حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ "

) أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ) فَإِنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ . فَكَأَنَّهُ قَالَ : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وَاذْكُرُوا إِنْعَامَنَا عَلَيْكُمْ - إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ - بِإِنْجَائِنَاكُمْ مِنْهُمْ . وَأَمَّا آلُ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دِينِهِ وَقَوْمُهُ وَأَشْيَاعُهُ .

وَأَصْلُ آلٍ أَهْلٌ ، أُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً ، كَمَا قَالُوا مَاءً فَأَبْدَلُوا الْهَاءَ هَمْزَةً ، فَإِذَا صَغَّرُوهُ قَالُوا : مُوَيْهُ ، فَرَدُّوا الْهَاءَ فِي التَّصْغِيرِ وَأَخْرَجُوهُ عَلَى أَصْلِهِ . وَكَذَلِكَ إِذَا صَغَّرُوا آلَ ، قَالُوا : أُهَيْلُ . وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ فِي تَصْغِيرِ آلٍ : أُوَيْلٌ .

وَقَدْ يُقَالُ : فُلَانٌ مِنْ آلِ النِّسَاءِ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مِنْهُنَّ خُلِقَ ، وَيُقَالُ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُرِيدُهُنَّ وَيَهْوَاهُنَّ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنَّكَ مِنْ آلِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا يَكُنَّ لِأَدْنَى ; لَا وِصَالَ لِغَائِبِ وَأَحْسَنُ أَمَاكِنِ آلٍ أَنْ يُنْطَقَ بِهِ مَعَ الْأَسْمَاءِ الْمَشْهُورَةِ ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ : آلُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَآلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَبَّاسٍ ، وَآلُ عَقِيلٍ . وَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْمَجْهُولِ ، وَفِي أَسْمَاءِ الْأَرْضِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; غَيْرُ حَسَنٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : رَأَيْتُ آلَ الرَّجُلِ ، وَرَآنِي آلُ الْمَرْأَةِ - وَلَا - : رَأَيْتُ آلَ الْبَصْرَةِ ، وَآلَ الْكُوفَةِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا أَنَّهَا تَقُولُ : رَأَيْتُ آلَ مَكَّةَ وَآلَ الْمَدِينَةِ .

وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ بِالْفَاشِي الْمُسْتَعْمَلِ . وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّهُ اسْمٌ كَانَتْ مُلُوكُ الْعَمَالِقَةِ بِمِصْرَ تُسَمَّى بِهِ ، كَمَا كَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ يُسَمَّى بَعْضُهُمْ قَيْصَرُ وَبَعْضُهُمْ هِرَقْلُ ، وَكَمَا كَانَتْ مُلُوكُ فَارِسٍ تُسَمَّى الْأَكَاسِرَةُ وَاحِدُهُمْ كِسْرَى ، وَمُلُوكُ الْيَمَنِ تُسَمَّى التَّبَابِعَةُ ، وَاحِدُهُمْ تُبَّعٌ . وَأَمَّا فِرْعَوْنُ مُوسَى الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ نَجَّاهُمْ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ اسْمَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُصَعِّبِ بْنِ الرَّيَّانِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ اسْمِهِ .

888 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ اسْمَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُصَعِّبِ بْنِ الرَّيَّانِ . وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَالْخِطَابُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِرْعَوْنَ وَلَا الْمُنَجَّيْنَ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا أَبْنَاءَ مَنْ نَجَّاهُمْ مَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، فَأَضَافَ مَا كَانَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ كُفْرَانِ آبَائِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ : فَعَلْنَا بِكُمْ كَذَا ، وَفَعَلْنَا بِكُمْ كَذَا ، وَقَتَلْنَاكُمْ وَسَبَيْنَاكُمْ ، وَالْمُخْبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْنِي قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ بِذَلِكَ ، أَوْ أَهْلَ بَلَدِهِ وَوَطَنِهِ - كَانَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ أَدْرَكَ مَا فُعِلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ يُهَاجِي جَرِيرَ بْنَ عَطِيَّةَ : وَلَقَدْ سَمَا لَكُمُ الْهُذَيْلُ فَنَالَكُمْ بِإِرَابَ ، حَيْثِ يُقَسِّمُ الْأَنْفَالَا فِي فَيْلَقٍ يَدْعُو الْأَرَاقِمَ ، لَمْ تَكُنْ فُرْسَانُهُ عُزْلًا وَلَا أَكْفَالَا وَلَمْ يَلْحَقْ جَرِيرٌ هُذَيْلًا وَلَا أَدْرَكَهُ ، وَلَا أَدْرَكَ إِرَابَ وَلَا شَهِدَهُ . وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ قَوَمِ الْأَخْطَلِ عَلَى قَوْمِ جَرِيرٍ ، أَضَافَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ وَإِلَى قَوْمِهِ .

فَكَذَلِكَ خِطَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لَمَّا كَانَ فِعْلُهُ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْمِ مَنْ خَاطَبَهُ بِالْآيَةِ وَآبَائِهِمْ ، أَضَافَ فِعَلْهُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ بِآبَائِهِمْ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ وَقَوْمِهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَفِي قَوْلِهِ : ( يَسُومُونَكُمْ ) وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا عَنْ فِعْلِ فِرْعَوْنَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ إِذْ نَجَّيْتُكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ كَانَ مَوْضِعُ يَسُومُونَكُمْ رَفَعًا .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ يَسُومُونَكُمْ حَالًا فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ سَائِمِيكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، فَيَكُونُ حَالًا مَنْ آلِ فِرْعَوْنَ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( يَسُومُونَكُمْ ) فَإِنَّهُ : يُورِدُونَكُمْ ، وَيُذِيقُونَكُمْ ، وَيُوَلُّونَكُمْ ، يُقَالُ مِنْهُ : سَامَهُ خُطَّةَ ضَيْمٍ ، إِذَا أَوْلَاهُ ذَلِكَ وَأَذَاقَهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا فَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( سُوءَ الْعَذَابِ ) فَإِنَّهُ يَعْنِي : مَا سَاءَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَشَدَّ الْعَذَابِ ; وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقِيلَ : أَسْوَأَ الْعَذَابِ .

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمُ الَّذِي كَانَ يَسُوؤُهُمْ ؟ قِيلَ : هُوَ مَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ مَا : - 889 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : كَانَ فِرْعَوْنُ يُعَذِّبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَجْعَلُهُمْ خَدَمًا وَخَوَلًا وَصَنَّفَهُمْ فِي أَعْمَالِهِ ، فَصِنْفٌ يَبْنُونَ ، [ وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ ] ، وَصِنْفٌ يَزْرَعُونَ لَهُ ، فَهُمْ فِي أَعْمَالِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي صَنْعَةٍ [ لَهُ ] مِنْ عَمَلِهِ : فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ - فَسَامَهُمْ - كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : سُوءَ الْعَذَابِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : جَعَلَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْقَذِرَةِ ، وَجَعَلَ يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ : 890 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَضَافَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سَوْمِهِمْ إِيَّاهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَذَبْحِهِمْ أَبْنَاءَهُمْ ، وَاسْتِحْيَائِهِمْ نِسَاءَهُمْ إِلَيْهِمْ ، دُونَ فِرْعَوْنَ - وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ كَانَ بِقُوَّةِ فِرْعَوْنَ ، وَعَنْ أَمْرِهِ - لِمُبَاشَرَتِهِمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ .

فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُبَاشِرٍ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ تَعْذِيبَ حَيٍّ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ غَيْرِهِ ، فَفَاعِلُهُ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ قَاهِرًا الْفَاعِلَ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ - سُلْطَانًا كَانَ الْآمِرُ ، أَوْ لِصًّا خَارِبًا ، أَوْ مُتَغَلِّبًا فَاجِرًا . كَمَا أَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَبْحَ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ إِلَى آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ فِرْعَوْنَ ، وَإِنْ كَانُوا بِقُوَّةِ فِرْعَوْنَ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، فَعَلُوا مَا فَعَلُوا ، مَعَ غَلَبَتِهِ إِيَّاهُمْ وَقَهْرِهِ لَهُمْ . فَكَذَلِكَ كُلُّ قَاتِلٍ نَفْسًا بِأَمْرِ غَيْرِهِ ظُلْمًا ، فَهُوَ الْمَقْتُولُ عِنْدَنَا بِهِ قِصَاصًا ، وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ إِيَّاهَا بِإِكْرَاهِ غَيْرِهِ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ .

وَأَمَّا تَأْوِيلُ ذَبْحِهِمْ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاسْتِحْيَائِهِمْ نِسَاءَهُمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ كَالَّذِي : - 891 - حَدَّثَنَا بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْآمُلِيُّ وَتَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَيُّوبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : تَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا وَائْتَمَرُوا ، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا مَعَهُمُ الشِّفَارُ يَطُوفُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحُوهُ ، فَفَعَلُوا . فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَمُوتُونَ بِآجَالِهِمْ ، وَأَنَّ الصِّغَارَ يُذْبَحُونَ ، قَالَ : تُوشِكُونَ أَنْ تُفْنُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَصِيرُوا إِلَى أَنْ تُبَاشِرُوا مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْخِدْمَةِ مَا كَانُوا يَكْفُونَكُمْ ، فَاقْتُلُوا عَامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ فَتَقِلُّ أَبْنَاؤُهُمْ ; وَدَعُوا عَامًا . فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهَارُونَ فِي الْعَامِ الَّذِي لَا يُذْبَحُ فِيهِ الْغِلْمَانُ ، فَوَلَدَتْهُ عَلَانِيَةً آمِنَةً ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْقَابِلُ حَمَلَتْ بِمُوسَى .

892 - وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَتِ الْكَهَنَةُ لِفِرْعَوْنَ : إِنَّهُ يُولَدُ فِي هَذَا الْعَامِ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ بِمُلْكِكَ . قَالَ : فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى كُلِّ أَلْفِ امْرَأَةٍ مِائَةَ رَجُلٍ ، وَعَلَى كُلِّ مِائَةٍ عَشْرَةً ، وَعَلَى كُلِّ عَشْرَةٍ رَجُلًا فَقَالَ : انْظُرُوا كُلَّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فِي الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَانْظُرُوا إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَاذْبَحُوهُ ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَلُّوا عَنْهَا . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ .

893 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ قَالَ : إِنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ، فَقَالَتِ الْكَهَنَةُ : إِنَّهُ سَيُولَدُ الْعَامَ بِمِصْرَ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُكَ عَلَى يَدَيْهِ . فَبَعَثَ فِي أَهْلِ مِصْرَ نِسَاءً قَوَابِلَ فَإِذَا وَلَدَتِ امْرَأَةٌ غُلَامًا أُتِيَ بِهِ فِرْعَوْنُ فَقَتَلَهُ ، وَيَسْتَحْيِي الْجَوَارِيَ . 894 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الْآيَةُ ، قَالَ : إِنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ آتٍ ، فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَنْشَأُ فِي مِصْرَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَيَظْهَرُ عَلَيْكَ ، وَيَكُونُ هَلَاكُكَ عَلَى يَدَيْهِ .

فَبَعَثَ فِي مِصْرَ نِسَاءً . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ آدَمَ . 895 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : كَانَ مِنْ شَأْنِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى اشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوتِ مِصْرَ ، فَأَحْرَقَتِ الْقِبْطَ وَتَرَكَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَخْرَبَتْ بُيُوتَ مِصْرَ .

فَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْعَافَةَ وَالْقَافَةَ وَالْحَازَةَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ رُؤْيَاهُ فَقَالُوا لَهُ : يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي جَاءَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهُ - يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ - رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ هَلَاكُ مِصْرَ . فَأَمَرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يُولَدَ لَهُمْ غُلَامٌ إِلَّا ذَبَحُوهُ ، وَلَا تُوَلَدُ لَهُمْ جَارِيَةٌ إِلَّا تُرِكَتْ . وَقَالَ لِلْقِبْطِ : انْظُرُوا مَمْلُوكِيكُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَارِجًا فَأَدْخِلُوهُمْ ، وَاجْعَلُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلُونَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الْقَذِرَةَ .

فَجَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَعْمَالِ غِلْمَانِهِمْ ، وَأَدْخَلُوا غِلْمَانَهُمْ ; فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ - يَقُولُ : تَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ - وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا - ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حِينَ جَعَلَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْقَذِرَةِ - ، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ [ الْقَصَصِ : 4 ] فَجَعَلَ لَا يُولَدُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْلُودٌ إِلَّا ذُبِحَ ، فَلَا يَكْبُرُ الصَّغِيرُ . وَقَذَفَ اللَّهُ فِي مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَوْتَ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ . فَدَخَلَ رُءُوسُ الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ ، فَكَلَّمُوهُ ، فَقَالُوا : إِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ وَقَعَ فِيهِمُ الْمَوْتُ ، فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى غِلْمَانِنَا ! بِذَبْحِ أَبْنَائِهِمْ ، فَلَا تَبْلُغُ الصِّغَارُ وَتَفْنَى الْكِبَارُ ! فَلَوْ أَنَّكَ كُنْتَ تُبْقِي مِنْ أَوْلَادِهِمْ ! فَأَمَرَ أَنْ يَذْبَحُوا سَنَةً وَيَتْرُكُوا سَنَةً .

فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي لَا يَذْبَحُونَ فِيهَا وُلِدَ هَارُونُ ، فَتُرِكَ ; فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُونَ فِيهَا حَمَلَتْ بِمُوسَى . 896 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ذُكِرَ لِي أَنَّهُ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ مُوسَى أَتَى مُنَجِّمُو فِرْعَوْنَ وَحُزَّاتُهُ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : تَعْلَمٌ أَنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ مَوْلُودًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ يَسْلُبُكَ مُلْكَكَ ، وَيَغْلِبُكَ عَلَى سُلْطَانِكَ ، وَيُخْرِجُكَ مِنْ أَرْضِكَ ، وَيُبَدِّلُ دِينَكَ . فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ ، أَمَرَ بِقَتْلِ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغِلْمَانِ ، وَأَمَرَ بِالنِّسَاءِ يُسْتَحْيِينَ .

فَجَمَعَ الْقَوَابِلَ مِنْ نِسَاءِ [ أَهْلِ ] مَمْلَكَتِهِ ، فَقَالَ لَهُنَّ : لَا يَسْقُطْنَ عَلَى أَيْدِيكُنَّ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا قَتَلْتُنَّهُ . فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ ، وَكَانَ يَذْبَحُ مَنْ فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الْغِلْمَانِ ، وَيَأْمُرُ بِالْحُبَالَى فَيُعَذَّبْنَ حَتَّى يَطْرَحْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ . 897 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ، لَقَدْ ذُكِرَ [ لِي ] أَنَّهُ كَانَ لَيَأْمُرُ بِالْقَصَبِ فَيُشَقُّ حَتَّى يُجْعَلَ أَمْثَالَ الشِّفَارِ ، ثُمَّ يَصُفُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْحُبَالَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيُوقِفُهُنَّ عَلَيْهِ فَيَحُزُّ أَقْدَامَهُنَّ .

حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُنَّ لَتَمْصَعُ بِوَلَدِهَا فَيَقَعُ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهَا فَتَظَلُّ تَطَؤُهُ تَتَّقِي بِهِ حَدَّ الْقَصَبِ عَنْ رِجْلِهَا ، لِمَا بَلَغَ مِنْ جَهْدِهَا ، حَتَّى أَسْرَفَ فِي ذَلِكَ وَكَادَ يُفْنِيهِمْ ، فَقِيلَ لَهُ : أَفْنَيْتَ النَّاسَ وَقَطَعْتَ النَّسْلَ ! وَإِنَّهُمْ خَوَلُكَ وَعُمَّالُكَ ! فَأَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ الْغِلْمَانُ عَامًا وَيُسْتَحْيَوْا عَامًا . فَوُلِدَ هَارُونُ فِي السَّنَةِ الَّتِي يُسْتَحْيَا فِيهَا الْغِلْمَانُ ، وَوُلِدَ مُوسَى فِي السَّنَةِ الَّتِي فِيهَا يُقْتَلُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي قَالَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : كَانَ ذَبْحَ آلِ فِرْعَوْنَ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاؤُهُمْ نِسَاءَهُمْ فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ إِذًا - عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ - : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، يَسْتَبْقُونَهُنَّ فَلَا يَقْتُلُونَهُنَّ .

وَقَدْ يَجِبُ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، أَنَّهُ تَرْكُهُمُ الْإِنَاثَ مِنَ الْقَتْلِ عِنْدَ وِلَادَتِهِنَّ إِيَّاهُنَّ - أَنْ يَكُونَ جَائِزًا أَنْ يُسَمَّى الطِّفْلُ مِنَ الْإِنَاثِ فِي حَالِ صِبَاهَا وَبَعْدَ وِلَادِهَا : امْرَأَةً وَالصَّبَايَا الصِّغَارُ وَهُنَّ أَطْفَالٌ : نِسَاءً . لِأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، يَسْتَبْقُونَ الْإِنَاثَ مِنَ الْوِلْدَانِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا يَقْتُلُونَهُنَّ . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، فَقَالَ بِمَا : - 898 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قَالَ : يَسْتَرِقُّونَ نِسَاءَكُمْ .

فَحَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، بِقَوْلِهِ هَذَا ، عَمَّا قَالَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي قَوْلِهِ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ : إِنَّهُ اسْتِحْيَاءُ الصَّبَايَا الْأَطْفَالِ ، إِذْ لَمْ يَجِدْهُنَّ يَلْزَمُهُنَّ اسْمُ نِسَاءٍ ثُمَّ دَخَلَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَ بِتَأْوِيلِهِ وَيَسْتَحْيُونَ ، يَسْتَرِقُّونَ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلَا أَعْجَمِيَّةٍ . وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحْيَاءَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحَيَاةِ نَظِيرُ الِاسْتِبْقَاءِ مِنَ الْبَقَاءِ ، وَ الِاسْتِسْقَاءِ مِنَ السَّقْيِ . وَهُوَ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِرْقَاقِ بِمَعْزِلٍ .

وَقَدْ تَأَوَّلَ آخَرُونَ : قَوْلَهُ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ، بِمَعْنَى يَذْبَحُونَ رِجَالَكُمْ آبَاءَ أَبْنَائِكُمْ ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُونَ الْأَطْفَالَ ، وَقَدْ قَرَنَ بِهِمُ النِّسَاءَ . فَقَالُوا : فِي إِخْبَارِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّ الْمُسْتَحْيَيْنَ هُمُ النِّسَاءُ ، الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يُذَبَّحُونَ هُمُ الرِّجَالُ دُونَ الصِّبْيَانِ ، لِأَنَّ الْمُذَبَّحِينِ لَوْ كَانُوا هُمُ الْأَطْفَالَ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحْيَوْنَ هُمُ الصَّبَايَا . قَالُوا : وَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمُ النِّسَاءُ ، مَا بَيَّنَ أَنَّ الْمُذَبَّحِينِ هُمُ الرِّجَالُ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ أَغْفَلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَعَ خُرُوجِهِمْ مِنْ تَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - مَوْضِعَ الصَّوَابِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَحْيِهِ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَ مُوسَى ، فَإِذَا خَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُلْقِيَهُ فِي التَّابُوتِ ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ فِي الْيَمِّ . فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ لَوْ كَانُوا إِنَّمَا يَقْتُلُونَ الرِّجَالَ وَيَتْرُكُونَ النِّسَاءَ ، لَمْ يَكُنْ بِأُمِّ مُوسَى حَاجَةٌ إِلَى إِلْقَاءِ مُوسَى فِي الْيَمِّ ، أَوْ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا لَمْ تَجْعَلْهُ أُمُّهُ فِي التَّابُوتِ .

وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ قَبْلُ : مِنْ ذَبْحِ آلِ فِرْعَوْنَ الصِّبْيَانَ وَتَرْكِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ الصَّبَايَا . وَإِنَّمَا قِيلَ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، إِذْ كَانَ الصَّبَايَا دَاخِلَاتٌ مَعَ أُمَّهَاتِهِنَّ - وَأُمَّهَاتُهُنَّ لَا شَكَّ نِسَاءٌ فِي الِاسْتِحْيَاءِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْتُلُونَ صِغَارَ النِّسَاءِ وَلَا كِبَارَهُنَّ ، فَقِيلَ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْوَالِدَاتِ وَالْمَوْلُودَاتِ ، كَمَا يُقَالُ : قَدْ أَقْبَلَ الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ .

وَأَمَّا مِنَ الذُّكُورِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يُذْبَحُ إِلَّا الْمَوْلُودُونَ ، قِيلَ : يَذْبَحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ، وَلَمْ يَقُلْ : يَذْبَحُونَ رِجَالَكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) أَمَّا قَوْلُهُ : وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَفِي الَّذِي فَعَلْنَا بِكُمْ مِنْ إِنْجِائِنَاكُمْ - مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَذَابِ آلِ فِرْعَوْنَ إِيَّاكُمْ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ - بَلَاءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ بَلَاءٌ : نِعْمَةٌ ، كَمَا : - 899 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، قَالَ : نِعْمَةٌ .

900
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ،عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، أَمَّا الْبَلَاءُ فَالنِّعْمَةُ .
901
وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، قَالَ : نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمَةٌ .
902
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ،عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَ حَدِيثِ سُفْيَانَ .

903 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، قَالَ : نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ . وَأَصْلُ الْبَلَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ - الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ . لِأَنَّ الِامْتِحَانَ وَالِاخْتِبَارَ قَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ كَمَا يَكُونُ بِالشَّرِّ ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الْأَعْرَافِ : 168 ] ، يَقُولُ : اخْتَبَرْنَاهُمْ ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الْأَنْبِيَاءِ : 35 ] .

ثُمَّ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْخَيْرَ بَلَاءً وَالشَّرَّ بَلَاءً . غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ فِي الشَّرِّ أَنْ يُقَالَ : بَلَوْتُهُ أَبْلُوهُ بَلَاءً ، وَفِي الْخَيْرِ : أَبْلَيْتُهُ أَبْلِيهِ إِبْلَاءً وَبَلَاءً ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : جَزَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ : فَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا خَيْرَ النِّعَمِ الَّتِي يَخْتَبِرُ بِهَا عِبَادَهُ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 491 قراءة

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَتَأْمُرُونَ أبدل همزه وصلا ووقفا ورش والسوسي وأبو جعفر وحمزة عند الوقف. وَالصَّلاةِ تقدم قريبا . لَكَبِيرَةٌ إِلا فيه لورش ترقيق الراء والنقل . وفيه السكت ، وتركه لخلف عن حمزة . إِسْرَائِيلَ سبق قريبا . شَيْئًا لورش فيه التوسط والمد وصلا ووقفا ، ولخلف عن حمزة السكت قولا واحدا وصلا ، ولخلاد السكت وتركه وصلا أيضا . ولحمزة فيه بتمامه عند الوقف وجهان : الأول نقل حركة الهمزة إلى الياء وحذف الهمزة فيصير النطق بياء مفتوحة خفيفة بعدها ألف ، الثاني إبدال الهمزة ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها فيصير النطق بياء مشددة بعدها ألف . وَلا يُقْبَلُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتاء الفوقية على التأنيث ، والباقون بالياء التحتية على التذكير . سُوءَ فيه لحمزة وهشام وقفا وجهان : الأول نقل فتحة الهمزة إلى الواو ثم تسكن للوقف . الثاني إبدال الهمزة واوا مع إدغام الواو التي قبلها فيها . أَبْنَاءَكُمْ فيه لحمزة وقفا تسهيل الهمزة الثانية مع المد والقصر ومثله نِسَاءَكُمْ . بَلاءٌ فيه لحمزة وهشام وقفا خمسة أوجه ثلاثة الإبدال والتسهيل بالروم مع المد والقصر وقد سبق مثله . وَاعَدْنَا قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب بحذف الألف بعد الواو ، والباقون بإثباته . بَارِئِكُمْ قرأ أبو عمرو بخلف عن الدوري بإسكان الهمزة ، والوجه الثاني للدوري هو اختلاس حركتها وهو الإتيان بمعظمها وقدر بثلثيها ، ولا إبدال فيه للسوسي نظرا لعروض السكون . ولم يذهب إلى الإبدال إلا ابن غلبون فلا يقرأ به لانفراده به . وإذا وقف عليه لحمزة كان فيه وجه واحد ، وهو التسهيل بين بين . نُؤْمِنَ إبداله ظاهر ، ومثله شِئْتُمْ . وَظَلَّلْنَا غلظ ورش اللام الأولى المشددة ومثله لام ظَلَمُونَا . نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ . قرأ نافع وأبو جعفر بياء تحتية مضمومة مع فتح الفاء . وقرأ ابن عامر بتاء فوقية مضمومة مع فتح الفاء . والباقون بالنون المفتوحة والفاء المكسورة . واتفق العشرة على قراءة خَطَايَاكُمْ هنا على وزن قضاياكم . قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ قرأ أبو جعفر بإخفاء التنوين في الغين مع الغنة ، والباقون بالإظهار . ورقق ورش راء غير ولا يخفى ما في قيل . يَفْسُقُونَ آخر الربع . الممال

موقع حَـدِيث