الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : لا تَقُولُوا رَاعِنَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : لَا تَقُولُوا خِلَافًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1720 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : لا تَقُولُوا رَاعِنَا ، قَالَ : لَا تَقُولُوا خِلَافًا .
1724 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : تَأْوِيلُهُ : أَرْعِنَا سَمْعَكَ . أَيِ : اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَعُ مِنْكَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا : رَاعِنَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ كَلِمَةٌ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالْمَسَبَّةِ ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1728 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا قَوْلٌ كَانَتْ تَقَوُّلَهُ الْيَهُودُ اسْتِهْزَاءً ، فَزَجَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا كَقَوْلِهِمْ .
1732 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا قَالَ : رَاعِنَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الْقَوْمُ ، قَالُوا : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 46 ] قَالَ : قَالَ : هَذَا الرَّاعِنُ - وَالرَّاعِنُ : الْخَطَّاءُ - قَالَ : فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : لَا تَقُولُوا خَطَّاءٌ ، كَمَا قَالَ الْقَوْمُ ، وَقُولُوا : انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا . قَالَ : كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُكَلِّمُونَهُ ، وَيَسْمَعُ مِنْهُمْ ، وَيَسْأَلُونَهُ وَيُجِيبُهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ كَانَتِ الْأَنْصَارُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُهَا ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1736 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ( لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ) ، قَالَ : إِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا حَدَّثَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ : أَرْعِنِي سَمْعَكَ! فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . 1737 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : رَاعِنَا : قَوْلُ السَّاخِرِ . فَنَهَاهُمْ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ كَلَامُ يَهُودِيٍّ مِنَ الْيَهُودِ بِعَيْنِهِ ، يُقَالُ لَهُ : رَفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ ، كَانَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ لَهُ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قِيلِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1738 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ، كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ - مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ - كَانَ يُدْعَى رَفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ السَّائِبِ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا خَطَأٌ ، إِنَّمَا هُوَ ابْنُ التَّابُوتِ ، لَيْسَ ابْنَ السَّائِبِ - كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا لَقِيَهُ فَكَلَّمَهُ قَالَ : أَرْعِنِي سَمْعَكَ ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ تُفَخَّمُ بِهَذَا ، فَكَانَ نَاسٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ : اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ، كَقَوْلِكَ اسْمَعْ غَيْرَ صَاغِرٍ ، وَهِيَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 46 ] ، يَقُولُ : إِنَّمَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ طَعْنًا فِي الدِّينِ . ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : لَا تَقُولُوا رَاعِنَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي نَهْيِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِنَبِيِّهِ : رَاعِنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّهَا كَلِمَةٌ كَرِهَهَا اللَّهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَظِيرَ الَّذِي ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : 1739 - لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ ، وَلَكِنْ قُولُوا : الْحَبَلَةُ . 1740 - وَ لَا تَقُولُوا : عَبْدِي ، وَلَكِنْ قُولُوا : فَتَايَ . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَكُونَانِ مُسْتَعْمَلَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَتَأْتِي الْكَرَاهَةُ أَوِ النَّهْيُ بِاسْتِعْمَالِ إِحْدَاهُمَا ، وَاخْتِيَارِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا فِي الْمُخَاطَبَاتِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا مَعْنَى نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِنَبِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : كَرْمٌ ، وَفِي الْعَبْدِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : عَبْدٌ ، فَمَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ : ( رَاعِنَا ) حِينَئِذٍ ، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ النَّهْيُ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَقُولُوهُ ، حَتَّى أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْثِرُوا قَوْلَهُ : ( انْظُرْنَا ) ؟ قِيلَ : الَّذِي فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، نَظِيرُ الَّذِي فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : الْكَرْمُ لِلْعِنَبِ ، وَ الْعَبْدُ لِلْمَمْلُوكِ . وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : عَبْدِي لِجَمِيعِ عِبَادِ اللَّهِ ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَافَ بَعْضُ عِبَادِ اللَّهِ - بِمَعْنَى الْعُبُودِيَّةِ - إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ، وَأَمَرَ أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ ، بِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يُضَافُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُقَالُ : فَتَايَ . وَكَذَلِكَ وَجْهُ نَهْيِهِ فِي الْعِنَبِ أَنْ يُقَالَ : كَرْمٌ خَوْفًا مِنْ تَوَهُّمِ وَصْفِهِ بِالْكَرَمِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسَكَّنَةً ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُسَكِّنُ بَعْضَ الْحَرَكَاتِ إِذَا تَتَابَعَتْ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ؛ فَكَرِهَ أَنْ يَتَّصِفَ بِذَلِكَ الْعِنَبُ ، فَكَذَلِكَ نَهَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا : رَاعِنَا ؛ لَمَّا كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ : رَاعِنَا مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى احْفَظْنَا وَنَحْفَظُكُ ، وَارْقُبْنَا وَنَرْقُبُكَ .
مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ : رَعَاكَ اللَّهُ : بِمَعْنَى حَفِظَكَ اللَّهُ وَكَلَأَكَ - وَمُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى : أَرْعِنَا سَمْعَكَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَرْعَيْتُ سَمْعِي إِرْعَاءً - أَوْ رَاعَيْتُهُ - سَمْعِي رِعَاءً أَوْ مُرَاعَاةً ، بِمَعْنَى : فَرَّغْتُهُ لِسَمَاعِ كَلَامِهِ . كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ : يُرْعِي إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا أَبْدَوْا لَهُ الْحَزْمَ أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يُرْعِي يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَيْهِ مُفْرِغَهُ لِذَلِكَ . وَكَانَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَوْقِيرِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَعْظِيمِهِ ، حَتَّى نَهَاهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ ، وَأَنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، وَخَوَّفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حُبُوطَ أَعْمَالِهِمْ .
فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا فِيهِ جَفَاءٌ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِخِطَابِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَحْسَنَهَا ، وَمِنِ الْمَعَانِي أَرَقَّهَا؛ فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : ( رَاعِنَا ) لِمَا فِيهِ مِنَ احْتِمَالِ مَعْنَى : ارْعَنَا نَرْعَاكَ ، إِذْ كَانَتِ الْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : عَاطِنَا ، وَحَادِثْنَا ، وَجَالِسْنَا ، بِمَعْنَى : افْعَلْ بِنَا وَنَفْعَلُ بِكَ - وَمَعْنَى : أَرْعِنَا سَمْعَكَ ، حَتَّى نَفْهَمَكَ وَتَفْهَمَ عَنَّا ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَأَنْ يُفْرِدُوا مَسْأَلَتَهُ بِانْتِظَارِهِمْ وَإِمْهَالِهِمْ ، لِيَعْقِلُوا عَنْهُ بِتَبْجِيلٍ مِنْهُمْ لَهُ وَتَعْظِيمٍ ، وَأَنْ لَا يَسْأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَفَاءِ وَالتَّجَهُّمِ مِنْهُمْ لَهُ ، وَلَا بِالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ ، تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْيَهُودِ فِي خِطَابِهِمْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِقَوْلِهِمْ لَهُ : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا . يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَدَلَّ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عَاتَبَهُمْ عَلَيْهِ ، مِمَّا يَسُرُّ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ . فَأَمَّا التَّأْوِيلُ الَّذِي حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( رَاعِنَا ) أَنَّهُ بِمَعْنَى : خِلَافًا ، فَمِمَّا لَا يُعْقَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ رَاعَيْتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى فَاعَلْتُ مِنَ الرِّعْيَةِ وَهِيَ الرِّقْبَةُ وَالْكَلَاءَةُ .
وَالْآخَرُ بِمَعْنَى إِفْرَاغِ السَّمْعِ ، بِمَعْنَى أَرَعَيْتُهُ سَمْعِي . وَأَمَّا رَاعَيْتُ بِمَعْنَى خَالَفْتُ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ مَفْهُومٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّنْوِينِ ، ثُمَّ وَجَّهَهُ إِلَى مَعْنَى الرُّعُونَةِ وَالْجَهْلِ وَالْخَطَأِ ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَالَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ، فَيَكُونُ لِذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قِرَاءَةَ الْقُرَّاءِ - مَعْنًى مَفْهُومٌ حِينَئِذٍ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ الَّذِي حُكِيَ عَنْ عَطِيَّةَ وَمَنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ : أَنَّ قَوْلَهُ : ( رَاعِنَا ) كَانَتْ كَلِمَةً لِلْيَهُودِ بِمَعْنَى السَّبِّ وَالسُّخْرِيَةِ ، فَاسْتَعْمَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ أَخْذًا مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ : أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ كَلَامًا لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلُونَهُ بَيْنَهُمْ وَفِي خِطَابِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّهَا كَانَتْ كَلِمَةً صَحِيحَةً مَفْهُومَةً مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَافَقَتْ كَلِمَةً مِنْ كَلَامِ الْيَهُودِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، هِيَ عِنْدَ الْيَهُودِ سَبٌّ ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَرَبِ : أَرْعِنِي سَمْعَكَ وَفَرِّغْهُ لِتَفَهَمَ عَنِّي ، فَعَلِمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَعْنَى الْيَهُودِ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهَا مِنْهُمْ خِلَافُ مَعْنَاهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَنَهَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قِيلِهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِئَلَّا يَجْتَرِئَ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَعْنَى الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ، أَنْ يُخَاطِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَمْ يَأْتِ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا وَصَفْنَا ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرَ الْمَفْهُومَ بِالْآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ : ( لَا تَقُولُوا رَاعِنًا ) بِالتَّنْوِينِ ، بِمَعْنَى : لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا ، مِنَ الرُّعُونَةِ وَهِيَ الْحُمْقُ وَالْجَهْلُ . وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لِقُرَّاءِ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفَةٌ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِرَاءَةُ بِهَا لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَخِلَافُهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَمَنْ نَوَّنَ رَاعِنًا نَوَّنَهُ بِقَوْلِهِ : ( لَا تَقُولُوا ) ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَامِلٌ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْهُ فَإِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَحْكِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَاعِنَا ) ، بِمَعْنَى مَسْأَلَتِهِ : إِمَّا أَنْ يُرْعِيَهُمْ سَمْعَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَرْعَاهُمْ وَيَرْقُبَهُمْ - عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا قَدْ مَضَى - فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تَقُولُوا فِي مَسْأَلَتِكُمْ إِيَّاهُ رَاعِنَا .
فَتَكُونُ الدِّلَالَةُ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ فِي رَاعِنَا حِينَئِذٍ سُقُوطَ الْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ فِي يُرَاعِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا - أَعْنِي عَلَى الْيَاءِ السَّاقِطَةِ - كَسْرَةُ الْعَيْنِ مَنْ رَاعِنَا . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( لَا تَقُولُوا رَاعَوْنَا ) ، بِمَعْنَى حِكَايَةِ أَمْرٍ صَالِحَةٍ لِجَمَاعَةٍ بِمُرَاعَاتِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ صَحِيحًا ، وُجِّهَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ كَأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فِي خِطَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، كَانَ خِطَابُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِغَيْرِهِ . وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ صَحِيحًا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ مِنْهُ الْأَخْبَارُ .
يُقَالُ مِنْهُ : نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرْهُ نَظْرَةً بِمَعْنَى انْتَظَرْتُهُ وَرَقَبْتُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ : وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ لِلْخِمْسِ ، طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ سُورَةُ الْحَدِيدِ : 13 ] ، يَعْنِي بِهِ : انْتَظَرُونَا . وَقَدْ قُرِئَ : أَنْظِرْنَا وَ أَنِظْرُونَا بِقَطْعِ الْأَلْفِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ : أَخِّرْنَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [ سُورَةُ ص : 79 ] ، أَيْ أَخِّرْنِي . وَلَا وَجْهَ لِقِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أُمِرُوا بِالدُّنُوِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُ ، وَإِلْطَافِ الْخِطَابِ لَهُ ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ - لَا بِالتَّأَخُّرِ عَنْهُ ، وَلَا بِمَسْأَلَتِهِ تَأْخِيَرَهُمْ عَنْهُ .
فَالصَّوَابُ - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - مِنَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ مَنْ وَصَلَ الْأَلْفَ مِنْ قَوْلِهِ : ( انْظُرْنَا ) ، وَلَمْ يَقْطَعْهَا بِمَعْنَى : انْتَظِرْنَا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ( أَنْظِرْنَا ) بِقِطَعِ الْأَلْفِ بِمَعْنَى : أَمْهِلْنَا . حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ سَمَاعًا : أَنْظِرْنِي أُكَلِّمْكَ ، وَذَكَرَ سَامِعُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَهُ فِي مَعْنَاهُ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْهِلْنِي ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْهُمْ فَانْظُرْنَا وَ أَنْظِرْنَا - بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَوَصْلِهَا - مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا أَسْتُجِيزُ غَيْرَهَا ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَقُولُوا انْظُرْنَا ) ، بِوَصْلِ الْأَلْفِ بِمَعْنَى : انْتَظِرْنَا ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى تَصْوِيبِهَا ، وَرَفْضِهِمْ غَيْرَهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَاسْمَعُوا ) ، وَاسْمَعُوا مَا يُقَالُ لَكُمْ وَيُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ رَبِّكُمْ ، وَعُوهُ وَافْهَمُوهُ ، كَمَا : - 1744 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( وَاسْمَعُوا ) ، اسْمَعُوا مَا يُقَالُ لَكُمْ . فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا لِنَبِيِّكُمْ : رَاعِنَا سَمْعَكَ وَفَرَّغْهُ لَنَا نَفْهَمْكَ وَتَفْهَمْ عَنَّا مَا نَقُولُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : انْتَظِرْنَا وَتَرَقَّبْنَا حَتَّى نَفْهَمَ عَنْكَ مَا تُعَلِّمُنَا وَتُبَيِّنُهُ لَنَا . وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا يَقُولُ لَكُمْ ، فَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ وَافْهَمُوهُ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ لِمَنْ جَحَدَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ آيَاتِهِ ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ ، وَكَذَّبَ رَسُولَهُ ، الْعَذَابَ الْمُوجِعَ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ : وَلِلْكَافِرِينَ بِي وَبِرَسُولِي عَذَابٌ أَلِيمٌ .
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : الْأَلِيمُ ، الْمُوجِعُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الدِّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ .