الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَلا تَلْبِسُوا لَا تَخْلِطُوا . وَاللَّبْسُ هُوَ الْخَلْطُ . يُقَالُ مِنْهُ : لَبَسْتُ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرَ أَلْبِسُهُ لَبْسًا : إِذَا خَلَطْتُهُ عَلَيْهِ .
كَمَا : 822 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 9 ] يَقُولُ : لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ : لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَبَسْنَ خَلَطْنَ . وَأَمَّا اللُّبْسُ فَإِنَّهُ يُقَالُ مِنْهُ : لَبِسْتُهُ أَلْبَسُهُ لُبْسًا وَمَلْبَسًا ، وَذَلِكَ الْكُسْوَةُ يَكْتَسِيهَا فَيَلْبَسُهَا .
وَمِنَ اللُّبْسِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ : لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ وَاشْتَعَلَا وَمِنَ اللَّبْسِ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ . [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 9 ] فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ وَكَيْفَ كَانُوا يُلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ كُفَّارٌ ؟ وَأَيُّ حَقٍّ كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مُنَافِقُونَ مِنْهُمْ يُظْهِرُونَ التَّصْدِيقَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ بِهِ . وَكَانَ عُظْمُهُمْ يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ ، إِلَّا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِنَا .
فَكَانَ لَبْسُ الْمُنَافِقِ مِنْهُمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، إِظْهَارَهُ الْحَقَّ بِلِسَانِهِ ، وَإِقْرَارَهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ جِهَارًا ، وَخَلْطَهُ ذَلِكَ الظَّاهِرَ مِنَ الْحَقِّ بِمَا يَسْتَبْطِنُهُ . وَكَانَ لَبْسُ الْمُقِرِّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِهِمْ ، الْجَاحِدِ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ ، إِقْرَارَهُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَهُوَ الْحَقُّ ، وَجُحُودَهُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ ، وَهُوَ الْبَاطِلُ ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً . فَذَلِكَ خَلْطُهُمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَلَبْسُهُمْ إِيَّاهُ بِهِ .
826 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ قَالَ : الْحَقُّ التَّوْرَاةُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ، وَالْبَاطِلُ : الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي قَوْلِهِ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكْتُمُوا الْحَقَّ ، كَمَا نَهَاهُمْ أَنْ يَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ : وَلَا تَلْبَسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ .
وَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَتَكْتُمُوا عِنْدَ ذَلِكَ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ تَلْبِسُوا عَطْفًا عَلَيْهِ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَلْبَسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ خَبَرًا مِنْهُ عَنْهُمْ بِكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَتَكْتُمُوا حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا لِانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إِذْ كَانَ قَوْلُهُ : وَلَا تَلْبَسُوا نَهْيًا ، وَقَوْلُهُ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ، غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِ مَا عَمِلَ فِي قَوْلِهِ : تَلْبِسُوا مِنَ الْحَرْفِ الْجَازِمِ . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ صَرْفًا .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ فَنَصْبُ تَأْتِيَ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : وَتَكْتُمُوا لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَلَا تَأْتِ مِثْلَهُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : لَا تَنْهَ عَنْ خَلْقِ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ ، فَكَانَ الْأَوَّلُ نَهْيًا ، وَالثَّانِي خَبَرًا ، فَنَصَبَ الْخَبَرَ إِذْ عَطَفَهُ عَلَى غَيْرِ شَكْلِهِ . فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُهُمَا ، فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي : 827 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يَقُولُ : وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . 828 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ أَيْ وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْهُمَا ، فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ . 829 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ : كَتَمُوا بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 830 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
837 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ : كَتَمُوا بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ . 838 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : تَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : وَلَا تَخْلِطُوا عَلَى النَّاسِ - أَيُّهَا الْأَحْبَارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ، وَتَزْعُمُوا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى بَعْضِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ دُونَ بَعْضٍ ، أَوْ تُنَافِقُوا فِي أَمْرِهِ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ الْأُمَمِ غَيْرِكُمْ ، فَتَخْلِطُوا بِذَلِكَ الصِّدْقِ بِالْكَذِبِ ، وَتَكْتُمُوا بِهِ مَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ ، وَأَنَّهُ رَسُولِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولِي ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إِلَيْكُمْ فَمِنْ عِنْدِي ، وَتَعْرِفُونَ أَنَّ مِنْ عَهْدِي - الَّذِي أَخَذَتْ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ - الْإِيمَانَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ .