الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ : مَا نَنْقُلْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ ، إِلَى غَيْرِهِ فَنُبَدِّلْهُ وَنُغَيِّرْهُ ، وَذَلِكَ أَنْ يُحَوِّلَ الْحَلَالَ حَرَامًا ، وَالْحَرَامَ حَلَالًا وَالْمُبَاحَ مَحْظُورًا ، وَالْمَحْظُورَ مُبَاحًا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلَاقِ ، وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ . فَأَمَّا الْأَخْبَارُ ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلَا مَنْسُوخٌ . وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ ، وَهُوَ نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا .
فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ ، إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عِبَارَتِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهَا ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْآيَةِ ، فَسَوَاءٌ - إِذَا نُسِخَ حَكَمُهَا فَغُيِّرَ وَبُدِّلَ فَرْضُهَا ، وَنُقِلَ فَرْضُ الْعِبَادِ عَنِ اللَّازِمِ كَانَ لَهُمْ بِهَا - أَأُقِرَّ خَطُّهَا فَتُرِكَ ، أَوْ مُحِيَ أَثَرُهَا ، فَعُفِّيَ وَنُسِيَ؛ إِذْ هِيَ حِينَئِذٍ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَالْحُكْمُ الْحَادِثُ الْمُبْدَلُ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ ، وَالْمَنْقُولُ إِلَيْهِ فَرْضُ الْعِبَادِ ، هُوَ النَّاسِخُ . يُقَالُ مِنْهُ : نَسَخَ اللَّهُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا يَنْسَخُهُ نَسْخًا ، وَ النُّسْخَةُ : الِاسْمُ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ : 1745 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ، قَالَ : إِنْ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئُ قُرْآنًا ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ، وَمِنَ الْقُرْآنِ مَا قَدْ نُسِخَ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ .
1749 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) ، نُثْبِتُ خَطَّهَا ، وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا . حُدِّثْتُ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 1750 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ شَوْذَبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) نُثْبِتُ خَطَّهَا ، [ وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا ] .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ نُنْسِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ فَقَرَأَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) . وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : مَا نَنْسَخْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ آيَةٍ فَنُغَيِّرْ حُكْمَهَا أَوْ نُنْسِهَا .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ : ( مَا نُنْسِكَ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَخْهَا نَجِئْ بِمِثْلِهَا ) ، فَذَلِكَ تَأْوِيلُ : النِّسْيَانِ . وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1751 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ، كَانَ يُنْسَخُ الْآيَةُ بِالْآيَةِ بَعْدَهَا ، وَيَقْرَأُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ تُنْسَى وَتُرْفَعُ .
ثُمَّ قَرَأَ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾ وَ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ . 1758 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ، يَقُولُ : نُنْسِهَا : نَرْفَعْهَا . وَكَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ أُمُورًا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَفَعَهَا .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا ، أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى التَّرْكِ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التَّوْبَةِ : 67 ] ، يَعْنِي بِهِ : تَرَكُوا اللَّهَ فَتَرَكَهُمْ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ حِينَئِذٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ فَنُغَيِّرْ حُكْمَهَا وَنُبَدِّلْ فَرْضَهَا ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الَّتِي نَسَخْنَاهَا أَوْ مِثْلِهَا . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا : - 1762 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( نُنْسِهَا ) ، نَمْحُهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : ( أَوْ نَنْسَأْهَا ) بِفَتْحِ النُّونِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ ، بِمَعْنَى نُؤَخِّرُهَا ، مِنْ قَوْلِكَ : نَسَأْتُ هَذَا الْأَمْرَ أَنْسَؤُهُ نَسَأً وَنَسَاءً ، إِذَا أَخَّرْتُهُ ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ : بِعْتُهُ بِنَسَاءٍ ، يَعْنِي بِتَأْخِيرٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ : لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَنْسَأَ الْفَتَى لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَنْسَأَ ، أَخَّرَ . وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ ، وَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ ، وَتَأَوَّلَهُ كَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
1766 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ ، عَنْ عَطِيَّةَ : ( أَوْ نَنْسَأْهَا ) ، قَالَ : نُؤَخِّرْهَا فَلَا نَنْسَخْهَا . 1767 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ( أَوْ نَنْسَأْهَا ) ، إِرْجَاؤُهَا وَتَأْخِيرُهَا . هَكَذَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْأَزْدِيِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ .
1768 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : ( نَنْسَأْهَا ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : مَا نُبَدِّلْ مِنْ آيَةٍ أَنْزَلْنَاهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَنُبْطِلْ حُكْمَهَا وَنُثْبِتْ خَطَّهَا ، أَوْ نُؤَخِّرْهَا فَنُرْجِئْهَا وَنُقِرَّهَا فَلَا نُغَيِّرْهَا وَلَا نُبْطِلْ حُكْمَهَا ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ تُنْسَهَا ) .
وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ نَظِيرُ تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَى ( أَوْ تُنْسَهَا ) ، أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ . وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( مَا نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ ) ، بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ ، بِمَعْنَى : مَا نَنْسَخُكَ يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ مِنْ آيَةٍ - مِنْ أَنْسَخْتُكَ فَأَنَا أَنَسْخُكَ . وَذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا ، لِخُرُوجِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْقَرَأَةِ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ .
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ( تُنْسَهَا ) أَوْ ( تَنْسَهَا ) لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجِهَا عَنِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْحُجَّةُ مِنْ قُرَّاءِ الْأُمَّةَ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) بِالصَّوَابِ ، مَنْ قَرَأَ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) بِمَعْنَى : نَتْرُكُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مَهْمَا بَدَّلَ حُكْمًا أَوْ غَيَّرَهُ ، أَوْ لَمْ يُبَدِّلْهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ ، فَهُوَ آتِيهِ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ بِمِثْلِهِ؛ فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا ، أَنْ يَكُونَ - إِذْ قَدَّمَ الْخَبَرَ عَمَّا هُوَ صَانِعٌ إِذَا هُوَ غَيَّرَ وَبَدَّلَ حُكْمَ آيَةٍ أَنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَمَّا هُوَ صَانِعٌ ، إِذَا هُوَ لَمْ يُبَدِّلْ ذَلِكَ وَلَمْ يُغَيِّرْ ، فَالْخَبَرُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَقِيبَ قَوْلِهِ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) . قَوْلُهُ : أَوْ نَتْرُكْ نَسْخَهَا ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْرُوفَ الْجَارِيَ فِي كَلَامِ النَّاسِ ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ ، فَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الْإِنْسَاءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ ، وَمَعْنَى النَّسَّاءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ؛ إِذْ كَانَ كُلُّ مَتْرُوكٍ فَمُؤَخَّرٌ عَلَى حَالِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ .
وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : ( أَوْ تَنْسَهَا ) ، إِذَا عُنِيَ بِهِ النِّسْيَانُ ، وَقَالُوا : غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُنْسَخْ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَسِيَ مِنْهُ شَيْئًا ، ثُمَّ ذَكَرَهُ . قَالُوا : وَبَعْدُ ، فَإِنَّهُ لَوْ نَسِيَ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ قَرَأُوهُ وَحَفِظُوهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، بِجَائِزٍ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَنْسَوْهُ . قَالُوا : وَفِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [ الْإِسْرَاءِ : 86 ] ، مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُنْسِ نَبِيَّهُ شَيْئًا مِمَّا آتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ عَلَى بُطُولِهِ وَفَسَادِهِ ، الْأَخْبَارُ الْمُتَظَاهِرَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا . 1769 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ ، قَرَأْنَا بِهِمْ وَفِيهِمْ كِتَابًا : بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ . 1770 - وَالَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَأُونَ : لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ .
ثُمَّ رُفِعَ . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِإِحْصَائِهَا الْكِتَابُ . وَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِي فِطْرَةِ ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ ، وَلَا بِحُجَّةِ خَبَرٍ أَنْ يُنْسِيَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا قَدْ كَانَ أَنْزَلَهُ إِلَيْهِ ، فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ، فَإِنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَذَهَبَ بِجَمِيعِهِ ، فَلَمْ يَذْهَبْ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، بَلْ إِنَّمَا ذَهَبَ بِمَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا نُسِخَ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ بِالْعِبَادِ إِلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ﴾إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [ الْأَعْلَى : 6 - 7 ] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُنْسِي نَبِيَّهُ مِنْهُ مَا شَاءَ ، فَالَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ . فَأَمَّا نَحْنُ ، فَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ طَلَبَ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ عَلَى نِظَامٍ فِي الْمَعْنَى ، لَا إِنْكَارَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَنْسَى نَبِيَّهُ بَعْضَ مَا نُسِخَ مِنْ وَحْيِهِ إِلَيْهِ وَتَنْزِيلِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 1771 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ، يَقُولُ : خَيْرٌ لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَأَرْفَقُ بِكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1772 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مَثَلِهَا ) ، يَقُولُ : آيَةٌ فِيهَا تَخْفِيفٌ ، فِيهَا رَحْمَةٌ ، فِيهَا أَمْرٌ ، فِيهَا نَهْيٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الَّتِي نَسَخْنَاهَا ، أَوْ بِخَيْرٍ مِنَ الَّتِي تَرَكْنَاهَا فَلَمْ نَنْسَخْهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1773 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) ، يَقُولُ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الَّتِي نَسَخْنَاهَا ، أَوْ مِثْلِهَا ، أَوْ مِثْلِ الَّتِي تَرَكْنَاهَا . فَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْهَا ) - عَائِدَتَانِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ - عَلَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ : ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) .
وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ مِثْلِهَا ) ، عَائِدَتَانِ عَلَى الْهَاءِ وَالْأَلِفِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 1774 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ : ( نُنْسِهَا ) : نَرْفَعْهَا مِنْ عِنْدِكُمْ ، نَأْتِ بِمِثْلِهَا أَوْ خَيْرٍ مِنْهَا . 1775 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : ( أَوْ نُنْسِهَا ) ، نَرْفَعْهَا ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ بِمِثْلِهَا .
1776 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ شَوْذَبٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا : مَا نُبَدِّلْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ فَنُغَيِّرْهُ ، أَوْ نَتْرُكْ تَبْدِيلَهُ فَنُقِرَّهُ بِحَالِهِ ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ - مَنْ حُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي نَسَخْنَا فَغَيَّرْنَا حُكْمَهَا - إِمَّا فِي الْعَاجِلِ لِخِفَّتِهِ عَلَيْكُمْ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَضْعُ فَرْضٍ كَانَ عَلَيْكُمْ ، فَأُسْقِطَ ثِقْلُهُ عَنْكُمْ ، وَذَلِكَ كَالَّذِي كَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ فَرْضِ قِيَامِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَوُضِعَ عَنْهُمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ فِي عَاجَلِهُمْ ، لِسُقُوطِ عِبْءِ ذَلِكَ وَثِقْلِ حَمْلِهِ عَنْهُمْ ، وَإِمَّا فِي الْآجِلِ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ ، مِنْ أَجْلِ مَشَقَّةِ حَمْلِهِ ، وَثِقْلِ عِبْئِهِ عَلَى الْأَبْدَانِ ، كَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ صِيَامِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فِي السَّنَةِ ، فَنُسِخَ وَفُرِضَ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ صَوْمُ شَهْرٍ كَامِلٍ فِي كُلِّ حَوْلٍ ، فَكَانَ فَرْضُ صَوْمِ شَهْرٍ كَامِلٍ كُلَّ سَنَةٍ أَثْقَلَ عَلَى الْأَبْدَانِ مِنْ صِيَامِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَالثَّوَابُ عَلَيْهِ أَجْزَلُ ، وَالْأَجْرُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ؛ لِفَضْلِ مَشَقَّتِهِ عَلَى مُكَلَّفِيهِ مِنْ صَوْمِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبْدَانِ أَشَقَّ ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْآجِلِ لِفَضْلِ ثَوَابِهِ وَعِظَمِ أَجْرِهِ ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ لِصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الْعَاجِلِ لِخِفَّتِهِ عَلَى مَنْ كُلِّفَهُ ، أَوْ فِي الْآجِلِ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ وَكَثْرَةِ أَجْرِهِ . أَوْ يَكُونُ مِثْلَهَا فِي الْمَشَقَّةِ عَلَى الْبَدَنِ وَاسْتِوَاءِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عَلَيْهِ ، نَظِيرَ نَسْخِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَرْضَ الصَّلَاةِ شَطْرَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِلَى فَرْضِهَا شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَالتَّوَجُّهُ شَطْرَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَإِنْ خَالَفَ التَّوَجُّهَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ، فَكُلْفَةُ التَّوَجُّهِ - شَطْرَ أَيِّهِمَا تُوُجِّهَ شَطْرَهُ - وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُتَوَجِّهِ شَطْرَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ مُئُونَةِ تَوَجُّهِهِ شَطْرَهُ ، نَظِيرُ الَّذِي عَلَى بَدَنِهِ مُؤْنَةُ تُوَجُّهِهِ شَطْرَ الْكَعْبَةِ ، سَوَاءً ، فَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْمِثْلِ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( أَوْ مِثْلِهَا ) . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا : مَا نَنْسَخْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهِ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَهُمْ مَعْنَاهَا ، اكْتُفِيَ بِدِلَالَةِ ذِكْرِ الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهَا ، وَذَلِكَ نَظِيرُ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، كَقَوْلِهِ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ الْبَقَرَةِ : 93 ] ، بِمَعْنَى حُبِّ الْعِجْلِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : مَا نُغَيِّرْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلْهُ ، أَوْ نَتْرُكْهُ فَلَا نُبَدِّلْهُ ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكُمْ - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - حُكْمًا مِنْهَا ، أَوْ مِثْلَ حُكْمِهَا فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ وَالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُشْرَبُ فِي الْقُلُوبِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، أَنَّ مَعْنَاهُ : وَأَشْرَبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ ، فَمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا - لِذَلِكَ نَظِيرٌ؟ قِيلَ : الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ خَيِّرٌ مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُ كَلَامُ اللَّهِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يُقَالَ : بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَبَعْضُهَا خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنِّي قَادِرٌ عَلَى تَعْوِيضِكَ مِمَّا نَسَخْتُ مِنْ أَحْكَامِي ، وَغَيَّرْتُهُ مِنْ فَرَائِضِي الَّتِي كُنْتُ افْتَرَضْتُهَا عَلَيْكَ ، مَا أَشَاءُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ لَكَ وَلِعِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ مَعَكَ ، وَأَنْفَعُ لَكَ وَلَهُمْ ، إِمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَةِ - أَوْ بِأَنْ أُبَدِّلَ لَكَ وَلَهُمْ مَكَانَهُ مِثْلَهُ فِي النَّفْعِ لَهُمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا وَآجِلًا فِي الْآخِرَةِ وَشَبِيهَهُ فِي الْخِفَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ؟ فَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( قَدِيرٌ ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : قَوِيٌّ .
يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ قَدَرْتُ عَلَى كَذَا وَكَذَا ، إِذَا قَوِيتُ عَلَيْهِ ، أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَقْدُرُ عَلَيْهِ قُدْرَةً وَقِدْرَانًا وَمَقْدِرَةً ، وَبَنُو مُرَّةَ مِنْ غَطَفَانَ تَقُولُ : قَدِرْتَ عَلَيْهِ بِكَسْرِ الدَّالِّ . فَأَمَّا مِنَ التَّقْدِيرِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَدَّرْتُ الشَّيْءَ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدِرْتُهُ أَقْدِرُهُ قَدْرًا وَقَدَرًا .