الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، مُبْدِعُهَا . وَإِنَّمَا هُوَ مُفْعِلٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا صُرِفَ الْمُؤْلِمُ إِلَى أَلِيمٍ ، وَ الْمُسْمِعُ إِلَى سَمِيعٍ . وَمَعْنَى الْمُبْدِعِ : الْمُنْشِئُ وَالْمُحْدِثُ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى إِنْشَاءِ مِثْلِهِ وَإِحْدَاثِهِ أَحَدٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُبْتَدِعُ فِي الدِّينِ مُبْتَدِعًا ، لِإِحْدَاثِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ .
وَكَذَلِكَ كَلُّ مُحْدِثٍ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مُبْتَدِعًا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، فِي مَدْحِ هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ : يُرْعِي إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا أَبْدَوْا لَهُ الْحَزْمَ ، أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا أَيْ يُحْدِثُ مَا شَاءَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ : فَأَيُّهَا الْغَاشِي الْقِذَافَ الْأَتْيَعَا إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ التَّقِيَّ الْأَطْوَعَا فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَقِّ أَنْ تَبَدَّعَا يَعْنِي : أَنْ تُحْدِثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ مَالِكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعًا بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَتُقِرُّ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، وَهُوَ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا ، وَمُوجِدُهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، وَلَا مِثَالٍ احْتَذَاهَا عَلَيْهِ؟ وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عِبَادَهُ ، أَنَّ مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ : الْمَسِيحُ ، الَّذِي أَضَافُوا إِلَى اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بُنُوَّتَهُ ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَعَلَى غَيْرِ مِثَالٍ ، هُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِقُدْرَتِهِ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1858 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَ خَلْقَهَا ، وَلَمْ يُشْرِكْهُ فِي خَلْقِهَا أَحَدٌ .
1859 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَهَا فَخَلَقَهَا ، وَلَمْ يُخْلَقْ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَيَتَمَثَّلَ بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ) ، وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا وَحَتَّمَهُ . وَأَصْلُ كُلِّ قَضَاءِ أَمْرٍ الْإِحْكَامُ ، وَالْفَرَاغُ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْحَاكِمِ بَيْنَ النَّاسِ : الْقَاضِي بَيْنَهُمْ ، لِفَصْلِهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْخُصُومِ ، وَقَطْعِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَرَاغِهِ مِنْهُ بِهِ .
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَيِّتِ : قَدْ قَضَى ، يُرَادُ بِهِ قَدْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَفَصَلَ مِنْهَا . وَمِنْهُ قِيلَ : مَا يَنْقَضِي عَجَبِي مِنْ فُلَانٍ ، يُرَادُ : مَا يَنْقَطِعُ . وَمِنْهُ قِيلَ : تَقَضَّى النَّهَارُ ، إِذَا انْصَرَمَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 23 ] أَيْ : فَصَلَ الْحُكْمَ فِيهِ بَيْنَ عِبَادِهِ ، بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 4 ] ، أَيْ أَعْلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَنَاهُمْ بِهِ ، فَفَرَغْنَا إِلَيْهِمْ مِنْهُ .
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ ، قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ وَيُرْوَى : وَتَعَاوَرَا مَسْرُودَتَيْنِ قَضَاهُمَا وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَضَاهُمَا ، أَحْكَمَهُمَا . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ فِي مَدْحِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تَفَتَّقِ وَيُرْوَى : بَوَائِجَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا فَحَتَّمَهُ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ كُنْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ وَأَرَادَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؟ وَفِي أَيِّ حَالٍ يَقُولُ لِلْأَمْرِ الَّذِي يَقْضِيهِ : كُنْ ؟ أَفِي حَالِ عَدَمِهِ ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَمْرُهُ ، إِذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَأْمُرَ إِلَّا الْمَأْمُورَ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُورُ اسْتَحَالَ الْأَمْرُ ، ; وَكَمَا مُحَالٌ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ آمِرٍ ، فَكَذَلِكَ مُحَالٌ الْأَمْرُ مَنْ آمِرٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، أَمْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ وُجُودِهِ ؟ وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ فِيهَا بِالْحُدُوثِ ، لِأَنَّهُ حَادِثٌ مَوْجُودٌ ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَوْجُودِ : كُنْ مَوْجُودًا إِلَّا بِغَيْرِ مَعْنَى الْأَمْرِ بِحُدُوثِ عَيْنِهِ؟ قِيلَ : قَدْ تَنَازَعَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، وَنَحْنُ مُخْبِرُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ ، وَالْعِلَلِ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ : قَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ - عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ لِمَنْ قَضَى عَلَيْهِ قَضَاءً مَنْ خَلْقِهِ الْمَوْجُودِينَ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ نَفَذَ فِيهِ قَضَاؤُهُ ، وَمَضَى فِيهِ أَمْرُهُ ، نَظِيرُ أَمْرِهِ مَنْ أُمِرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، وَهُمْ مَوْجُودُونَ فِي حَالِ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَحَتْمِ قَضَائِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا قَضَى فِيهِمْ ، وَكَالَّذِي خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ خَلْقِهِ فِي حَالِ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِ . فَوَجَّهَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، إِلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ عَامٌّ ظَاهِرُهَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحِيلَهَا إِلَى بَاطِنٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا .
وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَةٌ لِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ، نَظَائِرَ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَقُولَ لَهَا : كَوْنِي ، وَيَأْمُرَهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِهَا لَهُ ، وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَالِ الْعَدَمِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا ظَاهِرَ عُمُومٍ ، فَتَأْوِيلُهَا الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ . قَالُوا : وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْآيَةُ تَأْوِيلُهَا : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا مِنْ إِحْيَاءِ مَيِّتٍ ، أَوْ إِمَاتَةِ حَيٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِحَيٍّ : كُنْ مَيِّتًا ، أَوْ لِمَيِّتٍ : كُنْ حَيًّا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِ مَا يُنْشِئُهُ وَيُكَوِّنُهُ ، أَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ وَخَلَقَهُ وَأَنْشَأَهُ ، كَانَ وَوُجِدَ - وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ عِنْدَ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، إِلَّا وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَحُدُوثُ الْمَقْضِيِّ - . وَقَالُوا : إِنَّمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ وَ قَالَ بِيَدِهِ ، إِذَا حَرَّكَ رَأَسَهُ ، أَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ : وَقَالَتِ الْأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ الْحَقِ قِدْمًا فَآضَتْ كَالْفَنِيقِ الْمُحْنِقِ وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ . وَكَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ : فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُ إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَالُ لَهُ : قَعِ وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : إِذَا رَامَ طَيَرَانًا وَقَعَ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ : قَطْنِي سَلًّا رُوَيْدًا ، قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ وَبَرَأَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ ظَاهِرُ عُمُومٍ ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إِحَالَةُ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ لَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا : كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - لِشَيْءٍ إِذَا أَرَادَ تَكْوِينَهُ مَوْجُودًا بِقَوْلِهِ : ( كُنْ ) فِي حَالِ إِرَادَتِهِ إِيَّاهُ مُكَوَّنًا ، لَا يَتَقَدَّمُ وُجُودُ الَّذِي أَرَادَ إِيجَادَهُ وَتَكْوِينَهُ ، إِرَادَتَهُ إِيَّاهُ ، وَلَا أَمْرَهُ بِالْكَوْنِ وَالْوُجُودِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ مُرَادًا كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُجُودِ مُرَادٌ كَذَلِكَ! وَنَظِيرُ قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ [ سُورَةُ الرُّومِ : 25 ] بِأَنَّ خُرُوجَ الْقَوْمِ مِنْ قُبُورِهِمْ لَا يَتَقَدَّمُ دُعَاءَ اللَّهِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ . وَيُسْأَلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ اعْتِلَالًا بِأَنَّ أَمْرَ غَيْرِ الْمَوْجُودِ غَيْرُ جَائِزٍ ، عَنْ دَعْوَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، أَمْ بَعْدَهُ؟ أَمْ هِيَ فِي خَاصٍّ مِنَ الْخَلْقِ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ . وَيَسْأَلُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ ، إِذَا حَرَّكَهُ وَأَوْمَأَ ، وَنَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي : : أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - : فَإِنَّهُمْ لَا صَوَابَ اللُّغَةِ أَصَابُوا ، وَلَا كِتَابَ اللَّهِ ، وَمَا دَلَّتْ عَلَى صِحَّتِهِ الْأَدِلَّةُ اتَّبَعُوا - فَيُقَالُ لِقَائِلِي ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا قَالَ لَهُ : كُنْ ، أَفَتُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ ، وَخَرَجُوا مِنَ الْمِلَّةِ .
وَإِنْ قَالُوا : بَلْ نُقِرُّ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ مَيْلِ الْحَائِطِ . قِيلَ لَهُمْ : أَفَتُجِيزُونَ لِلْمُخْبِرِ عَنِ الْحَائِطِ بِالْمَيْلِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا قَوْلُ الْحَائِطِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَمِيلَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا فَيَمِيلُ؟ فَإِنْ أَجَازُوا ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَخَالَفُوا مَنْطِقَهَا وَمَا يُعْرَفُ فِي لِسَانِهَا . وَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّ قَوْلَهُ لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ قَوْلَهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الشَّيْءُ وَوَصَفَهُ وَوَكَّدَهُ . وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعِبَارَةِ عَمَّا لَا كَلَامَ لَهُ وَلَا بَيَانَ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ فَرْقَ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ : قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ ؟ وَلِلْبَيَانِ عَنْ فَسَادِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا نَأْتِي فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ حَالَ أَمْرِهِ الشَّيْءَ بِالْوُجُودِ حَالُ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوُجُودِ ، فَبَيِّنٌ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِقَوْلِهِ : ( فَيَكُونُ ) الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ ( يَقُولُ ) لِأَنَّ الْقَوْلَ وَ الْكَوْنَ حَالُهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : تَابَ فُلَانٌ فَاهْتَدَى ، وَ اهْتَدَى فُلَانٌ فَتَابَ ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَائِبًا إِلَّا وَهُوَ مُهْتَدٍ ، وَلَا مُهْتَدِيًا إِلَّا وَهُوَ تَائِبٌ؛ فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ آمِرًا شَيْئًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ آمِرُهُ بِالْوُجُودِ .
وَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ مَنِ اسْتَجَازَ نَصْبَ فَيَكُونَ مَنْ قَرَأَ : ( ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ﴾) [ النَّحْلِ : 40 ] ، بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا عَلَى مَعْنَى : أَنْ نَقُولَ فَيَكُونَ . وَأَمَّا رَفَعُ مَنْ رَفَعَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ : إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ إِذَا حَتَّمَ قَضَاءَهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْمَحْتُومُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : فَيَكُونُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ، [ سُورَةُ الْحَجِّ : 5 ] وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ : يُعَالِجُ عَاقِرًا أَعْيَتْ عَلَيْهِ لِيُلْقِحَهَا فَيُنْتِجُهَا حُوَارَا يُرِيدُ : فَإِذَا هُوَ يُنْتِجُهَا حُوَارًا .
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ! بَلْ هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا ، كُلُّ ذَلِكَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ بِدِلَالَتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَأَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، كَالَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِمَقْدِرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ! بَلْ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ إِذَا قَضَاهُ فَأَرَادَ تَكْوِينَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا كَمَا أَرَادَهُ وَشَاءَهُ . فَكَذَلِكَ كَانَ ابْتِدَاعُهُ الْمَسِيحَ وَإِنْشَاؤُهُ ، إِذْ أَرَادَ خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ .