الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مَا يَوَدُّ ) ، مَا يُحِبُّ ، أَيْ : لَيْسَ يُحِبُّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . يُقَالُ مِنْهُ : وَدَّ فُلَانٌ كَذَا يَوَدُّهُ وُدًّا وَوِدًّا وَمَوَدَّةً . وَأَمَّا الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالْعَطْفِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَا يُحِبُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وَأَمَّا ( أَنْ ) فِي قَوْلِهِ : ( أَنْ يُنَزَّلَ ) فَنُصِبَ بِقَوْلِهِ : ( يَوَدُّ ) . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وَجْهِ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ خَيْرٍ ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَوَّلِهِ جَحْدٌ ، فِيمَا مَضَى ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَا يُحِبُّ الْكَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ اللَّهِ فَنَزَّلَهُ عَلَيْكُمْ ، فَتَمَنَّى الْمُشْرِكُونَ وَكَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يُنْزِّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْفَرْقَانَ وَمَا أَوْحَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِكَمِهِ وَآيَاتِهِ ، وَإِنَّمَا أَحَبَّتِ الْيَهُودُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ ، حَسَدًا وَبَغْيًا مِنْهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دِلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الرُّكُونِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَقَبُولِ شَيْءٍ مِمَّا يَأْتُونَهُمْ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ مِنْهُمْ ، بِإِطْلَاعِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِيَّاهُمْ عَلَى مَا يَسْتَبْطِنُهُ لَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ الضِّغْنِ وَالْحَسَدِ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ خِلَافَ مَا هُمْ مُسْتَبْطِنُونَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾( 105 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ بِنَبُّوتِهِ وَرِسَالَتِهِ ، فَيُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مَنْ خَلَقَهُ ، فَيَتَفَضَّلُ بِالْإِيمَانِ عَلَى مَنْ أَحَبَّ فَيَهْدِيهِ لَهُ ، وَ اخْتِصَاصُهُ إِيَّاهُمْ بِهَا ، إِفْرَادُهُمْ بِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ .
وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ رِسَالَتَهُ إِلَى مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ خَلْقِهِ ، وَهِدَايَتَهُ مَنْ هَدَى مِنْ عِبَادِهِ ، رَحْمَةً مِنْهُ لَهُ لِيُصَيِّرَهُ بِهَا إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ وَفَوْزِهِ بِهَا بِالْجَنَّةِ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ بِهَا ثَنَاءَهُ . وَكُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .
فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ نَالَهُ عِبَادُهُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، فَإِنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ ابْتِدَاءً وَتَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَفِي قَوْلِهِ : وَاللَّهُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ ، تَعْرِيضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ : أَنَّ الَّذِي آتَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ ، تَفَضُّلٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ نِعَمَهُ لَا تُدْرَكُ بِالْأَمَانِيِّ ، وَلَكِنَّهَا مَوَاهِبُ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مَنْ خَلْقِهِ .