الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَخِدَاعُ الْمُنَافِقِ رَبَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، إِظْهَارُهُ بِلِسَانِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّصْدِيقِ ، خِلَافَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ ، لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ ، بِمَا أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ ، حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - اللَّازِمَ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ، لَوْ لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانِهِ مَا أَظْهَرَ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ - مِنَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ . فَذَلِكَ خِدَاعُهُ رَبَّهُ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ الْمُنَافِقُ لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مُخَادِعًا ، وَهُوَ لَا يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا هُوَ لَهُ مُعْتَقِدٌ إِلَّا تَقِيَّةً ؟ قِيلَ : لَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ مِنْ أَنْ تُسَمِّيَ مَنْ أَعْطَى بِلِسَانِهِ غَيْرَ الَّذِي هُوَ فِي ضَمِيرِهِ تَقِيَّةً لِيَنْجُوَ مِمَّا هُوَ لَهُ خَائِفٌ ، فَنَجَا بِذَلِكَ مِمَّا خَافَهُ - مُخَادِعًا لِمَنْ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِالَّذِي أَظْهَرَ لَهُ مِنَ التَّقِيَّةِ .
فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ ، سُمِّيَ مُخَادِعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ تَقِيَّةً ، مِمَّا تَخَلَّصَ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ وَالْعَذَابِ الْعَاجِلِ ، وَهُوَ لِغَيْرِ مَا أَظْهَرَ مُسْتَبْطِنٌ . وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - وَإِنْ كَانَ خِدَاعًا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا - فَهُوَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ خَادِعٌ ، لِأَنَّهُ يُظْهِرُ لَهَا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهَا ، أَنَّهُ يُعْطِيهَا أَمْنِيَّتِهَا ، وَيُسْقِيهَا كَأْسَ سُرُورِهَا ، وَهُوَ مُورِدُهَا بِهِ حِيَاضَ عَطَبِهَا ، وَمُجَرِّعُهَا بِهِ كَأْسَ عَذَابِهَا ، وَمُزِيرُهَا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ مَا لَا قِبَلَ لَهَا بِهِ . فَذَلِكَ خَدِيعَتُهُ نَفْسَهُ ، ظَنًّا مِنْهُ - مَعَ إِسَاءَتِهِ إِلَيْهَا فِي أَمْرِ مَعَادِهَا - أَنَّهُ إِلَيْهَا مُحْسِنٌ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، إِعْلَامًا مِنْهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِإِسَاءَتِهِمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِي إِسْخَاطِهِمْ رَبَّهَمُ بِكُفْرِهِمْ وَشَكِّهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ - غَيْرُ شَاعِرِينَ وَلَا دَارِينَ ، وَلَكِنَّهُمْ عَلَى عَمْيَاءَ مِنْ أَمْرِهِمْ مُقِيمُونَ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلٍ ذَلِكَ ، كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ . 320 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا إِلَى آخَرِ الْآيَةِ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا أَظْهَرُوا . وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الزَّاعِمِينَ : أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا مَنْ كَفَرَ بِهِ عِنَادًا ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، وَبَعْدَ تَقَرُّرِ صِحَّةِ مَا عَانَدَ رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ - عِنْدَهُ .
لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ النِّفَاقِ ، وَخِدَاعِهِمْ إِيَّاهُ وَالْمُؤْمِنِينَ - أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ مُقِيمُونَ ، وَأَنَّهُمْ بِخِدَاعِهِمْ - الَّذِي يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِهِ يُخَادِعُونَ رَبَّهُمْ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ - مَخْدُوعُونَ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ مِنْ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ ، وَاعْتِقَادِ الْكُفْرِ بِهِ ، وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ، وَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ مُصِرُّونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ فَاعِلَيْنِ ، كَقَوْلِكَ : ضَارَبْتُ أَخَاكَ ، وَجَالَسْتُ أَبَاكَ - إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مَجَالِسٌ صَاحِبَهُ وَمُضَارِبَهُ .
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِنَّمَا يُقَالُ : ضَرَبْتُ أَخَاكَ ، وَجَلَسْتُ إِلَى أَبِيكَ ، فَمَنْ خَادَعَ الْمُنَافِقَ فَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : خَادَعَ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ : قَدْ قَالَ بَعْضُ الْمَنْسُوبِينِ إِلَى الْعِلْمِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ : إِنَّ ذَلِكَ حَرْفٌ جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ أَعْنِي يُخَادِعُ بِصُورَةِ يُفَاعِلُ ، وَهُوَ بِمَعْنَى يَفْعَلُ ، فِي حُرُوفٍ أَمْثَالِهَا شَاذَّةٍ مِنْ مَنْطِقِ الْعَرَبِ ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ : قَاتَلَكَ اللَّهُ ، بِمَعْنَى قَتَلَكَ اللَّهُ . وَلَيْسَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَالَّذِي قَالَ ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاعُلِ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ ، كَسَائِرِ مَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْنَى يُفَاعِلُ وَمُفَاعِلٌ فِي كُلِّ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقَ يُخَادِعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِكَذِبِهِ بِلِسَانِهِ - عَلَى مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُ - وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ خَادِعُهُ ، بِخِذْلَانِهِ عَنْ حُسْنِ الْبَصِيرَةِ بِمَا فِيهِ نَجَاةُ نَفْسِهِ فِي آجِلِ مَعَادِهِ ، كَالَّذِي أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 178 ، وَبِالْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِهِ فِي الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ سُورَةُ الْحَدِيدِ : 13 ، فَذَلِكَ نَظِيرُ سَائِرِ مَا يَأْتِي مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ بِ يُفَاعِلُ وَمُفَاعِلٌ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ النَّحْوِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : لَا تَكُونُ الْمُفَاعَلَةُ إِلَّا مِنْ شَيْئَيْنِ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ : يُخَادِعُونَ اللَّهَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ ، بِظَنِّهِمْ أَنْ لَا يُعَاقَبُوا ، فَقَدْ عَلِمُوا خِلَافَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، بِحُجَّةِ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ الْوَاقِعَةُ عَلَى خَلْقِهِ بِمَعْرِفَتِهِ ، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَمَا يَخْدَعُونَ يَقُولُ : يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّخْلِيَةِ بِهَا . وَقَدْ تَكُونُ الْمُفَاعَلَةُ مِنْ وَاحِدٍ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ إِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوْ لَيْسَ الْمُنَافِقُونَ قَدْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ - بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قِيلِ الْحَقِّ - عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ حَتَّى سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ كَانُوا مَخْدُوعِينَ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِمْ ؟ قِيلَ : خَطَأٌ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ . لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا ذَلِكَ ، أَوْجَبْنَا لَهُمْ حَقِيقَةَ خُدْعَةٍ جَازَتْ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . كَمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا : قَتَلَ فَلَانٌ فُلَانًا ، أَوْجَبْنَا لَهُ حَقِيقَةَ قَتْلٍ كَانَ مِنْهُ لِفُلَانٍ .
وَلَكِنَّا نَقُولُ : خَادَعَ الْمُنَافِقُونَ رَبَّهُمْ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمْ يَخْدَعُوهُمْ بَلْ خَدَعُوا أَنْفُسَهُمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، دُونَ غَيْرِهَا ، نَظِيرَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَاتَلَ آخَرَ ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَقْتُلْ صَاحِبَهُ : قَاتَلَ فَلَانٌ فُلَانًا فَلَمْ يَقْتُلْ إِلَّا نَفْسَهُ ، فَتُوجِبُ لَهُ مُقَاتَلَةَ صَاحِبِهِ ، وَتَنْفِي عَنْهُ قَتْلَهُ صَاحِبَهُ ، وَتُوجِبُ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ . فَكَذَلِكَ تَقُولُ : خَادَعَ الْمُنَافِقُ رَبَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَخْدَعْ إِلَّا نَفْسَهُ ، فَتُثْبِتُ مِنْهُ مُخَادِعَةَ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَتَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ خَدَعَ غَيْرَ نَفْسِهِ ، لِأَنَّ الْخَادِعَ هُوَ الَّذِي قَدْ صَحَّتِ الْخَدِيعَةُ لَهُ ، وَوَقَعَ مِنْهُ فِعْلُهَا . فَالْمُنَافِقُونَ لَمْ يَخْدَعُوا غَيْرَ أَنْفُسِهِمْ ، لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَهْلٍ ، فَلَمْ يَكُنَ الْمُسْلِمُونَ مَلَكُوهُ عَلَيْهِمْ - فِي حَالِ خِدَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْهُ بِنِفَاقِهِمْ وَلَا قَبْلَهَا - فَيَسْتَنْقِذُوهُ بِخِدَاعِهِمْ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا دَافَعُوا عَنْهُ بِكَذِبِهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْرَ الَّذِي فِي ضَمَائِرِهِمْ ، وَيَحْكُمُ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَرَّارِيهِمْ فِي ظَاهِرِ أُمُورِهِمْ بِحُكْمِ مَا انْتَسَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمِلَّةِ ، وَاللَّهُ بِمَا يُخْفُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ عَالَمٌ .
وَإِنَّمَا الْخَادِعُ مَنْ خَتَلَ غَيْرَهُ عَنْ شَيْئِهِ ، وَالْمَخْدُوعُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَوْضِعِ خَدِيعَةِ خَادِعِهِ . فَأَمَّا وَالْمُخَادَعُ عَارِفٌ بِخِدَاعِ صَاحِبِهِ إِيَّاهُ غَيْرُ لَاحِقِهِ مِنْ خِدَاعِهِ إِيَّاهُ مَكْرُوهٌ ، بَلْ إِنَّمَا يَتَجَافَى لِلظَّانِّ بِهِ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِعٌ اسْتِدْرَاجًا ، لِيَبْلُغَ غَايَةً يَتَكَامَلُ لَهُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مُوقِعٌ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِيَّاهَا ، وَالْمُسْتَدْرَجُ غَيْرُ عَالِمٍ بِحَالِ نَفْسِهِ عِنْدَ مُسْتَدْرِجِهِ ، وَلَا عَارِفَ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ضَمِيرِهِ ، وَأَنَّ إِمْهَالَ مُسْتَدْرِجِهِ إِيَّاهُ ، تَرْكُهُ مُعَاقَبَتَهُ عَلَى جُرْمِهِ لِيَبْلُغَ الْمُخَاتِلُ الْمُخَادِعُ - مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ عُقُوبَةَ مُسْتَدْرِجِهِ ، بِكَثْرَةِ إِسَاءَتِهِ ، وَطُولِ عِصْيَانِهِ إِيَّاهُ ، وَكَثْرَةِ صَفْحِ الْمُسْتَدْرِجِ ، وَطُولِ عَفْوِهِ عَنْهُ أَقْصَى غَايَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ خَادِعٌ نَفْسَهُ لَا شَكَّ ، دُونَ مَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِعٌ . وَلِذَلِكَ نَفَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْمُنَافِقِ أَنْ يَكُونَ خَدَعَ غَيْرَ نَفْسِهِ ، إِذْ كَانَتِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ .
وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ خِدَاعِ الْمُنَافِقِ رَبَّهُ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ صَائِرٍ بِخِدَاعِهِ ذَلِكَ إِلَى خَدِيعَةٍ صَحِيحَةٍ إِلَّا لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا ، لِمَا يُوَرِّطُهَا بِفِعْلِهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ - فَالْوَاجِبُ إِذًا أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقِرَاءَةِ : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ دُونَ ( وَمَا يُخَادِعُونَ ) لِأَنَّ لَفْظَ الْمُخَادِعِ غَيْرُ مُوجِبٍ تَثْبِيتَ خَدِيعَةٍ عَلَى صِحَّةٍ ، وَلَفْظُ خَادِعٍ مُوجِبٌ تَثْبِيتَ خَدِيعَةٍ عَلَى صِحَّةٍ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ أَوْجَبَ خَدِيعَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ بِمَا رَكِبَ مِنْ خِدَاعِهِ رَبَّهُ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ - بِنِفَاقِهِ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الصِّحَّةُ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ . وَمِنَ الدَّلَالَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : ( وَمَا يُخَادِعُونَ ) ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، فَمُحَالٌ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمْ مَا قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَضَادٌّ فِي الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا يَشْعُرُونَ ( 9 ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا يَشْعُرُونَ ، وَمَا يَدْرُونَ . يُقَالُ : مَا شَعَرَ فُلَانٌ بِهَذَا الْأَمْرِ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ - إِذَا لَمْ يَدْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ - شِعْرًا وَشُعُورًا . وَقَالَ الشَّاعِرُ : عَقَّوْا بِسَهْمٍ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا : حَبَّذَا الْوَضَحُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَمْ يَشْعُرْ بِهِ ، لَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ : أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَادِعُهُمْ ، بِإِمْلَائِهِ لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ ، الَّذِي هُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِبْلَاغٌ إِلَيْهِمْ فِي الْحُجَّةِ وَالْمَعْذِرَةِ ، وَمِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ خَدِيعَةٌ ، وَلَهَا فِي الْآجِلِ مَضَرَّةٌ . كَالَّذِي - : 321 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِهِ : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، قَالَ : مَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ ضَرُّوا أَنْفُسَهُمْ ، بِمَا أَسَرُّوا مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ . وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ، قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ حَتَّى بَلَغَ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 18 ، قَدْ كَانَ الْإِيمَانُ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَكُمْ .