الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . . "
) وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : اذْكُرُوا أَيْضًا إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ . وَظُلْمُهُمْ إِيَّاهَا كَانَ فِعْلَهُمْ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِهَا ، مِمَّا أَوْجَبَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ كَلُّ فَاعِلٍ فِعْلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ بِإِيجَابِهِ الْعُقُوبَةَ لَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَانَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلُوهُ فَظَلَمُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ : مِنِ ارْتِدَادِهِمْ بِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ رَبًّا بَعْدَ فِرَاقِ مُوسَى إِيَّاهُمْ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ ذَنْبِهِمْ ، وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ رِدَّتِهِمْ ، بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ ، وَالتَّسْلِيمِ لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ . وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَكِبُوهُ قَتْلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ : الْأَوْبَةُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يَرْضَاهُ مِنْ طَاعَتِهِ . فَاسْتَجَابَ الْقَوْمُ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ التَّوْبَةِ مِمَّا رَكِبُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ ، عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، كَمَا : - 934 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قَالَ : عَمَدُوا إِلَى الْخَنَاجِرِ ، فَجَعَلَ يَطْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . 935 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا قَالَا قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْخَنَاجِرِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَا يَحِنُّ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ ، حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ ، فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ ، فَتُكِشِّفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ .
وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى : أَنْ حَسْبِي فَقَدِ اكْتَفَيْتُ ! فَذَلِكَ حِينَ أَلْوَى بِثَوْبِهِ . 936 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . قَالَ : أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ ، قَالَ : فَاحْتَبَى الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ فَجَلَسُوا ، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْلِ ، وَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ عَنْهُمْ وَقَدْ أَجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةً ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةً .
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اشْرَبُوا مِنْهُ . فَشَرِبُوا ، فَمَنْ كَانَ يُحِبُّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبَيْهِ الذَّهَبُ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ الْبَقَرَةِ : 93 ] .
فَلَمَّا سَقَطَ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ جَاءَ مُوسَى ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا : لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِلَّا بِالْحَالِ الَّتِي كَرِهُوا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . قَالَ : فَصَفُّوا صَفَّيْنِ ، ثُمَّ اجْتَلَدُوا بِالسُّيُوفِ .
فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ بِالسُّيُوفِ ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا ، حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ ، حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلَكُوا حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ رَبَّنَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ! رَبَّنَا الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ ! ! فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّلَاحَ ، وَتَابَ عَلَيْهِمْ . فَكَانَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا ، وَمَنْ بَقِيَ كَانَ مُكَفَّرًا عَنْهُ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
938 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : كَانَ مُوسَى أَمَرَ قَوْمَهُ - عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ - أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْخَنَاجِرِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ أَبَاهُ وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . 939 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : كَانَ أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ - عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ - أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَلَا يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَلَا أَخَاهُ . فَبَلَغَ ذَلِكَ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ سَبْعِينَ أَلْفًا .
940 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةُ ، قَالَ : فَصَارُوا صَفَّيْنِ ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَبَلَغَ الْقَتْلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : قَدْ تِيبَ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ . 941 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ، لَمَّا أُمِرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهَا ، بَرَزُوا وَمَعَهُمْ مُوسَى ، فَاضْطَرَبُوا بِالسُّيُوفِ ، وَتَطَاعَنُوا بِالْخَنَاجِرِ ، وَمُوسَى رَافِعٌ يَدَيْهِ . حَتَّى إِذَا فَتَرَ ، أَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لَنَا .
وَأَخَذُوا بِعَضُدَيْهِ يُسْنِدُونَ يَدَيْهِ . فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى إِذَا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ قَبَضَ أَيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ . وَحَزِنَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ لِلَّذِي كَانَ مِنَ الْقَتْلِ فِيهِمْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى مُوسَى : مَا يُحْزِنُكَ ؟ ، أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ ، فَحَيٌّ عِنْدِي يُرْزَقُ ; وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ ، فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ ! فَبَشَّرَ بِذَلِكَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .
942 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، قَالَ : قَامُوا صَفَّيْنِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، حَتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا . قَالَ قَتَادَةُ : كَانَتْ شَهَادَةً لِلْمَقْتُولِ وَتَوْبَةً لِلْحَيِّ . 943 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، مَا يَتَرَابَّأُ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَلَا أَبَاهُ وَلَا ابْنَهُ وَلَا أَحَدًا حَتَّى نَزَلَتِ التَّوْبَةُ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَلَغَ قَتْلَاهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمُ الْقَتْلَ ، وَتَابَ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَامُوا صَفَّيْنِ فَاقْتَتَلُوا بَيْنَهُمْ ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْقَتْلَ لِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهَادَةً ، وَكَانَتْ تَوْبَةً لِمَنْ بَقِيَ . وَكَانَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ نَاسًا مِنْهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْعِجْلَ بَاطِلٌ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا مَخَافَةَ الْقِتَالِ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
944 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ، وَأَحْرَقَ الْعِجْلَ وَذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ ، وَخَرَجَ إِلَى رَبِّهِ بِمَنِ اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ، ثُمَّ بُعِثُوا - سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ التَّوْبَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، فَقَالَ : لَا إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ . قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى : نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ ! فَأَمَرَ مُوسَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبَدَ الْعِجْلَ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ عَبَدَهُ . فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ ، وَأَصْلَتَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمُ السُّيُوفَ ، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ .
