الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ "
) أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ ) ، فَإِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى : ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ) ، بِمَعْنَى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( فَرَقْنَا بِكُمْ ) : فَصَلْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ . لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ; فَفَرَقَ الْبَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، فَسَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا مِنْهَا ، فَذَلِكَ فَرْقُ اللَّهِ بِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ الْبَحْرَ ، وَفَصْلُهُ بِهِمْ ، بِتَفْرِيقِهِمْ فِي طُرُقِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ، كَمَا : - 904 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا أَتَى مُوسَى الْبَحْرَ كَنَّاهُ أَبَا خَالِدٍ ، وَضَرْبَهُ فَانْفَلَقَ ، فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، فَدَخَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ .
وَكَانَ فِي الْبَحْرِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا فِي كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ، فَرَقْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ . يُرِيدُ بِذَلِكَ : فَصَلْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، وَحَجَزْنَاهُ حَيْثُ مَرَرْتُمْ بِهِ .
وَذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَقَ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ فَرَقَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ ، فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ مَا قَالَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَفَرْقُهُ الْبَحْرَ بِالْقَوْمِ ، إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيقُهُ الْبَحْرَ بِهِمْ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنِ افْتِرَاقِ سَبِيلِهِ بِهِمْ ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ وَكَيْفَ غَرَّقَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آلَ فِرْعَوْنَ وَنَجَّى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قِيلَ لَهُ ، كَمَا : - 905 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ : لَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَى سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ ، سِوَى مَا فِي جُنْدِهِ مِنْ شُهُبِ الْخَيْلِ . وَخَرَجَ مُوسَى ، حَتَّى إِذَا قَابَلَهُ الْبَحْرُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ مُنْصَرَفٌ ، طَلَعَ فِرْعَوْنُ فِي جُنْدِهِ مِنْ خَلْفِهِمْ ، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾قَالَ مُوسَى كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 61 - 62 ] أَيْ لِلنَّجَاةِ ، وَقَدْ وَعَدَنِي ذَلِكَ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ .
906 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ - فِيمَا ذُكِرَ لِي : إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ . قَالَ : فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَرَقًا مِنَ اللَّهِ وَانْتِظَارِهِ أَمْرَهُ . فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ إِلَى مُوسَى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ، فَضَرَبَهُ بِهَا ، وَفِيهَا سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ ، فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، أَيْ كَالْجَبَلِ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ .
يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [ طَهَ : 77 ] . فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ الْبَحْرُ عَلَى طَرِيقٍ قَائِمَةٍ يَبْسٍ سَلَكَ فِيهِ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ . 907 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِي قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، أَقْبَلَ فِرْعَوْنُ وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ لَهُ مِنَ الْخَيْلِ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ الْبَحْرِ ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى حَالِهِ ، فَهَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَنْفُذَ .
فَعَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ ، فَقَرَّبَهَا مِنْهُ فَشَمَّهَا الْفَحْلُ ، فَلَمَّا شَمَّهَا قَدَّمَهَا ، فَتَقَدَّمَ مَعَهَا الْحِصَانُ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ . فَلَمَّا رَأَى جُنْدُ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنَ قَدْ دَخَلَ ، دَخَلُوا مَعَهُ وَجِبْرِيلُ أَمَامَهُ ، وَهُمْ يَتَّبِعُونَ فِرْعَوْنَ ، وَمِيكَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ مِنْ خَلْفِ الْقَوْمِ يَسُوقُهُمْ ، يَقُولُ : الْحَقُوا بِصَاحِبِكُمْ . حَتَّى إِذَا فَصَلَ جِبْرِيلُ مِنَ الْبَحْرِ لَيْسَ أَمَامَهُ أَحَدٌ ، وَوَقَفَ مِيكَائِيلُ عَلَى نَاحِيَتِهِ الْأُخْرَى ، وَلَيْسَ خَلْفَهُ أَحَدٌ ، طَبَقَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ ، وَنَادَى فِرْعَوْنُ - حِينَ رَأَى مِنْ سُلْطَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقُدْرَتِهِ مَا رَأَى وَعَرَفَ ذُلَّهُ ، وَخَذَلَتْهُ نَفْسُهُ - : لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يُونُسَ : 90 ] .
908 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ، قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقَالَ : لَا تَتْبَعُوهُمْ حَتَّى يَصِيحَ الدِّيكُ . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا صَاحَ لَيْلَتَئِذٍ دِيكٌ حَتَّى أَصْبَحُوا : فَدَعَا بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ ، ثُمَّ قَالَ : لَا أَفْرَغُ مِنْ كَبِدِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ . فَلَمْ يَفْرَغْ مِنْ كَبِدِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ .
ثُمَّ سَارَ ، فَلَمَّا أَتَى مُوسَى الْبَحْرَ ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ : أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ يَا مُوسَى ؟ قَالَ : أَمَامَكَ . يُشِيرُ إِلَى الْبَحْرِ . فَأَقْحَمَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ حَتَّى بَلَغَ الْغَمْرَ ، فَذَهَبَ بِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ .
فَقَالَ : أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ يَا مُوسَى ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِّبْتَ : فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى مُوسَى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشُّعَرَاءِ : 63 ] - يَقُولُ : مِثْلَ جَبَلٍ - قَالَ : ثُمَّ سَارَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ وَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي طَرِيقِهِمْ ، حَتَّى إِذَا تَتَامُّوا فِيهِ أَطْبَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . فَلِذَلِكَ قَالَ : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ .
قَالَ مَعْمَرٌ ، قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ مَعَ مُوسَى سِتُّمِائَةُ أَلْفٍ ، وَأَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ عَلَى أَلْفِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ . 909 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَوْحَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . قَالَ : فَسَرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا فَاتَّبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي أَلْفِ أَلْفِ حِصَانٍ سِوَى الْإِنَاثِ ، وَكَانَ مُوسَى فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ .
فَلَمَّا عَايَنَهُمْ فِرْعَوْنُ قَالَ : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ﴾ [ الشُّعَرَاءِ : 54 - 56 ] فَسَرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى هَجَمُوا عَلَى الْبَحْرِ ، فَالْتَفَتُوا فَإِذَا هُمْ بِرَهَجِ دَوَابِّ فِرْعَوْنَ ، فَقَالُوا : يَا مُوسَى ، أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ! هَذَا الْبَحْرُ أَمَامَنَا ، وَهَذَا فِرْعَوْنُ قَدْ رَهِقَنَا بِمَنْ مَعَهُ ! قَالَ : عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ . قَالَ : فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ، وَأَوْحَى إِلَى الْبَحْرِ أَنِ اسْمَعْ لِمُوسَى وَأَطِعْ إِذَا ضَرَبَكَ . قَالَ : فَبَاتَ الْبَحْرُ لَهُ أَفْكَلٌ - يَعْنِي : لَهُ رِعْدَةٌ - لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَوَانِبِهِ يَضْرِبُهُ .
قَالَ : فَقَالَ يُوشَعُ لِمُوسَى : بِمَاذَا أُمِرْتَ ؟ قَالَ : أُمِرْتُ أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ . قَالَ : فَاضْرِبْهُ . قَالَ : فَضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ ، فَانْفَلَقَ فَكَانَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا ، كُلُّ طَرِيقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ; فَكَانَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ .
فَلَمَّا أَخَذُوا فِي الطَّرِيقِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَا لَنَا لَا نَرَى أَصْحَابَنَا ؟ قَالُوا لِمُوسَى : أَيْنَ أَصْحَابُنَا لَا نَرَاهُمْ ؟ قَالَ : سِيرُوا فَإِنَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ . قَالُوا : لَا نَرْضَى حَتَّى نَرَاهُمْ . قَالَ سُفْيَانُ ، قَالَ عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ : قَالَ مُوسَى : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى أَخْلَاقِهِمُ السَّيِّئَةِ .
قَالَ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنْ قُلْ بِعَصَاكَ هَكَذَا . وَأَوْمَأَ إِبْرَاهِيمُ بِيَدِهِ يُدِيرُهَا عَلَى الْبَحْرِ . قَالَ مُوسَى بِعَصَاهُ عَلَى الْحِيطَانِ هَكَذَا ، فَصَارَ فِيهَا كُوَى يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ .
قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَسَارُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْبَحْرِ . فَلَمَّا جَازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسَى هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْبَحْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ ذَنُوبٍ حَصَانٍ . فَلَمَّا هَجَمَ عَلَى الْبَحْرِ ، هَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَقْتَحِمَ فِي الْبَحْرِ ، فَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ ، فَلَمَّا رَآهَا الْحِصَانُ تَقَحَّمَ خَلْفَهَا .
وَقِيلَ لِمُوسَى : اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا - قَالَ : طُرُقًا عَلَى حَالِهِ - قَالَ : وَدَخَلَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ فِي الْبَحْرِ ، فَلَمَّا دَخَلَ آخِرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ، وَجَازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسَى ، أَطْبَقَ الْبَحْرُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، فَأُغْرِقُوا . 910 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : أَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَخَرَجَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي قَوْمِهِمَا ، وَأُلْقِيَ عَلَى الْقِبْطِ الْمَوْتُ ، فَمَاتَ كُلُّ بَكْرٍ رَجُلٍ ، فَأَصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ .
فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 60 ] فَكَانَ مُوسَى عَلَى سَاقَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ هَارُونُ أَمَامَهُمْ يُقَدِّمُهُمْ فَقَالَ الْمُؤْمِنُ لِمُوسَى : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيْنَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : الْبَحْرُ . فَأَرَادَ أَنْ يَقْتَحِمَ ، فَمَنَعَهُ مُوسَى ، وَخَرَجَ مُوسَى فِي سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، لَا يَعُدُّونَ ابْنَ الْعِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ، وَلَا ابْنَ السِّتِّينَ لِكِبَرِهِ ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مَا بَيْنَ ذَلِكَ ، سِوَى الذُّرِّيَّةِ . وَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ هَامَانُ فِي أَلْفِ أَلْفٍ وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ ، لَيْسَ فِيهَا مَاذِيَانَةٌ - يَعْنِي الْأُنْثَى - وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ [ الشُّعَرَاءِ : 53 - 54 ] يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .
فَتَقَدَّمَ هَارُونُ فَضَرَبَ الْبَحْرَ ، فَأَبَى الْبَحْرُ أَنْ يَنْفَتِحَ ، وَقَالَ : مَنْ هَذَا الْجَبَّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي ؟ حَتَّى أَتَاهُ مُوسَى فَكَنَّاهُ أَبَا خَالِدٍ وَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ ، فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ - يَقُولُ : كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ - ، فَدَخَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ . وَكَانَ فِي الْبَحْرِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا ، فِي كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ - وَكَانَتِ الطُّرُقُ انْفَلَقَتْ بِجُدْرَانٍ - فَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ : قَدْ قُتِلَ أَصْحَابُنَا ! فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مُوسَى ، دَعَا اللَّهَ ، فَجَعَلَهَا لَهُمْ قَنَاطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقَانِ فَنَظَرَ آخِرُهُمْ إِلَى أَوَّلِهِمْ ، حَتَّى خَرَجُوا جَمِيعًا . ثُمَّ دَنَا فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إِلَى الْبَحْرِ مُنْفَلِقًا قَالَ : أَلَا تَرَوْنَ الْبَحْرَ فَرَقَ مِنِّي ؟ قَدِ انْفَتَحَ لِي حَتَّى أُدْرِكَ أَعْدَائِي فَأَقْتُلَهُمْ ! فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ [ الشُّعَرَاءِ : 64 ] يَقُولُ : قَرَّبْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ، يَعْنِي آلَ فِرْعَوْنَ .
فَلَمَّا قَامَ فِرْعَوْنُ عَلَى أَفْوَاهِ الطُّرُقِ أَبَتْ خَيْلُهُ أَنْ تَقْتَحِمَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مَاذِيَانَةٍ ، فَشَامَّتِ الْحُصُنُ رِيحَ الْمَاذِيَانَةِ ، فَاقْتَحَمَ فِي أَثَرِهَا ، حَتَّى إِذَا هَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَدَخَلَ آخِرُهُمْ ، أُمِرَ الْبَحْرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ ، فَالْتَطَمَ عَلَيْهِمْ . 911 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ الْأَرْضَ إِلَى الْبَحْرِ ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ : قُولُوا لَهُمْ يَدْخُلُونَ الْبَحْرَ إِنَّ كَانُوا صَادِقِينَ ! فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ مُوسَى قَالُوا : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ! ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. فَقَالَ مُوسَى لِلْبَحْرِ : أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى .
قَالَ ! وَتَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ بِهِمْ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : أَتَعْلَمُ أَنَّ هَذَا عَدْوُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَافْرُقْ لِي طَرِيقًا وَلِمَنْ مَعِي .
قَالَ : يَا مُوسَى ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، لَيْسَ لِي أَمْرٌ إِلَّا أَنْ يَأْمُرَنِي اللَّهُ تَعَالَى . فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْبَحْرِ : إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَرِقْ . وَأَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [ سُورَةُ طَهَ : 77 ] وَقَرَأَ قَوْلَهُ : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [ الدُّخَانِ : 24 ] - سَهْلًا لَيْسَ فِيهِ نُقَرٌ - فَانْفَرَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً ، فَسَلَكَ كُلُّ سِبْطٍ فِي طَرِيقٍ .
قَالَ : فَقَالُوا لِفِرْعَوْنَ : إِنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْبَحْرَ . قَالَ : ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَجِبْرِيلُ فِي آخِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقُولُ لَهُمْ : لِيَلْحَقْ آخِرُكُمْ أَوَّلَكُمْ .
وَفِي أَوَّلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لَهُمْ : رُوَيْدًا يَلْحَقُ آخِرُكُمْ أَوَّلَكُمْ . فَجَعَلَ كُلُّ سِبْطٍ فِي الْبَحْرِ يَقُولُونَ لِلسِّبْطِ الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَهُمْ : قَدْ هَلَكُوا ! فَلَمَّا دَخَلَ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ أَوْحَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ إِلَى الْبَحْرِ فَجُعِلَ لَهُمْ قَنَاطِرَ ، يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ آخِرُ هَؤُلَاءِ وَدَخْلَ آخَرُ هَؤُلَاءِ أَمْرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَأَطْبَقَ عَلَى هَؤُلَاءِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) ، أَيْ تَنْظُرُونَ إِلَى فَرْقِ اللَّهِ لَكُمُ الْبَحْرَ ، وَإِهْلَاكِهِ آلَ فِرْعَوْنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَجَّاكُمْ فِيهِ ، وَإِلَى عَظِيمِ سُلْطَانِهِ - فِي الَّذِي أَرَاكُمْ مِنْ طَاعَةِ الْبَحْرِ إِيَّاهُ ، مِنْ مَصِيرِهِ رُكَامًا فِلَقًا كَهَيْئَةِ الْأَطْوَادِ الشَّامِخَةِ ، غَيْرَ زَائِلٍ عَنْ حَدِّهِ ، انْقِيَادًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَإِذْعَانًا لِطَاعَتِهِ ، وَهُوَ سَائِلٌ ذَائِبٌ قَبْلَ ذَلِكَ .
يُوقِفُهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى مَوْضِعِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ ، وَيُذَكِّرُهُمْ آلَاءَهُ عِنْدَ أَوَائِلِهِمْ ، وَيُحَذِّرُهُمْ - فِي تَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِفِرْعَوْنِ وَآلِهِ ، فِي تَكْذِيبِهِمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) ، كَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : ضُرِبْتَ وَأَهْلُكَ يَنْظُرُونَ ، فَمَا أَتَوْكَ وَلَا أَعَانُوكَ بِمَعْنَى : وَهُمْ قَرِيبٌ بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الْفُرْقَانِ : 45 ] ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رُؤْيَةٌ ، إِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، أَنَّهُ وَجْهُ قَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى غَرَقِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ : قَدْ كَانُوا فِي شُغْلٍ مِنْ أَنْ يَنْظُرُوا - مِمَّا اكْتَنَفَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ - إِلَى فِرْعَوْنَ وَغَرَقِهِ .
وَلَيْسَ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ ، إِنَّمَا التَّأْوِيلُ : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى فَرْقِ اللَّهِ الْبَحْرَ لَكُمْ - عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا آنِفًا - وَالْتِطَامِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ بِآلِ فِرْعَوْنَ ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَيَّرَ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقًا يَبَسًا . وَذَلِكَ كَانَ ، لَا شَكَّ نَظَرَ عِيَانٍ لَا نَظَرَ عِلْمٍ ، كَمَا ظَنَّهُ قَائِلُ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ .