حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ

( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ ) مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ; أَيِ : الْمُتَجَاوِزِينَ الْحَدَّ ، وَانْتِحَالَ أَيِ : ادِّعَاءَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ( لَكِنْ ) قَدْ ( خُولِفَا ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لِكَوْنِ الْحَدِيثِ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهِ ضَعِيفًا ، بِحَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ : إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ ، بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَفْسُهُ : أَسَانِيدُهُ كُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ . ج٢ / ص١٧٠وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا ، يَعْنِي : مُسْنَدًا ، وَقَالَ شَيْخُنَا : وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَحَكَمَ عليه غَيْرُهُ بِالْوَضْعِ ، وَإِنْ قَالَ الْعَلَائِيُّ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ مِنْهَا : إِنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَصَحَّحَ الْحَدِيثَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَكَذَا نَقَلَ الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَمْثَالِ عَنْ أَبِي مُوسَى عِيسَى بْنِ صُبَيْحٍ تَصْحِيحَهُ ، فَأَبُو مُوسَى هَذَا لَيْسَ بِعُمْدَةٍ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْمُعْتَزِلَةِ .

وَأَحْمَدُ فَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَلَامَهُ ، وَحَدِيثُ أُسَامَةَ بِخُصُوصِهِ ، قَالَ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ : إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ قَوِيٌّ ، وَالْأَغْلَبُ عَدَمُ صِحَّتِهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوِيًّا - انْتَهَى . ج٢ / ص١٧١وَسَأُحَقِّقُ الْأَمْرَ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; فَإِنَّهُ عِنْدِي مِنْ غَيْرِ مُرْسَلِ إِبْرَاهِيمَ الْعُذْرِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَمْرٍو وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ صَلَاحِيَتِهِ لِلْحُجَّةِ أَوْ ضَعْفِهِ ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنْ لَوْ كَانَ خَبَرًا ، ولَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْخَبَرِ لِوُجُودِ مَنْ يَحْمِلُ الْعِلْمَ ، وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ وَغَيْرُ ثِقَةٍ ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا

وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَفْسُهُ يَقُولُ : فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَحْمَلٌ إِلَّا عَلَى الْأَمْرِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ للثِّقَاتِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ إِنَّمَا يُقْبَلُ عَنِ الثِّقَاتِ
. وَيَتَأَيَّدُ بِأَنَّهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : " لِيَحْمِلْ " بِلَامِ الْأَمْرِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ . وَحِينَئِذٍ سَوَاءٌ رُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ، أَوْ بِالْجَزْمِ عَلَى إِرَادَةِ لَامِ الْأَمْرِ ، فَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، بَلْ لَا مَانِعَ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهِ ج٢ / ص١٧٢خَبَرًا عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ ، وَالْقَصْدُ أَنَّهُ مَظَنَّةٌ لِذَلِكَ .

وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِهِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَانَةِ الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ ، وَعَدَالَةِ نَاقِلِيهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوَفِّقُ لَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ خَلَفًا مِنَ الْعُدُولِ يَحْمِلُونَهُ ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ التَّحْرِيفَ فَلَا يَضِيعُ ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِعَدَالَةِ حَامِلِيهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، وَهَكَذَا وَقَعَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، وَلَا يَضُرُّ مَعَ هَذَا كَوْنُ بَعْضِ الْفُسَّاقِ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ الْعُدُولَ يَحْمِلُونَهُ ، لَا أَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْهُ - انْتَهَى
. عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ : مَا يَعْرِفُهُ الْفُسَّاقُ مِنَ الْعِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيقَةً ; لِعَدَمِ عِمِلهِمْ بِهِ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي تَقْرِيرِ قَوْلِ التَّلْخِيصِ : وَقَدْ يُنَزَّلُ الْعَالِمُ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِ . وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ :
وَلَا الْعِلْمُ إِلَّا مَعَ التُّقَى وَلَا الْعَقْلُ إِلَّا مَعَ الْأَدَبِ
وَمِنَ الْغَرِيبِ فِي ضَبْطِهِ مَا حَكَاهُ الشَّارِحُ فِي نُكَتِهِ عَنْ فَوَائِدِ رِحْلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ مِمَّا عَزَاهُ لِأَبِي عَمْرٍو مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيِّ : " يُحْمَلُ " بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَرَفْعِ مِيمِ الْعِلْمِ ، وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ مِنْ عَدُولَه ، مَعَ إِبْدَالِ الْهَاءِ تَاءً مُنَوَّنَةً .

وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلَفَ هُوَ الْعَدُولَةُ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَادِلٌ ، كَمَا يُقَالُ : شَكُورٌ بِمَعْنَى شَاكِرٍ ، وَتَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجُلٌ صَرُورَةٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْعِلْمَ يُحْمَلُ عَنْ كُلِّ خَلَفٍ كَامِلٍ فِي عَدَالَتِهِ . ج٢ / ص١٧٣لَكِنْ يَتَأَيَّدُ بِمَا حَكَاهُ الْعَسْكَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ عَقِبَ الْحَدِيثِ : فَسَبِيلُ الْعِلْمِ أَنْ يُحْمَلَ عَمَّنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ وَوَصْفُهُ . وَنَحْوُهُ مَا يُرْوَى مَرْفُوعًا : إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ دِينَكَ .

وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَلَا يَسُوغُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . وَقَوِيَ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ تَوَسُّعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ وقَالَ : إِنَّهُ قَرِيبُ الِاسْتِمْدَادِ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ ظَاهِرَ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَقَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مُسْلِمٍ مَجْهُولِ الْحَالِ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ جَرْحُهُ . قَالَ : وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا ; لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاحْتِيَاطِ .

وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْمُتَوَسِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمُ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا عَلَى الْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ فِيمَا يَشْهَدُونَ بِهِ . عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ سَبَقَ بِذَلِكَ ، فَرُوِّينَا فِي شَرَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِلْخَطِيبِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ : رَأَيْتُ رَجُلًا ج٢ / ص١٧٤قَدَّمَ آخَرَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ ، فَادَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَأَنْكَرَ ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، فقال : أَمَّا فُلَانٌ فَمِنْ شُهُودِي ، وَأَمَّا فُلَانٌ فَلَيْسَ مِنْ شُهُودِي ، قَالَ : فَيَعْرِفُهُ الْقَاضِي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : بِمَاذَا ؟ قَالَ : أَعْرِفُهُ بِكَتْبِ الْحَدِيثِ ، قَالَ : فَكَيْفَ تَعْرِفُهُ فِي كَتْبَتِهِ الْحَدِيثَ ؟ قَالَ : مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا ، قَالَ : فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ) ، وَمَنْ عَدَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِمَّنْ عَدَّلْتَهُ أَنْتَ ، قَالَ : فَقُمْ فَهَاتِهِ ، فَقَدْ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّاقِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ : أَهْلُ الْعِلْمِ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ .

وَقَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ : إِنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ رَدَّهُ بَعْضُهُمْ ، وَسَبَقَهُ الْمِزِّيُّ فَقَالَ : هُوَ فِي زَمَانِنَا مَرْضِيٌّ ، بَلْ رُبَّمَا يَتَعَيَّنُ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ : لَسْتُ أَرَاهُ إِلَّا مَرْضِيًّا ، وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيُّ : إِنَّهُ حَقٌّ ، قَالَ : وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَسْتُورُ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ ، فَكُلُّ مَنِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْعِنَايَةِ بِهَذَا الشَّأْنِ ، ثُمَّ كَشَفُوا عَنْ أَخْبَارِهِ فَمَا وَجَدُوا فِيهِ تَلْيِينًا ، وَلَا اتَّفَقَ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَنَّ أَحَدًا وَثَّقَهُ ، فَهَذَا الَّذِي عَنَاهُ الْحَافِظُ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مَقْبُولَ الْحَدِيثِ إِلَى أَنْ يَلُوحَ فِيهِ جَرْحٌ . قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ إِخْرَاجُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لِجَمَاعَةٍ مَا اطَّلَعْنَا فِيهِمْ عَلَى جَرْحٍ وَلَا تَوْثِيقٍ ، فَهَؤُلَاءِ يُحْتَجُّ بِهِمْ ; لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ احْتَجَّا بِهِمْ ; وَلِأَنَّ الدَّهْمَاءَ أَطْبَقَتْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْكِتَابَيْنِ بِالصَّحِيحَيْنِ .

قُلْتُ : بَلْ أَفَادَ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ إِطْبَاقَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ أَوْ كُلِّهِمْ عَلَى ج٢ / ص١٧٥كِتَابَيْهِمَا يَسْتَلْزِمُ إِطْبَاقَهُمٍ أَوْ أَكْثَرِهِمْ عَلَى تَعْدِيلِ الرُّوَاةِ الْمُحْتَجِّ بِهِمْ فِيهِمَا اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا ، قَالَ : مَعَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِيهِمْ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ . وَلَكِنْ كَانَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْمُفَضَّلِ شَيْخُ شُيُوخِنَا يَقُولُ فِيهِمْ : إِنَّهُمْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا قِيلَ فِيهِمْ . قَالَ التَّقِيُّ : وَهَكَذَا نَعْتَقِدُ ، وَبِهِ نَقُولُ ، وَلَا نَخْرُجُ عَنْهُ إِلَّا بِبَيَانٍ شَافٍ وَحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ تَزِيدُ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنِ اسْتِلْزَامِ الِاتِّفَاقِ .

وَوَافَقَهُ شَيْخُنَا ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِاسْتِلْزَامِ الْقَوْلِ بِالْقَطْعِ بِصِحَّةِ مَا لَمْ يُنْتَقَدْ مِنْ أَحَادِيثِهِمَا الْقَطْعَ بِعَدَالَةِ رُوَاتِهِمَا ، يَعْنِي فِيمَا لَمْ يُنْتَقَدْ . ثُمَّ قَالَ التَّقِيُّ : نَعَمْ ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلٌ عِنْدَ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ ، فَيَكُونُ مَنْ لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ أَصْلًا رَاجِحًا عَلَى مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي كَوْنِهِمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ - انْتَهَى . وَيُسْتَأْنَسُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا جَاءَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، إِلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ ، أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةَ زُورٍ ، أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ .

قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : وَهَذَا يُقَوِّيهِ ، لَكِنَّ ذَاكَ مَخْصُوصٌ بِحَمَلَةِ الْعِلْمِ . قُلْتُ : وَكَذَا مِمَّا يُقَوِّيهِ أَيْضًا كَلَامُ الْخَطِيبِ الْمَاضِي قَبْلَ حِكَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . ج٢ / ص١٧٦

موقع حَـدِيث