إِصْلَاحُ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ
وَلِذَا كُلِّهِ ( صَوَّبُوا ) أَيْ أَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ ( الْإِبْقَاءَ ) لِمَا فِي الْكِتَابِ ، وَتَقْرِيرَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ حَتَّى إِنَّهُمْ سَلَكُوهُ فِي أَحْرُفٍ مِنَ الْقُرْآنِ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ مَا فِي التِّلَاوَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا ، بِحَيْثُ لَمْ يُقْرَأْ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا ، كَمَا وَقَعَ فِي ( الصَّحِيحَيْنِ ) وَ ( الْمُوَطَّأِ ) وَغَيْرِهَا . كُلُّ ذَلِكَ ( مَعْ تَضْبِيبِهِ ) أَيِ اللَّفْظِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ الْعَارِفِ مِنْهُمْ بِالْعَلَامَةِ الْمُنَبِّهَةِ عَلَى خَلَلِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، ( وَيَذْكُرُ ) مَعَ ذَلِكَ ( الصَّوَابَ ) الَّذِي ظَهَرَ ( جَانِبًا ) ، أَيْ بِجَانِبِ اللَّفْظِ الْمُخْتَلِّ مِنْ هَامِشِ الْكِتَابِ . ( كَذَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ ) حَالَ كَوْنِهِ ( نَقْلًا ) لِعِيَاضٍ عَنْهُمْ ( أُخِذَا ) مِمَّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُهُمْ .
وَحَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ أَيْضًا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانِ رَاوِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ عَلَى مَا سَمِعَهُ لَحْنًا ، وَيَكْتُبُ عَلَى حَاشِيَةِ كِتَابِهِ : كَذَا قَالَ - يَعْنِي الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ - وَالصَّوَابُ كَذَا . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمَيَّانِشِيِّ : صَوَّبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ هَذَا ، وَأَنَا أَسْتَحْسِنُهُ ، وَبِهِ آخُذُ .
وَأَشَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ إِلَى أَنَّهُ أَبْقَى لِلْمَصْلَحَةِ وَأَنْفَى لِلْمَفْسَدَةِ . يَعْنِي لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَنَفْيِ التَّسْوِيدِ عَنِ الْكِتَابِ أَنْ لَوْ وُجِدَ لَهُ وَجْهٌ ، حَيْثُ تُجْعَلُ الضَّبَّةُ تَصْحِيحًا . كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى سَدُّ بَابِ التَّغْيِيرِ وَالْإِصْلَاحِ لِئَلَّا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ ، وَهُوَ أَسْلَمُ مَعَ التَّبْيِينِ ، فَيَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ السَّمَاعِ كَمَا وَقَعَ ، ثُمَّ يَذْكُرُ وَجْهَ صَوَابِهِ ، إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ .
وَمِمَّنْ فَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ حَيْثُ أَدَّى كَمَا سَمِعَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ كَذَا . وَصَرَّحَ الْخَطِيبُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي ( الْكِفَايَةِ ) : إِنَّ الْوَاجِبَ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا حُمِلَ مِنْ خَطَأ وَتَصْحِيفٍ ، ثُمَّ بَيَانُ صَوَابِهِ . ( وَالْبَدْءُ بـِ ) قِرَاءَةِ ( الصَّوَابِ ) أَوَّلًا ، ثُمَّ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ ، بِأَنْ يُقَالَ مَثَلًا : وَقَعَ عِنْدَ شَيْخِنَا ، أَوْ فِي رِوَايَتِنَا ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، ( أَوْلَى ) مِنَ الْأَوَّلِ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ بِالْخَطَأ تَبَعًا لِلرِّوَايَةِ ، ( وَأَسَدّ ) بِالْمُهْمَلَةِ ، أَيْ أَقْوَمُ ، كَيْلَا يُتَقَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( وَأَصْلَحُ الْإِصْلَاحِ ) أَنْ يَكُونَ مَا يُصْلَحُ بِهِ ذَاكَ الْفَاسِدُ مَأْخُوذًا ( مِنْ مَتْنٍ ) آخَرَ ( وَرَدْ ) مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الطُّريقِ فَضْلًا عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ أمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوَّلًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا أَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ غَرِيبُ الْحَدِيثِ : مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ .