حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ وَاعَدْنَا "

) ) اخْتَلَفَتِ الْقِرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَاعَدْنَا ) بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى مُوَافَاةَ الطَّوْرِ لِمُنَاجَاتِهِ ، فَكَانَتِ الْمُوَاعَدَةُ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى ، وَمِنْ مُوسَى لِرَبِّهِ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَةَ ( وَاعَدْنَا ) عَلَى وَعَدْنَا أَنْ قَالُوا : كُلُّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلِالْتِقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوَاعِدٌ صَاحِبَهُ ذَلِكَ . فَلِذَلِكَ - زَعَمُوا - وَجَبَ أَنْ يُقْضَى لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ( وَاعَدْنَا ) بِالِاخْتِيَارِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَعَدْنَا .

وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : وَعَدْنَا بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ الْوَاعِدُ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ دُونَهُ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، فَأَمَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . قَالُوا : وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] وَقَالَ : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [ الْأَنْفَالِ : 7 ] .

قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى . وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّةُ وَقَرَأَتْ بِهِمَا الْقَرَأَةُ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا إِبْطَالُ مَعْنَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا زِيَادَةُ مَعْنَى عَلَى الْأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالتِّلَاوَةِ . فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بِهِمَا فَهُمَا مُتَّفِقَتَانِ .

وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ وَعَدَ غَيْرَهُ اللِّقَاءَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْعُودَ ذَلِكَ وَاعِدٌ صَاحِبَهُ مِنْ لِقَائِهِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ ، مِثْلَ الَّذِي وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُهُ ، إِذَا كَانَ وَعْدُهُ مَا وَعَدَهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَعِدْهُ رَبُّهُ الطَّوْرَ إِلَّا عَنْ رِضَا مُوسَى بِذَلِكَ ، إِذْ كَانَ مُوسَى غَيْرَ مَشْكُوكٍ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بِكُلِّ مَا أَمَرَّ اللَّهُ بِهِ رَاضِيًا ، وَإِلَى مَحَبَّتِهِ فِيهِ مُسَارِعًا . وَمَعْقُولٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعِدْ مُوسَى ذَلِكَ ، إِلَّا وَمُوسَى إِلَيْهِ مُسْتَجِيبٌ .

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ وَعَدَ مُوسَى الطَّوْرَ ، وَوَعَدَهُ مُوسَى اللِّقَاءَ . فَكَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِمُوسَى وَاعِدًا مُوَاعِدًا لَهُ الْمُنَاجَاةَ عَلَى الطَّوْرِ ، وَكَانَ مُوسَى وَاعِدًا لِرَبِّهِ مُوَاعِدًا لَهُ اللِّقَاءَ . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ وَعَدَ وَ وَاعَدَ قَرَأَ الْقَارِئُ ، فَهُوَ لِلْحَقِّ فِي ذَلِكَ - مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَاللُّغَةِ - مُصِيبٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَلِ قَبْلُ .

وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، وَأَنَّ اللَّهَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مُنْفَرِدٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَذَلِكَ أَنَّ انْفِرَادَ اللَّهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ - لَا يُحِيلُ الْكَلَامُ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ وُجُوهِهِ ، وَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ مَعَانِيهِ . وَالْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَفْهُومِ مَا وَصَفْنَا : مِنْ أَنَّ كُلَّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَهُوَ وَعْدٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، وَمُوَاعَدَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاعَدَ صَاحِبَهُ مُوَاعِدٌ ، وَأَنَّ الْوَعْدَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الِانْفِرَادُ مِنَ الْوَاعِدِ دُونَ الْمَوْعُودِ ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِمَعْنَى الْوَعْدِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْوَعِيدِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( مُوسَى ) وَمُوسَى - فِيمَا بَلَغَنَا - بِالْقِبْطِيَّةِ كَلِمَتَانِ ، يُعْنَى بِهِمَا : مَاءٌ وَشَجَرٌ . فَمُو ، هُوَ الْمَاءُ ، وَ شَا هُوَ الشَّجَرُ . وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ - فِيمَا بَلَغَنَا - لِأَنَّ أُمَّهُ لَمَّا جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوتِ - حِينَ خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ ، كَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا ، وَقِيلَ : إِنَّ الْيَمَّ الَّذِي أَلْقَتْهُ فِيهِ هُوَ النِّيلُ - دَفَعَتْهُ أَمْوَاجُ الْيَمِّ حَتَّى أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ أَشْجَارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ ، فَخَرَجَ جِوَارِي آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ ، فَوَجَدْنَ التَّابُوتَ فَأَخَذْنَهُ ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ ، كَانَ ذَلِكَ بِمَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ وَشَجَرٌ ، فَقِيلَ : مُوسَى ، مَاءٌ وَشَجَرٌ .

كَذَلِكَ : - 912 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ، فِيمَا زَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ . 913 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْهُ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بِتَمَامِهَا . فَالْأَرْبَعُونَ لَيْلَةً كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمِيعَادِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، أَيْ رَأْسَ الْأَرْبَعِينَ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ يُوسُفَ : 82 ] وَبِقَوْلِهِمُ : الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ ، وَالْيَوْمَ يَوْمَانِ .

أَيِ الْيَوْمَ تَمَامُ يَوْمَيْنِ ، وَتَمَامُ أَرْبَعِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَخِلَافُ ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ . فَأَمَّا ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ خَبَرِهِ إِلَى بَاطِنٍ ، بِغَيْرِ بُرْهَانٍ دَالٍّ عَلَى صِحَّتِهِ .

وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ ، وَهُوَ مَا : - 914 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلُهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، قَالَ : يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . وَذَلِكَ حِينَ خَلَّفَ مُوسَى أَصْحَابَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ ، فَمَكَثَ عَلَى الطَّوْرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ فِي الْأَلْوَاحِ - وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ بُرَدٍ - فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ إِلَيْهِ نَجِيًّا ، وَكَلَّمَهُ ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ . وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى هَبَطَ مِنَ الطَّوْرِ .

915 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، بِنَحْوِهِ . 916 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : وَعَدَ اللَّهُ مُوسَى - حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، وَنَجَّاهُ وَقَوْمَهُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، يَلْقَاهُ رَبُّهُ فِيهَا مَا شَاءَ . وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى رَبِّي فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ .

فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ ، وَأَقَامَ هَارُونُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَهُ السَّامِرِيُّ يَسِيرُ بِهِمْ عَلَى أَثَرِ مُوسَى لِيُلْحِقَهُمْ بِهِ . 917 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 ) وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ فِي أَيَّامِ مُوَاعَدَةِ مُوسَى الْعِجْلَ إِلَهًا ، مِنْ بَعْدِ أَنْ فَارَقَكُمْ مُوسَى مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَوْعِدِ .

وَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَائِدَةٌ عَلَى ذِكْرِ مُوسَى . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُخَالِفِينَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الْمُكَذِّبِينَ بِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عَنْ فِعْلِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ ، وَخِلَافِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ ، مَعَ تَتَابُعِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشُيُوعِ آلَائِهِ لَدَيْهِمْ ، مُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ - مِنْ خِلَافِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ، وَجُحُودِهِمْ لِرِسَالَتِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ - عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ نُزُولِ سَطْوَتِهِ بِهِمْ بِمُقَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَوَائِلِهِمُ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ : مِنَ الْمَسْخِ وَاللَّعْنِ وَأَنْوَاعِ النَّقَمَاتِ . وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ ، مَا : - 918 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْبَحْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ ذَنُوبٍ حَصَانٍ ، فَلَمَّا هَجَمَ عَلَى الْبَحْرِ ، هَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَقْتَحِمَ فِي الْبَحْرِ ، فَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ ، فَلَمَّا رَآهَا الْحِصَانُ تَقَحَّمَ خَلْفَهَا .

قَالَ : وَعَرَفَ السَّامِرِيُّ جِبْرِيلَ ، لِأَنَّ أُمَّهُ حِينَ خَافَتْ أَنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ فِي غَارٍ وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهِ فَيَغْذُوهُ بِأَصَابِعِهِ ، فَيَجِدُ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ لَبَنًا ، وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا ، فَلَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتَّى نَشَأَ . فَلَمَّا عَايَنَهُ فِي الْبَحْرِ عَرَفَهُ ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ . قَالَ : أَخَذَ مِنْ تَحْتِ الْحَافِرِ قَبْضَةً .

- قَالَ سُفْيَانُ : فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا : فَقَبَضَتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ [ طَهَ : 96 ] . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأُلْقِيَ فِي رَوْعِ السَّامِرِيِّ إِنَّكَ لَا تُلْقِيهَا عَلَى شَيْءٍ فَتَقُولُ : كُنْ كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَانَ . فَلَمْ تَزَلِ الْقَبْضَةُ مَعَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى جَاوَزَ الْبَحْرَ .

فَلَمَّا جَاوَزَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، وَأَغْرَقَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ ، قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ . وَمَضَى مُوسَى لِمَوْعِدِ رَبِّهِ . قَالَ : وَكَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حُلِيٌّ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ قَدْ تَعَوَّرُوهُ ، فَكَأَنَّهُمْ تَأْثَّمُوا مِنْهُ ، فَأَخْرَجُوهُ لِتَنْزِلَ النَّارُ فَتَأْكُلَهُ .

فَلَمَّا جَمَعُوهُ ، قَالَ السَّامِرِيُّ بِالْقَبْضَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ هَكَذَا ، فَقَذَفَهَا فِيهِ - وَأَوْمَأَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ . فَصَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، وَكَانَ تَدْخُلُ الرِّيحُ فِي دُبُرِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ ، فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى . فَعَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ ، فَقَالَ هَارُونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ! قَالُوا : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى .

919 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مِنْ أَرْضِ مِصْرَ - أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعِيرُوا الْحُلِيَّ مِنَ الْقِبْطِ . فَلَمَّا نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ ، وَغَرِقَ آلُ فِرْعَوْنَ ، أَتَى جِبْرِيلُ إِلَى مُوسَى يَذْهَبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ . فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِنَّهُ فَرَسُ الْحَيَاةِ ! فَقَالَ حِينَ رَآهُ : إِنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا .

فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةِ الْحَافِرِ - حَافِرِ الْفَرَسِ - فَانْطَلَقَ مُوسَى ، وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، وَإِنَّ حُلِيَّ الْقِبْطِ إِنَّمَا هُوَ غَنِيمَةٌ ، فَاجْمَعُوهَا جَمِيعًا ، وَاحْفُرُوا لَهَا حُفْرَةً فَادْفِنُوهَا ، فَإِنْ جَاءَ مُوسَى فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا ، وَإِلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلِكَ الْحُلِيَّ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ ، وَجَاءَ السَّامِرِيُّ بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَقَذَفَهَا ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الْحُلِيِّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ .

وَعَدَّتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَوْعِدَ مُوسَى ، فَعَدُّوا اللَّيْلَةَ يَوْمًا وَالْيَوْمَ يَوْمًا ، فَلَمَّا كَانَ تَمَامُ الْعِشْرِينَ ، خَرَجَ لَهُمُ الْعِجْلُ . فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ - يَقُولُ : تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هَاهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ . فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ ، وَكَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي .

فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ - يَقُولُ : إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ ، يَقُولُ : بِالْعِجْلِ - وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ . فَأَقَامَ هَارُونُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ ، وَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى إِلَهِهِ يُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ لَهُ : مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ؟ قَالَ : هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ .

قَالَ مُوسَى ; يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْلَ ، أَرَأَيْتَ الرُّوحَ مَنْ نَفَخَهَا فِيهِ ؟ قَالَ الرَّبُّ : أَنَا . قَالَ : رَبِّ أَنْتَ إِذًا أَضْلَلْتَهُمْ . 920 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - أَنَّ مُوسَى قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ : اسْتَعِيرُوا مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ - الْأَمْتِعَةَ وَالْحُلِيَّ وَالثِّيَابَ ، فَإِنِّي مُنَفِّلُكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ هَلَاكِهِمْ .

فَلَمَّا أَذَّنَ فِرْعَوْنُ فِي النَّاسِ ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّضُ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قَالَ : حِينَ سَارُوا لَمْ يَرْضُوا أَنْ خَرَجُوا بِأَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى ذَهَبُوا بِأَمْوَالِكُمْ مَعَهُمْ ! . 921 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا فَصَلَ هَارُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفَصَلَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ ، قَالَ لَهُمْ هَارُونُ : أَنْتُمْ قَدْ حُمِّلْتُمْ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ - آلِ فِرْعَوْنَ - وَأَمْتِعَةً وَحُلِيًّا ، فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا ، فَإِنَّهَا نَجَسٌ .

وَأَوْقَدْ لَهُمْ نَارًا فَقَالَ : اقْذِفُوا مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا . قَالُوا : نَعَمْ . فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ وَذَلِكَ الْحُلِيِّ ، فَيَقْذِفُونَ بِهِ فِيهَا .

حَتَّى إِذَا تَكَسَّرَ الْحُلِيُّ فِيهَا ، وَرَأَى السَّامِرِيُّ ، أَثَرَ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، فَأَخَذَ تُرَابًا مِنْ أَثَرِ حَافِرِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّارِ فَقَالَ لِهَارُونَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أُلْقِي مَا فِي يَدِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلَا يَظُنُّ هَارُونُ إِلَّا أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحُلِيِّ وَالْأَمْتِعَةِ ، فَقَذَفَهُ فِيهَا وَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، فَكَانَ ، لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ . فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى .

فَعَكَفُوا عَلَيْهِ ، وَأَحَبُّوهُ حُبًّا لَمْ يُحِبُّوا مِثْلَهُ شَيْئًا قَطُّ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَنَسِيَ ) [ طَهَ : 88 ] أَيْ تَرْكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ - يَعْنِي السَّامِرِيَّ - ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [ طَهَ : 89 ] وَكَانَ اسْمُ السَّامِرِيِّ مُوسَى بْنُ ظُفَرَ ، وَقَعَ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، فَدَخَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا رَأَى هَارُونُ مَا وَقَعُوا فِيهِ قَالَ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 90 - 91 ] فَأَقَامَ هَارُونُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُفْتَتَنْ ، وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُدُ الْعِجْلَ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَتَخَوَّفَ هَارُونُ ، إِنَّ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يَقُولَ لَهُ مُوسَى : فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي .

وَكَانَ لَهُ هَائِبًا مُطِيعًا . 922 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا أَنْجَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ ، قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى وَأَمْرَ هَارُونَ بِمَا أَمَرَهُ وَخَرَجَ مُوسَى مُتَعَجِّلًا مَسْرُورًا إِلَى اللَّهِ ، قَدْ عَرَفَ مُوسَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أُنْجِحَ فِي حَاجَةِ سَيِّدِهِ ، كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ .

قَالَ : وَكَانَ حِينَ خَرَجُوا اسْتَعَارُوا حُلِيًّا وَثِيَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ : إِنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، فَاجْمَعُوا نَارًا ، فَأَلْقُوهُ فِيهَا فَأَحْرِقُوهُ . قَالَ : فَجَمَعُوا نَارًا . قَالَ : وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ نَظَرَ إِلَى أَثَرِ دَابَّةِ جِبْرِيلَ ، وَكَانَ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى - وَكَانَ السَّامِرِيُّ فِي قَوْمِ مُوسَى - قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى أَثَرِهِ فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَةً ، فَيَبِسَتْ عَلَيْهَا يَدُهُ .

فَلَمَّا أَلْقَى قَوْمُ مُوسَى الْحُلِيَّ فِي النَّارِ ، وَأَلْقَى السَّامِرِيُّ مَعَهُمُ الْقَبْضَةَ ، صَوَّرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ لَهُمْ عِجْلًا ذَهَبًا ، فَدَخَلَتْهُ الرِّيحُ ، فَكَانَ لَهُ خُوَارٌ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : السَّامِرِيُّ الْخَبِيثُ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، الْآيَةُ ، إِلَى قَوْلِهِ : حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 88 - 91 ] قَالَ : حَتَّى إِذَا أَتَى مُوسَى الْمَوْعِدَ ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [ طَهَ : 86 ] . 923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ : الْعِجْلُ : حَسِيلُ الْبَقَرَةِ . قَالَ : حُلِيٌّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ : أَخْرِجُوهُ فَتَطَهَّرُوا مِنْهُ وَأَحْرَقُوهُ .

وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَطَرَحَهُ فِيهِ ، فَانْسَبَكَ ، فَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيَاحُ . 924 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْعِجْلُ ، لِأَنَّهُمْ عَجَّلُوا فَاتَّخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مُوسَى . 925 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنِ الْحَسَنِ .

926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 ) يَعْنِي وَأَنْتُمْ وَاضِعُو الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَبَدْتُمْ أَنْتُمُ الْعِجْلَ ظُلْمًا مِنْكُمْ ، وَوَضْعًا لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا - أَنَّ أَصْلَ كُلِّ ظُلْمٍ ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 513 قراءة

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    قد ذكرنا في باب البسملة مذاهب الأئمة العشرة فيما بين كل سورتين من الأوجه فتذكر . الم فيه مدان لازمان فيمد كل منهما مدا مشبعا بقدر ثلاث ألفات كما سبق . وقرأ أبو جعفر بالسكت على كل حرف من حروف الهجاء سكتة لطيفة من غير تنفس ، فيسكت على ألف ، وعلى لام ، وعلى ميم ، ويلزم من السكت على لام إظهارها وعدم إدغامها في ميم ، والباقون بغير سكت . فِيهِ هُدًى قرأ ابن كثير بصلة هاء الضمير بياء لفظية ، وهذا مذهبه في كل هاء ضمير وقعت بعد ياء ساكنة وكان ما بعدها متحركا . فإن وقعت بعد حرف ساكن غير الياء وكان ما بعدها متحركا كذلك وصلها بواو لفظية ، مثل : منه واجتباه ، فلا توصل هاء الضمير عنده إلا إذا وقعت بين ساكن ومتحرك كما ذكر ، أما إذا وقعت بين متحركين نحو به وله فلا خلاف بين القراء في صلتها بياء إن وقعت بعد كسرة نحو به . وبواو إن وقعت بعد فتحة نحو له أو ضمة نحو صاحبه . فإن وقعت بين ساكنين نحو فِيهِ الْقُرْآنُ ، أو بين متحرك وساكن نحو لَهُ الْمُلْكُ فلا خلاف بين القراء في عدم صلتها . فحينئذ يكون لها أحوال أربعة كما ذكرنا ، فيصلها ابن كثير وحده في حالة وهي ما إذا وقعت بين ساكن ومتحرك كما سبق تمثيله . ويصلها جميع القراء في حالة ، وهي ما إذا وقعت بين متحركين كما تقدم . وتمتنع صلتها عند الجميع في حالتين : وهما إذا وقعت بين ساكنين ، أو بين متحرك وساكن وقد سبق التمثيل لهما ، فتدبر ، هذه هي القاعدة الكلية لجميع القراء في هاء الضمير . وهناك كلمات خرج فيها بعض القراء عن هذه القاعدة سنبينها في مواضعها إن شاء الله تعالى . يُؤْمِنُونَ قرأ ورش والسوسي وأبو جعفر بإبدال الهمزه واوا ساكنة وصلا ووقفا وكذا كل همزة ساكنة وقعت فاء للكلمة فإن ورشا يبدلها حرف مد من جنس حركة ما قبلها ما عدا كلمات مخصوصة سننبه عليها في محالها إن شاء الله ؛ وأما السوسي فإنه يبدل كل همزة ساكنة سواء أكانت فاء أم عينا أم لاما إلا كلمات معينة خرجت عن هذه القاعدة سنقفك عليها ، وكذا أبو جعفر فإن قاعدته العامة إبدال كل همزة ساكنة فاء كانت أم عينا أم لاما ، واستثنى من هذه القاعدة كلمتان فلا إبدال له فيهما وهما أَنْبِئْهُمْ بالبقرة وَنَبِّئْهُمْ بالحجر والقمر وقرأ حمزة بإبدال همزة يُؤْمِنُونَ عند الوقف فقط ، وكذا يبدل عند الوقف كل همز ساكن فتأمل . الصَّلاةَ قرأ ورش بتفخيم اللام ؛ وكذلك قرأ بتفخيم كل لام مفتوحة سواء أكانت مخففة أم مشددة . متوسطة أم متطرفة . إذا وقعت بعد صاد أو طاء أو ظاء . سواء سكنت هذه الحروف أم فتحت ؛ وسواء خففت أم شددت . نحو : الصَّلاةَ ، و فَصَّلَ ، و مُصَلًّى ، و يَصْلَى ، وَبَطَلَ ، و مُعَطَّلَةٍ ، و مَطْلَعِ ، و طَلَّقْتُمُ <

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَتَأْمُرُونَ أبدل همزه وصلا ووقفا ورش والسوسي وأبو جعفر وحمزة عند الوقف. وَالصَّلاةِ تقدم قريبا . لَكَبِيرَةٌ إِلا فيه لورش ترقيق الراء والنقل . وفيه السكت ، وتركه لخلف عن حمزة . إِسْرَائِيلَ سبق قريبا . شَيْئًا لورش فيه التوسط والمد وصلا ووقفا ، ولخلف عن حمزة السكت قولا واحدا وصلا ، ولخلاد السكت وتركه وصلا أيضا . ولحمزة فيه بتمامه عند الوقف وجهان : الأول نقل حركة الهمزة إلى الياء وحذف الهمزة فيصير النطق بياء مفتوحة خفيفة بعدها ألف ، الثاني إبدال الهمزة ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها فيصير النطق بياء مشددة بعدها ألف . وَلا يُقْبَلُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتاء الفوقية على التأنيث ، والباقون بالياء التحتية على التذكير . سُوءَ فيه لحمزة وهشام وقفا وجهان : الأول نقل فتحة الهمزة إلى الواو ثم تسكن للوقف . الثاني إبدال الهمزة واوا مع إدغام الواو التي قبلها فيها . أَبْنَاءَكُمْ فيه لحمزة وقفا تسهيل الهمزة الثانية مع المد والقصر ومثله نِسَاءَكُمْ . بَلاءٌ فيه لحمزة وهشام وقفا خمسة أوجه ثلاثة الإبدال والتسهيل بالروم مع المد والقصر وقد سبق مثله . وَاعَدْنَا قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب بحذف الألف بعد الواو ، والباقون بإثباته . بَارِئِكُمْ قرأ أبو عمرو بخلف عن الدوري بإسكان الهمزة ، والوجه الثاني للدوري هو اختلاس حركتها وهو الإتيان بمعظمها وقدر بثلثيها ، ولا إبدال فيه للسوسي نظرا لعروض السكون . ولم يذهب إلى الإبدال إلا ابن غلبون فلا يقرأ به لانفراده به . وإذا وقف عليه لحمزة كان فيه وجه واحد ، وهو التسهيل بين بين . نُؤْمِنَ إبداله ظاهر ، ومثله شِئْتُمْ . وَظَلَّلْنَا غلظ ورش اللام الأولى المشددة ومثله لام ظَلَمُونَا . نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ . قرأ نافع وأبو جعفر بياء تحتية مضمومة مع فتح الفاء . وقرأ ابن عامر بتاء فوقية مضمومة مع فتح الفاء . والباقون بالنون المفتوحة والفاء المكسورة . واتفق العشرة على قراءة خَطَايَاكُمْ هنا على وزن قضاياكم . قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ قرأ أبو جعفر بإخفاء التنوين في الغين مع الغنة ، والباقون بالإظهار . ورقق ورش راء غير ولا يخفى ما في قيل . يَفْسُقُونَ آخر الربع . الممال

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    النَّبِيِّينَ جلي . إِبْرَاهِيمَ قرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها ، والباقون بكسرها وياء بعدها . زَبُورًا قرأ حمزة وخلف بضم الزاي ، والباقون بفتحها . لِئَلا قرأ ورش بإبدال الهمزة ياء ، وكذلك حمزة وقفا وله أيضا تحقيق الهمزة . صِرَاطًا جلي، وهو كذلك : فَيُوَفِّيهِمْ ، وَيَهْدِيهِمْ ضم الهاء فيهما يعقوب . إِنِ امْرُؤٌ فيه لحمزة وهشام وقفا خمسة أوجه تقديرا ، وأربعة عملا . الأول إبدال الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها فتصير واوا ساكنة . الثاني إبدالها واوا مضمومة على الرسم ثم تسكن للوقف وحينئذ يتحد هذا الوجه مع ما قبله ، الثالث إبدالها واوا مضمومة على الرسم كذلك ثم تسكن للوقف مع الإشمام . الرابع إبدالها واوا كذلك مع الروم . الخامس تسهيلها مع الروم . عَلِيمٌ آخر السورة ، وهو آخر الربع . الممال عِيسَى معا إن وقف على الثاني ، و مُوسَى بالإمالة للأصحاب والتقليل للبصري وورش بخلف عنه ، لِلنَّاسِ لدوري البصري ، وَكَفَى معا وألقاها للأصحاب بالإمالة ولورش بالتقليل بخلف عنه . جَاءَكُمُ معا بالإمالة لابن ذكوان وحمزة وخلف ، الْكَلالَةِ للكسائي وقفا بلا خلاف . المدغم " الصغير " قَدْ ضَلُّوا لورش والبصري والشامي والأخوين وخلف . قَدْ جَاءَكُمُ معا للبصري وهشام والأخوين وخلف . " الكبير " إِلَيْكَ كَمَا ، لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ ، ولا إدغام في دَاوُدَ زَبُورًا لوقوع الدال مفتوحة بعد ساكن ، والله تعالى أعلم .

موقع حَـدِيث