التَّصْحِيفُ
( وَ ) كَذَا ( أَطْلَقُوا ) ؛ أَيْ : مَنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْفَنِّ ، ( التَّصْحِيفَ فِيمَا ظَهَرَا ) ج٣ / ص٤٦٥تَحْقِيقُ حُرُوفِهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِبَاهٍ فِي الْكِتَابَةِ بِغَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ خَلَلٌ مِنَ النَّاسِخِ أَوِ الرَّاوِي بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ إِبْدَالِ حَرْفٍ بِآخَرَ . فَالْأَوَّلُ : كَحَدِيثِ جَابِرٍ : دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، فَقَالَ : ( صَلَّيْتَ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ ؟ ) الْحَدِيثَ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : ( قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ ؟ ) ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ .
وَكَمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ الْمُفَسِّرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) ، قَالَ : مِصْرَ . فَقَدِ اسْتَعْظَمَ هَذَا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَاسْتَقْبَحَهُ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ : مَصِيرَهُمْ . وَالثَّانِي : كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ : ( كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقِفُ عَلَى رِجْلَيْهِ ، فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ وَهُمْ جُلُوسٌ .
) الْحَدِيثَ . رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : عَلَى رَاحِلَتِهِ بَدَلَ رِجْلَيْهِ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، فَلَا رَيْبَ فِي ( أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَإِنَّمَا خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ) .
وَالثَّالِثُ : ( كَقَوْلِهِ ) فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : ( احْتَجَمَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ لَهُ ( مَكَانَ ج٣ / ص٤٦٦احْتَجَرَا ) بِالْمِيمِ بَدَلَ الرَّاءِ ؛ لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ ، وَأَخْطَأَ فَبَقِيَّتُهُ : ( بِخُصٍّ أَوْ حَصِيرِ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا ) . وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ هَذَا مِثَالًا لِتَصْحِيفِ السَّمْعِ فِي الْمَتْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ . ( وَ ) كَذَا ( وَاصِلٌ ) حيث أَبْدَلَ اسْمَهُ ( بِعَاصِمٍ ) .
بَلْ ( وَ ) أَبْدَلَ ( الْأَحْدَبُ ) لَقَبُهُ أَيْضًا ( بِأَحْوَلٍ ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ ، لَقَبِ عَاصِمٍ ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ ) . وَكَذَا خَالِدُ بْنُ عُلقمةَ ؛ حَيْثُ أَبْدَلَهُ شُعْبَةُ بِمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ . وكُلٌّ مِنْهُمَا ( تَصْحِيفَ ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ ( سَمْعٍ ) ؛ يَعْنِي فِي الْإِسْنَادِ ، ( لَقَّبُوا ) .
فَمِنِ الْمُلَقِّبِينَ بِذَلِكَ لِلْمِثَالِ الْأَوَّلِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَلِلثَّانِي أَحْمَدُ ، وَلَيْسَ تَلْقِيبُهُمْا بِذَلِكَ بِأَوْلَى مِنْ تَلْقِيبِ احْتَجَمَ بِهِ ، بَلْ ذَلكَ أَوْلَى لِمُشَارَكَتِهِمَا مَعَ الْوَزْنِ فِي الْحُرُوفِ إِلَّا وَاحِدًا ، بِخِلَافِهِ فِيهِمَا ، فَلَيْسَ إِلَّا الْوَزْنُ إِذْ أَكْثَرُ الْحُرُوفِ مُخْتَلِفَةٌ . ج٣ / ص٤٦٧ثُمَّ إِنَّ جُلَّ التَّصْحِيفِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي اللَّفْظِ ، ( وَ ) قَدْ ( صَحَّفَ الْمَعْنَى ) فَقَطْ بَعْضُ شُيُوخِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ، وَأنَّهُ لَمَّا رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ التَّحْلِيقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ قَالَ : مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا حَلَقْتُ رَأْسِي قَبْلَ الصَّلَاةِ . فُهِمَ مِنْهُ حَلْقُ الرُّؤوسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْلِيقُ النَّاسِ حِلَقًا .
وَبَعْضُهُمْ حَيْثُ سَمِعَ خَطِيبًا يَرْوِي حَدِيثَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ ) ، فَبَكَى وَقَالَ : ( مَا الَّذِي أَصْنَعُ ، وَلَيْسَتْ لِي حِرْفَةٌ سِوَى بَيْعِ الْقَتِّ ) ؛ يَعْنِي الَّذِي يَعْلِفُ الدَّوَابَّ . وَأَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الزَّمَنُ ( إِمَامُ عَنَزَة ) حَيْثُ (
وَلِذَلِكَ حِكَايَةٌ حَكَاهَا الْحَاكِمُ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ : كُنْتُ بِعَدَنَ اليَمنَ يَوْمَ عِيدٍ ، فَشُدَّتْ عَنْزَةٌ - يَعْنِي : شَاةٌ - بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ سَأَلْتُهُمْ بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ : مَا هِذه الْعَنْزَةُ الْمَشْدُودَةُ فِي الْمِحْرَابِ ؟ قَالُوا : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي يَوْمَ الْعِيدِ إِلَى عَنْزَةٍ ، فَقُلْتُ : ( يَا هَؤُلَاءِ ، صَحَّفْتُمْ ، مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذَا ، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْعَنَزَةِ : الْحَرْبَةِ ) . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْمِزِّيُّ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ ، وَمِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ أَدَاءً لِلْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، بَلْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِيمَا نعْلَمُ مِثْلُهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَيْضًا ، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا تَغَرَّبَ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِرِوَايَةٍ مِمَّا يَذْكُرُهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُ : هَذَا مِنَ التَّصْحِيفِ الَّذِي لَمْ يَقِفْ صَاحِبُهُ إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الصُّحُفِ وَالْأَخْذِ مِنْهَا .