الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ "
1002 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ قَوْلِهِ : ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ قَالَ : هِيَ أَرِيحَا ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا يَعْنِي بِذَلِكَ : فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّغَدِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أَمَّا الْبَابُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ ، فَإِنَّهُ قِيلَ : هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1003 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قَالَ : بَابُ الْحِطَّةِ ، مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ ، مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 1004 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
1005 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، أَمَّا الْبَابُ فَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . 1006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أَنَّهُ أَحَدُ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهُوَ يُدْعَى بَابُ حِطَّةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( سُجَّدًا ) فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ .
1007 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) ، قَالَ : رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ . 1008 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانَ النَّخَعِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ السُّجُودِ الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سُجِدَ لَهُ مُعَظَّمًا بِذَلِكَ .
فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ سَاجِدٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : سُجَّدًا خَاشِعَةً خَاضِعَةً . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ : يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( سُجَّدًا ) رُكَّعًا ، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُولُوا حِطَّةٌ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( حِطَّةٌ ) ، فِعْلَةٌ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ يَحُطُّهَا حِطَّةً ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ حَدَدْتَ وَمَدَدْتَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
1012 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، مَغْفِرَةٌ . 10113 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، قَالَ : يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ . 1014 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ : يَحُطُّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ : قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1015 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ : الِاسْتِغْفَارَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1016 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّخَعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ نَظِيرَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ ، هُوَ أَنْ يَقُولُوا : هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1017 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ رُفِعَتِ الْحِطَّةُ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : رُفِعَتِ الْحِطَّةُ بِمَعْنَى قُولُوا لِيَكُنْ مِنْكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : سَمْعُكَ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ كَلِمَةٌ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوهَا مَرْفُوعَةً ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ قِيلَهَا كَذَلِكَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : رُفِعَتِ الْحِطَّةُ بِضَمِيرِ هَذِهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَقُولُوا : هَذِهِ حِطَّةٌ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِضَمِيرٍ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا مَا هُوَ حِطَّةٌ ، فَتَكُونُ حِطَّةٌ حِينَئِذٍ خَبَرًا لِ مَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَقْرَبُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ ، وَأَشَبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ : أَنْ يَكُونَ رَفْعُ حِطَّةٍ بِنِيَّةِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، وَهُوَ دُخُولُنَا الْبَابَ سُجَّدًا حِطَّةٌ ، فَكَفَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [ الْأَعْرَافِ : 164 ] ، يَعْنِي : مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ .
فَكَذَلِكَ عِنْدِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : دُخُولُنَا ذَلِكَ سُجَّدًا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا . وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى نَحْوِ تَأْوِيلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ زَيْدٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ : وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي حِطَّةٍ ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَوْ أَنْ يَقُولُوا : نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا هَذَا الْقَوْلَ ، فَ قُولُوا وَاقِعٌ حِينَئِذٍ عَلَى الْحِطَّةِ ، لِأَنَّ الْحِطَّةَ عَلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ - هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَإِذَا كَانَتْ هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَالْقَوْلُ عَلَيْهَا وَاقِعٌ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بِقَوْلِ الْخَيْرِ فَقَالَ لَهُ : قُلْ خَيْرًا نَصْبًا ، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : قُلْ خَيْرٌ ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدٍ .
وَفِي إِجْمَاعِ الْقَرَأَةِ عَلَى رَفْعِ الْحِطَّةِ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى خِلَافِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) . وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي حِطَّةٌ نَصْبًا . لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا وَضَعُوا الْمَصَادِرَ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ ، وَحَذَفُوا الْأَفْعَالَ - أَنْ يَنْصِبُوا الْمَصَادِرَ .
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أُبِيدُوا بِأَيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى أُمَّهَاتِ الْهَامِ ضَرْبًا شَآمِيَا وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ : سَمْعًا وَطَاعَةً بِمَعْنَى : أَسْمَعُ سَمْعًا وَأُطِيعُ طَاعَةً ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( مَعَاذَ اللَّهِ ) [ يُوسُفَ : 23 ] بِمَعْنَى : نَعُوذُ بِاللَّهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى نَغْفِرْ لَكُمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( نَغْفِرْ لَكُمْ ) نَتَغَمَّدْ لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ ، وَنَسْتُرْهَا عَلَيْكُمْ ، فَلَا نَفْضَحُكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا . وَأَصْلُ الْغَفْرِ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ ، فَكُلُّ سَاتِرٍ شَيْئًا فَهُوَ غَافِرُهُ .
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الَّتِي تُتَّخَذُ جُنَّةً لِلرَّأْسِ مِغْفَرٌ ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الرَّأْسَ وَتُجِنُّهُ . وَمِثْلُهُ غِمْدُ السَّيْفِ ، وَهُوَ مَا تَغَمَّدَهُ فَوَارَاهُ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِزِئْبِرِ الثَّوْبِ : غَفْرَةٌ ، لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْبَ ، وَحَوْلِهِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ .
وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ : فَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ جَاهِلًا وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ أَجْهَلَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ : أَسْتُرُ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِحِلْمِي عَنْهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى خَطَايَاكُمْ وَ الْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيَّةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، كَمَا الْمَطَايَا جَمْعُ مَطِيَّةٍ ، وَالْحَشَايَا جَمْعُ حَشِيَّةٍ . وَإِنَّمَا تُرِكَ جَمْعُ الْخَطَايَا بِالْهَمْزِ ، لِأَنَّ تَرْكَ الْهَمْزِ فِي خَطِيئَةٍ أَكْثَرُ مِنَ الْهَمْزِ ، فَجُمِعَ عَلَى خَطَايَا ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَتَهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ .
وَلَوْ كَانَتِ الْخَطَايَا مَجْمُوعَةً عَلَى خَطِيئَةٍ بِالْهَمْزِ : لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْلِ قَبِيلَةٍ وَقَبَائِلَ ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ . وَقَدْ تُجْمَعُ خَطِيئَةٌ بِالتَّاءِ ، فَيُهْمَزُ فَيُقَالُ خَطِيئَاتُ . وَ الْخَطِيئَةُ فَعِيلَةٌ ، مِنْ خَطِئَ الرَّجُلُ يَخْطَأُ خَطَأً ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ .
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَخَابَا يَعْنِي : أَضَلَّا الْحَقَّ وَأَثِمَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا : - 1018 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا زِيدَ فِي إِحْسَانِهِ ، وَمَنْ كَانَ مُخْطِئًا نَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ مُبَاحًا لَكُمْ كُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ; وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : سُجُودُنَا هَذَا لِلَّهِ حِطَّةٌ مِنْ رَبِّنَا لِذُنُوبِنَا يَحُطُّ بِهِ آثَامَنَا ، نَتَغَمَّدُ لَكُمْ ذُنُوبَ الْمُذْنِبِ مِنْكُمْ فَنَسْتُرُهَا عَلَيْهِ ، وَنَحُطُّ أَوْزَارَهُ عَنْهُ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ - إِلَى إِحْسَانِنَا السَّالِفِ عِنْدَهُ - إِحْسَانًا .
ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَظِيمِ جَهَالَتِهِمْ ، وَسُوءِ طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَعِصْيَانِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ ، مَعَ عَظِيمِ آلَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ ، مُوَبِّخًا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَمُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَعَدَّوْا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ ، مَعَ عَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ بِمَبْعَثِهِ فِيهِمْ إِلَيْهِمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْحُجَجِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ ، وَقَصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ .