الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَاذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ قُلْتُمْ : يَا مُوسَى لَنْ نُصَدِّقَكَ وَلَنْ نُقِرَّ بِمَا جِئْتَنَا بِهِ ، حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً - عِيَانًا بِرَفْعِ السَّاتِرِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، وَكَشْفِ الْغِطَاءِ دُونَنَا وَدُونَهُ ، حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهِ بِأَبْصَارِنَا ، كَمَا تُجْهَرُ الرَّكِيَّةُ ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَاؤُهَا قَدْ غَطَّاهُ الطِّينُ ، فَنُقِّيَ مَا قَدْ غَطَّاهُ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ وَصَفَا . يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ جَهَرْتُ الرَّكِيَّةَ أُجْهِرُهَا جَهْرًا وَجَهْرَةً . وَلِذَلِكَ قِيلَ : قَدْ جَاهَرَ فُلَانٌ بِهَذَا الْأَمْرِ مُجَاهَرَةً وَجِهَارًا ، إِذَا أَظْهَرَهُ لِرَأْيِ الْعَيْنِ وَأَعْلَنَهُ ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ بْنُ غَالِبٍ : مِنَ اللِّائِي يَظَلُّ الْأَلْفُ مِنْهُ مُنِيخًا مِنْ مَخَافَتِهِ جِهَارَا 947 - وَكَمَا حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، قَالَ : عَلَانِيَةً .
فَذَكَّرَهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ اخْتِلَافَ آبَائِهِمْ ، وَسُوءَ اسْتِقَامَةِ أَسْلَافِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ ، مَعَ كَثْرَةِ مُعَايَنَتِهِمْ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعِبَرِهِ مَا تَثْلَجُ بِأَقَلِّهَا الصُّدُورُ ، وَتَطْمَئِنُّ بِالتَّصْدِيقِ مَعَهَا النُّفُوسُ . وَذَلِكَ مَعَ تَتَابُعِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ ، وَسُبُوغِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ لَدَيْهِمْ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَرَّةً يَسْأَلُونَ نَبِيَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ . وَمَرَّةً يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .
وَمَرَّةً يَقُولُونَ : لَا نُصَدِّقُكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . وَأُخْرَى يَقُولُونَ لَهُ إِذَا دُعُوا إِلَى الْقِتَالِ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . وَمَرَّةً يُقَالُ لَهُمْ : قُولُوا حِطَّةً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ .
فَيَقُولُونَ : حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ ! وَيَدْخُلُونَ الْبَابَ مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ ، مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي آذَوْا بِهَا نَبِيَّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الَّتِي يَكْثُرُ إِحْصَاؤُهَا . فَأَعْلَمَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُمْ لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا - فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ ، وَتَرْكِهِمُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِ - كَأَسْلَافِهِمْ وَآبَائِهِمُ الَّذِينَ فَصَّلَ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُمْ فِي ارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَتَوَثُّبِهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَارَةً بَعْدَ أُخْرَى ، مَعَ عَظِيمِ بَلَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عِنْدَهُمْ ، وَسُبُوغِ آلَائِهِ عَلَيْهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الصَّاعِقَةِ الَّتِي أَخَذَتْهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 954 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ، وَهِيَ الصَّاعِقَةُ ، فَمَاتُوا جَمِيعًا . وَأَصْلُ الصَّاعِقَةِ كُلُّ أَمْرٍ هَائِلٍ رَآهُ [ الْمَرْءُ ] أَوْ عَايَنَهُ أَوْ أَصَابَهُ - حَتَّى يَصِيرَ مِنْ هَوْلِهِ وَعَظِيمِ شَأْنِهِ إِلَى هَلَاكٍ وَعَطَبٍ ، وَإِلَى ذَهَابِ عَقْلٍ وَغُمُورِ فَهْمٍ ، أَوْ فَقْدِ بَعْضِ آلَاتِ الْجِسْمِ - صَوْتًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَارًا ، أَوْ زَلْزَلَةً ، أَوْ رَجْفًا . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَصْعُوقًا وَهُوَ حَيٌّ غَيْرُ مَيِّتٍ ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [ الْأَعْرَافِ : 143 ] ، يَعْنِي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ : وَهَلْ كَانَ الْفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أَصَابَتْهُ الصَّوَاعِقُ فَاسْتَدَارَا فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ - حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وَصُعِقَ مَيِّتًا ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَفَاقَ قَالَ : ( تُبْتُ إِلَيْكَ ) [ الْأَعْرَافِ : 143 ] - وَلَا شَبَّهَ جَرِيرُ الْفَرَزْدَقَ وَهُوَ حَيٌّ بِالْقِرْدِ مَيِّتًا .
وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى الصَّاعِقَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ ، يَقُولُ : أَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ عِيَانًا جَهَارًا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهَا .