الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا . وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : قَدْ صَبَّحَتْ ، صَبَّحَهَا السَّلَامُ بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سَنَامُ فِي سَاعَةٍ يُحِبُّهَا الطَّعَامُ وَهُوَ يَعْنِي : يُحَبُّ فِيهَا الطَّعَامُ . فَحُذِفَتْ الْهَاءُ الرَّاجِعَةُ عَلَى الْيَوْمِ ، إِذْ فِيهِ اجْتِزَاءٌ - بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ الدَّالِّ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ - عَمَّا حُذِفَ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا الْهَاءَ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِلَّا فِيهِ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى جَوَازِ حَذْفِ كُلِّ مَا دَلَّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عُقُوبَتَهُ أَنْ تَحُلَّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَجْزِي فِيهِ نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ، وَلَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لَا تَجْزِي نَفْسٌ فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَا تُغْنِي : كَمَا : - 874 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ أَمَّا تَجْزِي : فَتُغْنِي . أَصْلُ الْجَزَاءِ - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ - : الْقَضَاءُ وَالتَّعْوِيضُ .
يُقَالُ : جَزَيْتُهُ قَرْضَهُ وَدَيْنَهُ أَجْزِيهِ جَزَاءً ، بِمَعْنَى : قَضَيْتُهُ دَيْنَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : جَزَى اللَّهُ فَلَانَا عَنِّي خَيْرًا أَوْ شَرًّا ، بِمَعْنَى : أَثَابَهُ عَنِّي وَقَضَاهُ عَنِّي مَا لَزِمَنِي لَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُ إِلَيَّ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ : يُقَالُ أَجْزَيْتُ عَنْهُ كَذَا : إِذَا أَعَنْتُهُ عَلَيْهِ ، وَجَزَيْتُ عَنْكَ فَلَانَا : إِذَا كَافَأْتُهُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ جَزَيْتُ عَنْكَ قَضَيْتُ عَنْكَ .
وَ أَجْزَيْتُ كَفَيْتُ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، يُقَالُ : جَزَتْ عَنْكَ شَاةٌ وَأَجْزَتْ ، وَجَزَى عَنْكَ دِرْهَمٌ وَأَجْزَى ، وَلَا تُجْزِي عَنْكَ شَاةٌ وَلَا تَجْزِي بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ جَزَتْ عَنْكَ ، وَلَا تُجْزِي عَنْكَ مِنْ لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَنَّ أَجَزَأَ وَتُجْزِئُ مِنْ لُغَةِ غَيْرِهِمْ . وَزَعَمُوا أَنَّ تَمِيمًا خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ تَقُولُ : أَجْزَأَتْ عَنْكَ شَاةٌ ، وَهِيَ تُجْزِئُ عَنْكَ .
وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ جَزَى بِلَا هَمْزٍ : قَضَى ، وَ أَجْزَأَ بِالْهَمْزِ : كَافَأَ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى : لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ، وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى ؟ قِيلَ : هُوَ أَنَّ أَحَدَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا قَضَى عَنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ ذِي الصَّدَاقَةِ وَالْقَرَابَةِ دَيْنَهُ . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ فِيمَا أَتَتْنَا بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْهَا - يَسُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَبْرُدَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ .
878 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، إِنَّمَا يَقْتَسِمُونَ هُنَالِكَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا . 879 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ : حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ قَادِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ هَاشِمُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا يَعْنِي : أَنَّهَا لَا تَقْضِي عَنْهَا شَيْئًا لَزِمَهَا لِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَالِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا وَصَفْنَا .
وَكَيْفَ يَقْضِي عَنْ غَيْرِهِ مَا لَزِمَهُ مَنْ كَانَ يَسُرُهُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَافَى لَهُ عَنْهُ ؟ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا : لَا تَجْزِي مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَكَانَهَا . وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا ، بِمَعْنَى : مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي ، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ قَالُوا : لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا : لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا . فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ) كَمَا يُقَالُ : لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : لَا تَجْزِي نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا . وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ : لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ الشَّفَاعَةُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ : شَفَعَ لِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ شَفَاعَةً وَهُوَ طَلَبُهُ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ شَفِيعٌ وَشَافِعٌ لِأَنَّهُ ثَنَّى الْمُسْتَشْفَعَ بِهِ ، فَصَارَ بِهِ شَفْعًا فَكَانَ ذُو الْحَاجَةِ - قَبْلَ اسْتِشْفَاعِهِ بِهِ فِي حَاجَتِهِ - فَرْدًا ، فَصَارَ صَاحِبُهُ لَهُ فِيهَا شَافِعًا ، وَطَلَبُهُ فِيهِ وَفِي حَاجَتِهِ شَفَاعَةً . وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّفِيعُ فِي الدَّارِ وَفِي الْأَرْضِ شَفِيعًا لِمَصِيرِ الْبَائِعِ بِهِ شَفْعًا .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا لَزِمَهَا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا شَفَاعَةَ شَافِعٍ ، فَيَتْرُكَ لَهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ حَقٍّ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَ أَهْلَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ فِيهَا ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَوْلَادُ أَنْبِيَائِهِ ، وَسَيَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ آبَاؤُنَا . فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ نَفْسًا لَا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا فِي الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ فِيهَا حَتَّى يُسْتَوْفَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهَا حَقُّهُ .
كَمَا : - 880 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ مُرَاجِمٍ - رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ - ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا . [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] الْآيَةَ فَآيَسَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مِمَّا كَانُوا أَطْمَعُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ - بِشَفَاعَةِ آبَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ; وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعِهِمْ عِنْدَهُ إِلَّا التَّوْبَةَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالْإِنَابَةِ مِنْ ضَلَالِهِمْ ، وَجَعَلَ مَا سَنَّ فِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِمَامًا لِكُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِهِمْ لِئَلَّا يَطْمَعَ ذُو إِلْحَادٍ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا عَامًّا فِي التِّلَاوَةِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي وَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ يَصْفَحُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ - بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ - عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عُقُوبَةِ إِجْرَامِهِمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأَنَّ قَوْلَهُ : وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ غَيْرَ تَائِبٍ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاضِعِ الْإِطَالَةِ فِي الْقَوْلِ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، فَنَسْتَقْصِي الْحِجَاجَ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَأْتِي عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ الْعَدْلُ - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ - : الْفِدْيَةُ ، كَمَا : - 881 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : يَعْنِي فِدَاءٌ .
885 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : لَوْ أَنَّ لَهَا مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا فِدَاءٌ قَالَ : وَلَوْ جَاءَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا . 886 - وَحَدَّثَنِي نَجِيحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ - مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ - ، قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَدْلُ ؟ قَالَ : الْعَدْلُ : الْفِدْيَةُ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْفِدْيَةِ مِنَ الشَّيْءِ وَالْبَدَلِ مِنْهُ عَدْلٌ ، لِمُعَادَلَتِهِ إِيَّاهُ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ; وَمَصِيرِهِ لَهُ مَثَلًا مِنْ وَجْهِ الْجَزَاءِ ، لَا مِنْ وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا [ الْأَنْعَامِ : 70 ] بِمَعْنَى : وَإِنْ تَفِدْ كُلَّ فِدْيَةٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا .
يُقَالُ مِنْهُ : هَذَا عَدْلُهُ وَعَدِيلُهُ . وَأَمَّا الْعِدْلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، فَهُوَ مِثْلُ الْحِمْلِ الْمَحْمُولِ عَلَى الظَّهْرِ ، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ : عِنْدِي غُلَامٌ عِدْلُ غُلَامِكَ ، وَشَاةٌ عِدْلُ شَاتِكَ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - ، إِذَا كَانَ غُلَامٌ يَعْدِلُ غُلَامًا ، وَشَاةٌ تَعْدِلُ شَاةً . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَثَلٍ لِلشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ .
فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ عِنْدَهُ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ نُصِبَتِ الْعَيْنُ فَقِيلَ : عِنْدِي عَدْلُ شَاتِكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُكَسَرُ الْعَيْنُ مِنَ الْعِدْلِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْفِدْيَةِ لِمُعَادَلَةِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِهَةِ الْجَزَاءِ ، وَذَلِكَ لِتَقَارُبِ مَعْنَى الْعِدْلِ وَالْعَدْلِ عِنْدَهُمْ ، فَأَمَّا وَاحِدُ الْأَعْدَالِ فَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ إِلَّا عِدْلٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) وَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ ، كَمَا لَا يَشْفَعُ لَهُمْ شَافِعٌ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَدْلٌ وَلَا فِدْيَةٌ .
بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاةُ وَاضْمَحَلَّتِ الرُّشَى وَالشَّفَاعَاتُ ، وَارْتَفَعَ بَيْنَ الْقَوْمِ التَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ وَصَارَ الْحُكْمُ إِلَى الْعَدْلِ الْجَبَّارِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ لَدَيْهِ الشُّفَعَاءُ وَالنُّصَرَاءُ ، فَيَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا وَبِالْحَسَنَةِ أَضْعَافَهَا . وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ٢٥ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ [ الصَّافَّاتِ : 24 - 26 ] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى : لا تَنَاصَرُونَ ، مَا : - 887 - حُدِّثْتُ بِهِ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( ﴿مَا لَكَمَ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾) مَا لَكَمَ لَا تُمَانِعُونَ مِنَّا ؟ هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمُ الْيَوْمَ ! وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) : وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ نَصِيرٌ يَنْتَصِرُ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُمْ . وَقَدْ قِيلَ : وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ بِالطَّلَبِ فِيهِمْ وَالشَّفَاعَةِ وَالْفِدْيَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَعْلَمَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ لَا فِدْيَةَ - لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْ خَلْقِهِ عُقُوبَتَهُ - ، وَلَا شَفَاعَةَ فِيهِ ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْدُومٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ .