الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( وَإِذِ ابْتَلَى ) ، وَإِذِ اخْتَبَرَ . يُقَالُ مِنْهُ : ابْتَلَيْتُ فُلَانَا أَبْتَلِيهِ ابْتِلَاءً ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 6 ] ، يَعْنِي بِهِ : اخْتَبِرُوهُمْ . وَكَانَ اخْتِبَارُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ ، اخْتِبَارًا بِفَرَائِضَ فَرَضَهَا عَلَيْهِ ، وَأَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ .
وَذَلِكَ هُوَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَوْحَاهُنَّ إِلَيْهِ ، وَكَلَّفَهُ الْعَمَلَ بِهِنَّ ، امْتِحَانًا مِنْهُ لَهُ وَاخْتِبَارًا . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ نَبِيَّهُ وَخَلِيلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَهْمًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1907 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ بِهَذَا الدِّينِ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِكَلِمَاتٍ ، فَأَتَمَّهُنَّ . قَالَ : فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ الْبَرَاءَةَ فَقَالَ : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [ سُورَةُ النَّجْمِ : 37 ] . قَالَ : عَشْرٌ مِنْهَا فِي الْأَحْزَابِ ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي بَرَاءَةَ ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي الْمُؤْمِنُونَ وَ سَأَلَ سَائِلٌ ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ ثَلَاثُونَ سَهْمًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1910 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ : ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ : خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ . فِي الرَّأْسِ : قَصُّ الشَّارِبِ ، وَالْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ . وَفِي الْجَسَدِ : تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَالْخِتَانُ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ .
1911 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِمِثْلِهِ - وَلَمْ يَذْكُرْ أَثَرَ الْبَوْلِ . 1912 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ : ابْتَلَاهُ بِالْخِتَانِ ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ ، وَغَسْلِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، وَالسِّوَاكِ ، وَقَصِّ الشَّارِبِ ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ . قَالَ أَبُو هِلَالٍ : وَنَسِيتُ خَصْلَةً .
1913 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ أَبِي الْخَلَدِ قَالَ : ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ بِعَشْرَةِ أَشْيَاءَ ، هُنَّ فِي الْإِنْسَانِ سُنَّةٌ : الِاسْتِنْشَاقُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ، وَالْخِتَانُ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَغَسْلُ الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ عَشْرُ خِلَالٍ ؛ بَعْضُهُنَّ فِي تَطْهِيرِ الْجَسَدِ ، وَبَعْضُهُنَّ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1914 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ ، عَنْ حَنَشٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ : سِتَّةٌ فِي الْإِنْسَانِ ، وَأَرْبَعَةٌ فِي الْمَشَاعِرِ .
فَالَّتِي فِي الْإِنْسَانِ : حَلْقُ الْعَانَةِ ، وَالْخِتَانُ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَأَرْبَعَةٌ فِي الْمَشَاعِرِ : الطَّوَافُ ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالْإِفَاضَةُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ .
قَالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . قَالَ : لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . قَالَ : تَجْعَلُ الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ .
قَالَ : نَعَمْ . [ قَالَ ] : وَأَمْنًا . قَالَ : نَعَمْ .
[ قَالَ ] : وَتَجْعَلُنَا مُسْلِمَيْنَ لَكَ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . قَالَ : نَعَمْ . [ قَالَ ] : وَتُرِينَا مَنَاسِكَنَا وَتَتُوبُ عَلَيْنَا .
قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَتَجْعَلُ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا . قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : وَتَرْزُقُ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ . قَالَ : نَعَمْ . 1918 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
1919 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ، فَعَرَضْتُهُ عَلَى مُجَاهِدٍ فَلَمْ يُنْكِرْهُ . 1920 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَاجْتَمَعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ جَمِيعًا .
1921 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ : ابْتُلِيَ بِالْآيَاتِ الَّتِي بَعْدَهَا : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . 1922 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ، فَالْكَلِمَاتُ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وَقَوْلُهُ : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ، وَقَوْلُهُ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقَوْلُهُ : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الْآيَةَ . قَالَ : فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ .
1923 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ، فَمِنْهُنَّ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وَمِنْهُنَّ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، وَمِنْهُنَّ الْآيَاتُ فِي شَأْنِ النُّسُكِ ، وَالْمَقَامُ الَّذِي جُعِلَ لِإِبْرَاهِيمَ ، وَالرِّزْقُ الَّذِي رُزِقَ سَاكِنُو الْبَيْتِ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1924 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَبْهَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ : مَنَاسِكُ الْحَجِّ .
1928 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ : مَنَاسِكُ الْحَجِّ . 1929 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ : مِنْهُنَّ مَنَاسِكُ الْحَجِّ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ أُمُورٌ ، مِنْهُنَّ الْخِتَانُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْخِلَالُ السِّتُّ : الْكَوْكَبُ ، وَالْقَمَرُ ، وَالشَّمْسُ ، وَالنَّارُ ، وَالْهِجْرَةُ ، وَالْخِتَانُ ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1933 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ . قَالَ : ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ ، فَرَضِيَ عَنْهُ ؛ وَابْتَلَاهُ بِالْقَمَرِ ، فَرَضِيَ عَنْهُ ؛ وَابْتَلَاهُ بِالشَّمْسِ ، فَرَضِيَ عَنْهُ ؛ وَابْتَلَاهُ بِالنَّارِ ، فَرَضِيَ عَنْهُ ؛ وَابْتَلَاهُ بِالْهِجْرَةِ ، وَابْتَلَاهُ بِالْخِتَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1937 - حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : الْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 127 - 129 ] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ اخْتَبَرَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ بِكَلِمَاتٍ أَوْحَاهُنَّ إِلَيْهِ ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ فَأَتَمَّهُنَّ ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي تَأْوِيلِ الْكَلِمَاتِ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ بَعْضَهُ . لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ امْتُحِنَ فِيمَا بَلَغَنَا بِكُلِّ ذَلِكَ ، فَعَمِلَ بِهِ ، وَقَامَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : عَنَى اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ دُونَ شَيْءٍ ، وَلَا عَنَى بِهِ كُلَّ ذَلِكَ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا : مِنْ خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ إِجْمَاعٍ مِنَ الْحُجَّةِ . وَلَمْ يَصِحَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الرَّسُولِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ ، وَلَا بِنَقْلِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لِمَا نَقَلَتْهُ . غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَظِيرِ مَعْنَى ذَلِكَ خَبَرَانِ ، لَوْ ثَبَتَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، كَانَ الْقَوْلُ بِهِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ .
أَحَدُهُمَا ، مَا : - 1938 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ : ( الَّذِي وَفَّى ) ؟ [ سُورَةُ النَّجْمِ : 37 ] لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَكُلَّمَا أَمْسَى : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [ سُورَةُ الرُّومِ : 17 ] حَتَّى يَخْتِمَ الْآيَةَ . وَالْآخَرُ مِنْهُمَا مَا : - 1939 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَلَوْ كَانَ خَبَرُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ صَحِيحًا سَنَدُهُ ، كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ فَقَامَ بِهِنَّ ، هُوَ قَوْلُهُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ١٧ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ - أَوْ كَانَ خَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ عُدُولًا نَقَلَتُهُ ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أُوحِينَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَابْتُلِيَ بِالْعَمَلِ بِهِنَّ : أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ .
غَيْرَ أَنَّهُمَا خَبَرَانِ فِي أَسَانِيدِهِمَا نَظَرٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ ، مَا بَيَّنَّا آنِفًا . وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُمْ ، كَانَ مَذْهَبًا .
لِأَنَّ قَوْلَهُ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وَقَوْلَهُ : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَسَائِرَ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ ، كَالْبَيَانِ عَنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : فَأَتَمَّهُنَّ ، فَأَتَمَّ إِبْرَاهِيمُ الْكَلِمَاتِ . وَإِتْمَامُهُ إِيَّاهُنَّ إِكْمَالُهُ إِيَّاهُنَّ ، بِالْقِيَامِ لِلَّهِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ ، وَهُوَ الْوَفَاءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [ سُورَةُ النَّجْمِ : 37 ] ، يَعْنِي وَفَّى بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ بِالْكَلِمَاتِ ، بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَمِحْنَتِهِ فِيهَا ، كَمَا : - 1940 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَأَتَمَّهُنَّ ، أَيْ فَأَدَّاهُنَّ .
يُقَالُ مِنْهُ : أَمَمْتُ الْقَوْمَ فَأَنَا أَؤُمُّهُمْ أَمًّا وَإِمَامَةً ، إِذَا كُنْتُ إِمَامَهُمْ . وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ لِإِبْرَاهِيمَ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، إِنِّي مُصَيِّرُكَ تَؤُمُّ مَنْ بَعْدَكَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِي وَبِرُسُلِي ، تَتَقَدَّمُهُمْ أَنْتَ ، وَيَتَّبِعُونَ هَدْيَكَ ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكَ الَّتِي تَعْمَلُ بِهَا ، بِأَمْرِي إِيَّاكَ وَوَحْيِي إِلَيْكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ - لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ مَنْزِلَتَهُ وَكَرَّمَهُ ، فَأَعْلَمَهُ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ ، مِنْ تَصْيِيرِهِ إِمَامًا فِي الْخَيْرَاتِ لِمَنْ فِي عَصْرِهِ ، وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ ، يُهْتَدَى بِهَدْيهِ وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ - : يَا رَبِّ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فَاجْعَلْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ ، كَالَّذِي جَعَلَتْنِي إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِي وَيُقْتَدَى بِي .
مَسْأَلَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ سَأَلَهُ إِيَّاهَا ، كَمَا : - 1944 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، يَقُولُ : فَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، مَسْأَلَةٌ مِنْهُ رَبَّهُ لِعَقِبِهِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى عَهْدِهِ وَدِينِهِ ، كَمَا قَالَ : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 35 ] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي عَقِبِهِ الظَّالِمَ الْمُخَالِفَ لَهُ فِي دِينِهِ ، بِقَوْلِهِ : لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وَالظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ .
لِأَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، فِي إِثْرِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا . فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ لِذُرِّيَّتِهِ ، لَوْ كَانَ غَيْرَ الَّذِي أَخْبَرَ رَبُّهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، لَكَانَ مُبَيَّنًا . وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا جَرَى ذِكْرُهُ ، اكْتَفَى بِالذِّكْرِ الَّذِي قَدْ مَضَى ، مِنْ تَكْرِيرِهِ وَإِعَادَتِهِ ، فَقَالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، بِمَعْنَى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فَاجْعَلْ مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَنِي بِهِ ، مِنَ الْإِمَامَةِ لِلنَّاسِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَكُونُ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْخَيْرِ . وَهُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَوَابٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً مِثْلَهُ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ ، إِلَّا بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُصَيِّرِهِ كَذَلِكَ ، وَلَا جَاعِلِهِ فِي مَحَلِّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ ، بِالتَّكْرِمَةِ بِالْإِمَامَةِ .
لِأَنَّ الْإِمَامَةَ إِنَّمَا هِيَ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ ، دُونَ أَعْدَائِهِ وَالْكَافِرِينَ بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعَهْدِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الظَّالِمِينَ أَنْ يَنَالُوهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ الْعَهْدُ هُوَ النُّبُوَّةُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1945 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ، يَقُولُ : عَهْدِي ، نُبُوَّتِي . فَمَعْنَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ : لَا يَنَالُ النُّبُوَّةَ أَهْلُ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْعَهْدِ : عَهْدُ الْإِمَامَةِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ : لَا أَجْعَلُ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بِأَسْرِهِمْ ظَالِمًا ، إِمَامًا لِعِبَادِي يُقْتَدَى بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1946 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمًا . 1947 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قَالَ اللَّهُ : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمًا .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَمَّا عَطَاءٌ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمًا إِمَامًا . قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا عَهْدُهُ ؟ قَالَ : أَمْرُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهُ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظَالِمٍ أَنْ تُطِيعَهُ فِي ظُلْمِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْعَهْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْأَمَانُ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ : قَالَ اللَّهُ : لَا يَنَالُ أَمَانِي أَعْدَائِي ، وَأَهْلُ الظُّلْمِ لِعِبَادِي . أَيْ : لَا أُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِي فِي الْآخِرَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1957 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ذَلِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ظَالِمٌ ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا ، فَقَدْ نَالُوا عَهْدَ اللَّهِ ، فَوَارَثُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَغَازَوْهُمْ وَنَاكَحُوهُمْ بِهِ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَكَرَامَتَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ . 1958 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَنَالُ عَهْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الظَّالِمُونَ ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظَّالِمُ ، وَأَكَلَ بِهِ وَعَاشَ .
1959 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَنَالُ عَهْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الظَّالِمُونَ . فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظَّالِمُ فَأَمِنَ بِهِ ، وَأَكَلَ وَأَبْصَرَ وَعَاشَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : دِينُ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1960 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ : لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَقَالَ : فَعَهْدُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَى عِبَادِهِ ، دِينُهُ . يَقُولُ : لَا يَنَالُ دِينُهُ الظَّالِمِينَ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 113 ] ، يَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ ذُرِّيَّتِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْحَقِّ .
1961 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : لَا يَنَالُ عَهْدِي عَدُوٌّ لِي يَعْصِينِي ، وَلَا أَنْحَلُهَا إِلَّا وَلِيًّا لِي يُطِيعُنِي . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْكَلَامُ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ ظَاهِرَ خَبَرٍ عَنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ مَنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عَهْدُ اللَّهِ - الَّذِي هُوَ النُّبُوَّةُ وَالْإِمَامَةُ لِأَهْلِ الْخَيْرِ ، بِمَعْنَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْعَهْدُ الَّذِي بِالْوَفَاءِ بِهِ يَنْجُو فِي الْآخِرَةِ ، مَنْ وَفَّى لِلَّهِ بِهِ فِي الدُّنْيَا - مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا مُتَعَدِّيًا جَائِرًا عَنْ قَصْدِ سَبِيلِ الْحَقِّ . فَهُوَ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرَهُ لِإِبْرَاهِيمَ : أَنَّ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يُشْرِكُ بِهِ ، وَيَجُورُ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ ، وَيَظْلِمُ نَفْسَهُ وَعِبَادَهُ ، كَالَّذِي : - 1962 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي ذُرِّيَّتِكَ ظَالِمُونَ وَأَمَّا نَصْبُ الظَّالِمِينَ ، فَلِأَنَّ الْعَهْدَ هُوَ الَّذِي لَا يَنَالُ الظَّالِمِينَ .
وَذُكِرَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ ، بِمَعْنَى : أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَنَالُونَ عَهْدَ اللَّهِ . وَإِنَّمَا جَازُ الرَّفْعُ فِي الظَّالِمِينَ وَالنَّصْبُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَهْدِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا نَالَ الْمَرْءَ فَقَدْ نَالَهُ الْمَرْءُ ، كَمَا يُقَالُ : نَالَنِي خَيْرُ فَلَانٍ ، وَنِلْتُ خَيْرَهُ ، فَيُوَجِّهُ الْفِعْلَ مَرَّةً إِلَى الْخَيْرِ وَمَرَّةً إِلَى نَفْسِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ .