حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

إِصْلَاحُ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ

( وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ ) وَالْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ فِي ( جَامِعِهِ ) ، وَمِنْهُمْ هَمَّامٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَعَفَّانُ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ سَأَحْكِيهِ عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ ، وَصَوَّبَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ كَثِيرٍ ، أَنَّهُ ( يُصْلِحُ ) فَيُغَيِّرُ ( وَيَقْرَأُ الصَّوَابَ ) مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ .

قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَعْرِبُوا الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَرَبًا . وَعَنْهُ أَيْضًا : لَا بَأْسَ بِإِصْلَاحِ اللَّحْنِ فِي الْحَدِيثِ
.

وَمِمَّنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ الشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ج٣ / ص١٥٦مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، حَيْثُ سُئِلُوا عَنِ الرَّجُلِ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَيَلْحَنُ ؛ أَيَرْوِيهِ السَّامِعُ لَهُ كَذَلِكَ أَمْ يُعْرِبُهُ ؟ فَقَالُوا : بَلْ يُعْرِبُهُ . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي كِتَابِ ( الْإِعْرَابِ ) لَهُ . وَعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَلْحَنْ ، فَقَوِّمُوهُ .

وَرُوِّينَا فِي " جُزْءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْخِرَقِيِّ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ لَحْنٌ ، نُقَوِّمُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الْقَوْمُ لَمْ يَكُونُوا يَلْحَنُونَ ، اللَّحْنُ مِنَّا . وَعَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ مَعِينٍ : مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُقَوِّمُ لِلرَّجُلِ حَدِيثَهُ ، يَعْنِي يَنْزِعُ مِنْهُ اللَّحْنَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ يُقَوِّمُ كُلَّ لَحْنٍ فِي الْحَدِيثِ
.

قَالَ الْخَطِيبُ : وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ إِصْلَاحَ اللَّحْنِ جَائِزٌ . وَقَالَ فِي ( الْجَامِعِ ) : إِنَّ الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَلَى الصَّوَابِ ، وَتَرْكُ اللَّحْنِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِعَ مَلْحُونًا ؛ لِأَنَّ مِنَ اللَّحْنِ مَا يُحِيلُ الْأَحْكَامَ ، وَيُصَيِّرُ الْحَرَامَ حَلَالًا ، وَالْحَلَالَ حَرَامًا ، فَلَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُ السَّمَاعِ فِيمَا هَذِهِ سَبِيلُهُ
. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى وَغَيْرِهِ ، ( وَهُوَ ) أَيِ الْإِصْلَاحُ ( الْأَرْجَحُ فِي اللَّحْنِ ) الَّذِي ( لَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ ) وَفِي أَمْثَالِهِ .

أَمَّا الَّذِي يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ فَيُصْلَحُ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ جَزْمًا . وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى : لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ لَهُ اتِّفَاقًا .

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : مَا زَالَ الْقَلَمُ فِي يَدِ أَبِي حَتَّى مَاتَ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِذَا لَمْ يَتَصَرَّفِ ج٣ / ص١٥٧الشَّيْءُ فِي مَعْنًى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْلَحَ ، أَوْ كَمَا قَالَ
.

وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنَيِّرِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ : ( نَضَّرَ اللَّهُ ) : ( فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) . يَعْنِي لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى عَدَمِ تَقْلِيدِ الرَّاوِي فِي كُلِّ مَا يَجِيءُ بِهِ . وَكَذَا احْتَجَّ لَهُ ابْنُ فَارِسٍ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ : ( فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَ ) لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ : كَمَا سَمِعَ مِنْ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَاسْتِقَامَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ .

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا رُوِّينَاه فِي ( الجَامِعِ للْخَطِيبِ ) : إِذَا كَتَبَ لَحَّانٌ ، وَعَنِ اللَّحَّانِ آخَرُ مِثْلُهُ . وَعَنِ الثَّانِي ثَالِثٌ مِثْلُهُ صَارَ الْحَدِيثُ بِالْفَارِسِيَّةِ . وَنَحْوُهُ مَا قِيلَ فِي تَرْكِ الْمُقَابَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَالْقَوْلُ بِهِ - أَيْ بِالرِّوَايَةِ عَلَى الصَّوَابِ مَعَ الْإِصْلَاحِ - لَازِمٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ فِي تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى
. فَقَوْلُهُ : لَازِمٌ . يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ التَّغْيِيرُ فِي صَوَابِ اللَّفْظِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ فِي خَطَئِهِ ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مُجَرَّدَ إِلْزَامِهِمُ الْقَوْلَ بِهِ لِكَوْنِهِ هُنَا آكَدُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحَ الْخَطِيبُ بِالْجَوَازِ ؛ فَقَالَ : وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَن لَّا يُذْكَرَ الْخَطَأُ الْحَاصِلُ فِي الْكِتَابِ إِذَا كَانَ مُتَيَقَّنًا ، بَلْ يُرْوَى عَلَى الصَّوَابِ .

بَلْ كَلَامُهُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) قَدْ يُشِيرُ إِلَى الِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِذَا كَانَ اللَّحْنُ يُحِيلُ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِهِ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ يُحَرِّفُونَ الْكَلَامَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيُزِيلُونَ الْخِطَابَ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ أَنْ يَحْكِيَ ج٣ / ص١٥٨لَفْظَهُ إِذَا عَرَفَ وَجْهَ الصَّوَابِ ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَعْرُوفًا ، وَلَفْظُ الْعَرَبِ بِهِ ظَاهِرًا مَعْلُومًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَدِّثَ لَوْ قَالَ : لَا يَؤُمُّ الْمُسَافِرَ الْمُقِيمُ . بِنَصْبِ الْمُسَافِرِ وَرَفْعِ الْمُقِيمِ ، كَانَ قَدْ أَحَالَ الْمَعْنَى ؟ فَلَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُ لَفْظِهِ . وَنَحْوُهُ

قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ : كَانَ إِذَا مَرَّ بِأَبِي لَحْنٌ فَاحِشٌ غَيَّرَهُ ، وَإِنْ كَانَ سَهْلًا تَرَكَهُ
، وَقَالَ : كَذَا قَالَ الشَّيْخُ .

وَكَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَى الْخَطَأ فِيهِ ، إِمَّا بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِلِسَانِ الْعَرَبِ ، أَوْ بِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهِ .

وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ فِي ( الْإِحْكَامِ ) لَهُ فِيمَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْوَاقِعَ فِي الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْكَلَامِ الْبَتَّةَ حَرُمَ عَلَيْهِ تَأْدِيَتُهُ مَلْحُونًا ، لِتَيَقُّنِنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَلْحَنْ قَطُّ ، وَإِنَّ جَازَ وَلَوْ عَلَى لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ أَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ
. وَنَحْوُهُ قَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَسَوِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَابِسِيُّ : إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قُرِئَ عَلَى الصَّوَابِ وَأُصْلِحَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ الْعَرَبِ - ولو لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ - فَلَا ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِلُغَتِهِمْ .

يَعْنِي كَقَوْلِهِ عَلَى لُغَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ فِي قَلْبِ اللَّامِ مِيمًا : ( لَيْسَ مِنَ امْ بِرِّ امْ صِيَامُ فِي امْ سَفَرِ ) . وَمِنْ ثَمَّ أَشَارَ ابْنُ فَارِسٍ إِلَى ج٣ / ص١٥٩التَّرَوِّي فِي الْحُكْمِ عَلَى الرِّوَايَةِ بِالْخَطَأ ، وَالْبَحْثِ الشَّدِيدِ ، فَإِنَّ اللُّغَةَ وَاسِعَةٌ ، بَلْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّ كَثِيرًا مَا نَرَى مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأً - وَرُبَّمَا غَيَّرُوهُ - صَوَابًا ذَا وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَإِنْ خَفِيَ وَاسْتُغْرِبَ ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ خَطَأً مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ . وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَتَشَعُّبِهَا ، هَذَا أَبُو الْوَلِيدِ الْوَقْشِيُّ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي اللُّغَةِ وَكَثْرَةِ مُطَالَعَتِهِ وَافْتِنَانِهِ وَثُقُوبِ فَهْمِهِ وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ ، كَانَ يُبَادِرُ إِلَى الْإِصْلَاحِ ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ الصَّوَابَ فِيمَا كَانَ فِي الرِّوَايَةِ ، كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّمْرِيضِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ : لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةٌ ، وَلِأَهْلِ الْحَدِيثِ لُغَةٌ ، وَلُغَةُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْيَسُ ، وَلَا نَجِدُ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِ لُغَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ السَّمَاعِ .

وَرُئِيَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْمَنَامِ ، وَكَأَنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ شَفَتِهِ أَوْ لِسَانِهِ شَيْءٌ ثقيل ؛ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَفْظَةٌ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرْتُهَا بِرَأْيِي ، فَفُعِلَ بِي هَذَا .

موقع حَـدِيث