وَبَكَى مُوسَى ، وَبَهِشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَطْلُبُونَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ ، فَتَابَ عَلَيْهِمْ وَعَفَا عَنْهُمْ ، وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ تُرْفَعَ عَنْهُمُ السُّيُوفُ . 945 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ ، وَكَانَ سَبْعُونَ رَجُلًا قَدِ اعْتَزَلُوا مَعَ هَارُونَ الْعِجْلَ لَمْ يَعْبُدُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : انْطَلِقُوا إِلَى مَوْعِدِ رَبِّكُمْ . فَقَالُوا : يَا مُوسَى ، أَمَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ : بَلَى ! فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ الْآيَةُ .
فَاخْتَرَطُوا السُّيُوفَ وَالْجِرَزَةَ وَالْخَنَاجِرَ وَالسَّكَاكِينَ . قَالَ : وَبُعِثَ عَلَيْهِمْ ضَبَابَةٌ ، قَالَ : فَجَعَلُوا يَتَلَامَسُونَ بِالْأَيْدِي ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ : وَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ فَيَقْتُلَهُ وَلَا يَدْرِي ، وَيَتَنَادَوْنَ فِيهَا : رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا صَبَرَ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّهُ رِضَاهُ .
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ [ الدُّخَانِ : 33 ] . قَالَ : فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ ، وَتِيبَ عَلَى أَحْيَائِهِمْ ، وَقَرَأَ : فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . فَالَّذِي ذَكَرْنَا - عَمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الْأَخْبَارَ الَّتِي رَوَيْنَاهَا - كَانَ تَوْبَةَ الْقَوْمِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي أَتَوْهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَعَ نَدَمِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : ارْجِعُوا إِلَى طَاعَةِ خَالِقِكُمْ ، وَإِلَى مَا يُرْضِيهِ عَنْكُمْ ، كَمَا : - 946 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ، أَيْ : إِلَى خَالِقِكُمْ . وَهُوَ مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَبْرَؤُهُ فَهُوَ بَارِئٌ . وَ الْبَرِيَّةُ : الْخَلْقُ .
وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُهْمَزُ . كَمَا لَا يُهْمَزُ مَلِكٌ وَهُوَ مِنْ لَأَكَ ، لَكِنَّهُ جَرَى بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ كَذَلِكَ قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ : إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْبَرِيَّةَ إِنَّمَا لَمْ تُهْمَزْ لِأَنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنْ الْبَرَى ، وَالْبَرَى : التُّرَابُ . فَكَأَنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا أُخِذَتِ الْبَرِيَّةُ مِنْ قَوْلِكَ بَرَيْتُ الْعُودَ . فَلِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَرْكُ الْهَمْزِ مِنْ بَارِئِكُمْ جَائِزٌ ، وَالْإِبْدَالُ مِنْهَا جَائِزٌ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي بَارِيكُمْ فَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ تَكُونَ الْبَرِيَّةُ مِنْ : بَرَى اللَّهُ الْخَلْقَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : تَوْبَتُكُمْ بِقَتْلِكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَطَاعَتِكُمْ رَبَّكُمْ ، خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ، لِأَنَّكُمْ تَنْجُونَ بِذَلِكَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذَنْبِكُمْ ، وَتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الثَّوَابَ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) ، أَيْ : بِمَا فَعَلْتُمْ مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ قَتْلِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا .
وَهَذَا مِنَ الْمَحْذُوفِ الَّذِي اسْتَغْنَى بِالظَّاهِرِ مِنْهُ عَنِ الْمَتْرُوكِ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ، فَتُبْتُمْ ، فَتَابَ عَلَيْكُمْ . فَتَرَكَ ذِكْرَ قَوْلِهِ : فَتُبْتُمْ ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْكَلَامِ فَتُبْتُمْ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) رَجَعَ لَكُمْ رَبُّكُمْ إِلَى مَا أَحْبَبْتُمْ : مِنَ الْعَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكُمْ وَعَظِيمِ مَا رَكِبْتُمْ ، وَالصَّفْحِ عَنْ جُرْمِكُمْ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَعْنِي : الرَّاجِعُ لِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَا يُحِبُّ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ . وَيَعْنِي بِ الرَّحِيمِ ، الْعَائِدِ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ .