمَنْ تُخَلِّفُهُ بَعْدَكَ مِنْهُمْ ، وَمَالَكَ الَّذِي تُودِعُهُ وَتَسْتَحْفِظُهُ أَمِينَكَ وَوَكِيلَكَ . وَالْأَمِينُ : الْقَوِيُّ لِأَنَّهُ يُوثَقُ بِقُوَّتِهِ . وَنَاقَةٌ أَمُونٌ : أَمِينَةٌ وَثِيقَةُ الْخَلْقِ ، قَدْ أُمِنَتْ أَنْ تَكُونَ ضَعِيفَةً ، وَهِيَ الَّتِي أُمِنَتِ الْعِثَارَ وَالْإِعْيَاءَ ، وَالْجَمْعُ أُمُنٌ قَالَ : وَهَذَا فَعُولٌ جَاءَ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولَةٍ ، كَمَا يُقَالُ : نَاقَةٌ عَضُوبٌ وَحَلُوبٌ .
وَآمِنُ الْمَالِ : مَا قَدْ أَمِنَ لِنَفَاسَتِهِ أَنْ يُنْحَرَ ، عَنَى بِالْمَالِ الْإِبِلَ ، وَقِيلَ : هُوَ الشَّرِيفُ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ ، كَأَنَّهُ لَوْ عَقَلَ لَأَمِنَ أَنْ يُبْذَلَ ; قَالَ الْحُوَيْدِرَةُ :
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يَصْدُقُ عِبَادَهُ وَعْدَهُ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقِ ، أَوْ يُؤْمِنُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ عَذَابَهُ فَهُوَ مِنَ الْأَمَانِ ضِدِّ الْخَوْفِ . الْمُحْكَمِ : الْمُؤْمِنُ ، اللَّهُ - تَعَالَى - يُؤَمِّنُ عِبَادَهُ مِنْ عَذَابِهِ ، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ ; قَالَ الْفَارِسِيُّ : الْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءُ مُلْحَقَةٌ ، بِبِنَاءِ مُدَحْرَجٍ ; وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُصَدِّقُ لِعِبَادِهِ ، وَالْمُهَيْمِنُ الشَّاهِدُ عَلَى الشَّيْءِ الْقَائِمُ عَلَيْهِ . وَالْإِيمَانُ : الثِّقَةُ .
وَمَا آمَنَ أَنْ يَجِدَ صَحَابَةً أَيْ مَا وَثِقَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَا كَادَ . وَالْمَأْمُونَةُ مِنَ النِّسَاءِ : الْمُسْتَرَادُ لِمِثْلِهَا . قَالَ ثَعْلَبٌ : فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ : مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ ; مَعْنَى مَا آمَنَ بِي شَدِيدٌ أَيْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُواسِيَهُ .
وَآمِينَ وَأَمِينَ : كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي إِثْرِ الدُّعَاءِ ; قَالَ الْفَارِسِيُّ : هِيَ جُمْلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ فِعْلٍ وَاسْمٍ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي ، قَالَ : وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَتْبَاعِهِ ، فَقَالَ : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، قَالَ هَارُونُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : آمِينَ ، فَطَبَّقَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى آمِينَ كَذَلِكَ يَكُونُ ، وَيُقَالُ : أَمَّنَ الْإِمَامُ تَأْمِينًا إِذَا قَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ : آمِينَ ، وَأَمَّنَ فُلَانٌ تَأْمِينًا . الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِ الْقَارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آمِينَ : فِيهِ لُغَتَانِ : تَقُولُ الْعَرَبُ أَمِينَ بِقَصْرِ الْأَلِفِ ، وَآمِينَ بِالْمَدِّ ، وَالْمَدُّ أَكْثُرُ ، وَأَنْشَدَ فِي لُغَةِ مَنْ قَصَرَ :
وَرَوَى الْأَزْهَرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، قَالَتْ : غُشِيَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ غَشْيَةً ظَنُّوا أَنَّ نَفْسَهُ خَرَجَتْ فِيهَا ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ إِلَى الْمَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِمَا أُمِرَتْ أَنْ تَسْتَعِينَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَغُشِيَ عَلَيَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : صَدَقْتُمْ إِنَّهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فِي غَشْيَتِي ، فَقَالَا : انْطَلِقْ نُحَاكِمْكَ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ ، قَالَ : فَانْطَلَقَا بِي ، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ : وَأَيْنَ تُرِيدَانِ بِهِ ؟ قَالَا : نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ ، قَالَ : فَارْجِعَاهُ فَإِنَّ هَذَا مِمَّنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُمُ السَّعَادَةَ وَهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، وَسَيُمَتِّعُ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : فَعَاشَ شَهْرًا ثُمَّ مَاتَ . وَالتَّأْمِينُ : قَوْلُ آمِينَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ; قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ طَابَعُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُمُ الْآفَاتِ وَالْبَلَايَا ، فَكَانَ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ فَسَادِهِ وَإِظْهَارِ مَا فِيهِ لِمَنْ يُكْرَهُ عِلْمُهُ بِهِ وَوُقُوفُهُ عَلَى مَا فِيهِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : آمِينَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ ; قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَلِمَةٌ يَكْتَسِبُ بِهَا قَائِلُهَا دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ . وَفِي حَدِيثِ بِلَالٍ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ ; قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ كَانَ يَقْرَأِ الْفَاتِحَةَ فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى مِنْ سَكْتَتَيِ الْإِمَامِ ، فَرُبَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا فَاسْتَمْهَلَهُ بِلَالٌ فِي التَّأْمِينِ بِقَدْرِ مَا يُتِمُّ فِيهِ قِرَاءَةَ بَقِيَّةِ السُّورَةِ حَتَّى يَنَالَ بَرَكَةَ مُوَافَقَتِهِ فِي التَّأْمِينِ .