حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ، وَاذْكُرُوا إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ بَلَدًا آمِنًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : آمِنًا : آمِنًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَغَيْرِهِمْ ، أَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِ ، وَمِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ أَنْ تَنَالَهُ ، كَمَا تَنَالُ سَائِرَ الْبُلْدَانِ ، مَنْ خَسْفٍ ، وَائْتِفَاكٍ ، وَغَرَقٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَثُلَاتِهِ الَّتِي تُصِيبُ سَائِرَ الْبِلَادِ غَيْرَهُ ، كَمَا : 2026 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَرَمَ حُرِّمَ بِحِيَالِهِ إِلَى الْعَرْشِ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْتَ هَبَطَ مَعَ آدَمَ حِينَ هَبَطَ .

قَالَ اللَّهُ لَهُ : أَهْبِطُ مَعَكَ بَيْتِي يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي . فَطَافَ حَوْلَهُ آدَمُ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ الطُّوفَانِ - حِينَ أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ - رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ . فَتَتَبَّعَ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ أَثَرًا ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَهُ .

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ الْحَرَمُ آمِنًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ لَهُ الْأَمَانَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَزَلِ الْحَرَمُ آمِنًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، مُنْذُ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : - 2027 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ : لَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا .

أَلَا وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَلَمْ تُحَلَّ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ ، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا . أَلَا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالْأَمْسِ . أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلَ بِهَا! فَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكَ .

2028 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - جَمِيعًا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَكَّةَ حِينَ افْتَتَحَهَا : هَذِهِ حَرَمٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَوَضَعَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أُحِلَتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ . قَالُوا : فَمَكَّةُ مُنْذُ خُلِقَتْ حَرَمٌ آمِنٌ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .

قَالُوا : وَلَمْ يَسْأَلْ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُؤْمِّنَ أَهْلَهُ مِنَ الْجَدُوبِ والْقُحُوطِ ، وَأَنْ يَرْزُقَ سَاكِنَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، كَمَا أَخْبَرَ رَبُّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالُوا : وَإِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْكَنَ فِيهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَهُوَ غَيْرُ ذِي زَرْعٍ وَلَا ضَرْعٍ ، فَاسْتَعَاذَ رَبَّهُ مِنْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِهَا جُوعًا وَعَطَشًا ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ مِمَّا حَذِرَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ . قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ رَبَّهُ تَحْرِيمَ الْحَرَمِ ، وَأَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ - حِينَ حَلَّهُ ، وَنَزَلَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] ؟ قَالُوا : فَلَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ الْحَرَمَ أَوْ سَأَلَ رَبَّهُ تَحْرِيمَهُ لَمَا قَالَ : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ قَبْلَهُ ، وَحُرِّمَ بَعْدَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الْحَرَمُ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ كَسَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا صَارَ حَرَامًا بِتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ إِيَّاهُ ، كَمَا كَانَتْ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا قَبْلَ تَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا .

2029
حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ بَيْتَ اللَّهِ وَأَمَّنَهُ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، لَا يُصَادُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُقْطَعُ عِضَاهُهَا .
2030
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا [ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِي ، [ قَالَا جَمِيعًا ] : سَمِعْنَا أَشْعَثَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عبدَ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ ، وَإِنِّي عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، عِضَاهَهَا وَصَيْدَهَا ، وَلَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ إِلَّا لِعَلَفِ بَعِيرٍ .
2031
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِعَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا .

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ ، الْأَمَانُ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . قَالُوا : وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَخَبَرَانِ لَا تَثْبُتُ بِهِمَا حُجَّةٌ ، لِمَا فِي أَسَانِيدِهِمَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهَا مِنْ أَجْلِهَا .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ مَكَّةَ حَرَمًا حِينَ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، بِغَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ ، وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ ، وَعَنْ سَاكِنِيهَا ، مَا أَحَلَّ بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ سَاكِنِيهَا مِنَ النَّقَمَاتِ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرُهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ، وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْلَهُ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ . فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ تَحْرِيمِهَا عَلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَسْتَنُّونَ بِهِ فِيهَا ، إِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِلُهُ ، لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ ، فَأَجَابَهُ رَبُّهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ ، وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ حِينَئِذٍ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ ، فَصَارَتْ مَكَّةُ - بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً بِمَنْعِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، بِغَيْرِ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ ، وَمُحَرَّمَةً بِدَفْعِ اللَّهِ عَنْهَا ، بِغَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ - فَرْضٌ تَحْرِيمُهَا عَلَى خَلْقِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَوَاجِبٌ عَلَى عِبَادِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ اسْتِحْلَالِهَا ، وَاسْتِحْلَالِ صَيْدِهَا وَعِضَاهِهَا لَهَا بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إِبْرَاهِيمَ رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ .

فَلِذَلِكَ أُضِيفَ تَحْرِيمُهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ . لِأَنَّ فَرْضَ تَحْرِيمِهَا الَّذِي أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ بِهِ - دُونَ التَّحْرِيمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبَّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِلَاءَةِ وَالْحِفْظِ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ - كَانَ عَنْ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ ، [ وَهُوَ الَّذِي ] لَزِمَ الْعِبَادَ فَرْضُهُ دُونَ غَيْرِهِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّةُ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ - أَعْنِي خَبَرَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ - وَخَبَرَ جَابِرٍ وَأَبَى هُرَيْرَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ؛ وَأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَافِعًا صِحَّةَ مَعْنَى الْآخَرِ ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ .

وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا دَافِعًا بَعْضًا ، إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا . وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ . وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] فَإِنَّهُ ، إِنْ يَكُنْ قَالَهُ قَبْلَ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إِيَّاهُ وَكِلَاءَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ لَهُمْ بِذَلِكَ - وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَلَا مَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ : أَنْ يَرْزُقَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، دُونَ كَافِرِيهِمْ . وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ ، لِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ - أَنَّ مِنْهُمُ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يَنَالُ عَهْدُهُ ، وَالظَّالِمَ الَّذِي لَا يُدْرِكُ وِلَايَتَهُ . فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ ، خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ ، الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ دُونَ الْكَافِرِ .

وَقَالَ اللَّهُ لَهُ : إِنِّي قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكَ ، وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ كَافِرَهُمْ ، فَأُمَتِّعُهُ بِهِ قَلِيلًا . وَأَمَّا مَنْ مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَإِنَّهُ نَصْبٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالْبَيَانِ عَنِ الْأَهْلِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 217 ] ، بِمَعْنَى : يَسْأَلُونَكَ عَنْ قِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] : بِمَعْنَى : وَلِلَّهِ حَجُّ الْبَيْتِ عَلَى مَنِ سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . وَإِنَّمَا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا أَهْلٍ ، فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ ثَمَرًا ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ .

فَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبَّهُ ، نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ . 2032 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، نَقْلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَفِي وَجْهِ قِرَاءَتِهِ .

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ : قَالَ : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا بِرِزْقِي مِنَ الثَّمَرَاتِ فِي الدُّنْيَا ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ . وَقَرَأَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ذَلِكَ : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ، بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْعَيْنِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2033 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ، قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ .

2034 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَعَدَلَ الدَّعْوَةَ عَمَّنْ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْوِلَايَةَ ، انْقِطَاعًا إِلَى اللَّهِ ، وَمَحَبَّةً وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْهُمْ ظَالِمٌ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ، بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّهُ : وَمَنْ كَفَرَ - فَإِنِّي أَرْزُقُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ - فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ الْكَافِرَ أَيْضًا مِنَ الثَّمَرَاتِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ ، مِثْلَ الَّذِي يَرْزُقُ بِهِ الْمُؤْمِنَ وَيُمَتِّعَهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا ثُمَّ اضْطَرَّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ - بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ ، وَفَتْحِ الرَّاءِ مِنِ اضْطَرَّهُ ، وَفَصْلِ ثُمَّ اضْطَرَّهُ بِغَيْرِ قَطْعِ أَلِفِهَا - عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2035 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : ذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا .

2036 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ، يَقُولُ : وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقُهُ أَيْضًا ، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَالتَّأْوِيلِ ، مَا قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقِرَاءَتُهُ ، لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ دِرَايَةً بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ ، عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ .

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قَالَ اللَّهُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ ، وَرَزَقْتُ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَكُفَّارَهُمْ ، مَتَاعًا لَهُمْ إِلَى بُلُوغِ آجَالِهِمْ ، ثُمَّ أَضْطَرُّ كُفَّارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا يَعْنِي : فَأَجْعَلُ مَا أَرْزُقُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ مَتَاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ إِلَى وَقْتِ مَمَاتِهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْقِ الثَّمَرَاتِ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ .

فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَابَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ لَا فِي غَيْرِهِ . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : فَأُمَتِّعُهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا .

وَقَالَ غَيْرُهُ : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فِي كُفْرِهِ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ ، حَتَّى أَبْعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلَهُ ، إِنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ، أَوْ يُجْلِيَهُ عَنْهَا . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ ، فَإِنَّ دَلِيلَ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِهِ ، لِمَا وَصَفْنَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ، ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَسُوقُهُ إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ سُورَةُ الطُّورِ : 13 ] .

وَمَعْنَى الِاضْطِرَارِ ، الْإِكْرَاهُ . يُقَالُ : اضْطَرَرْتُ فَلَانَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ ، إِذَا أَلْجَأْتَهُ إِلَيْهِ وَحَمَلْتَهُ عَلَيْهِ . فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ، أَدْفَعُهُ إِلَيْهَا وَأَسُوقُهُ ، سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهِهِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ بِئْسَ أَصْلُهُ بِئِسَ مِنَ الْبُؤْسِ سُكِّنَ ثَانِيهِ ، وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ثَانِيهِ إِلَى أَوَّلِهِ ، كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْدٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَسَاءَ الْمَصِيرُ عَذَابُ النَّارِ ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتُهُمْ فِيهَا . وَأَمَّا الْمَصِيرُ ، فَإِنَّهُ مَفعِلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : صِرْتُ مَصِيرًا صَالِحًا ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 1261 قراءة

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    إِبْرَاهِيمَ قرأ هشام جميع ما في هذه السورة بفتح الهاء وألف بعدها . واختلف عن ابن ذكوان في هذه السورة فقط فله وجهان : الأول كهشام والثاني بكسر الهاء وياء بعدها كقراءة الباقين . فَأَتَمَّهُنَّ لحمزة فيه التحقيق والتسهيل ووقف عليه يعقوب بهاء السكت قولا واحدا . عَهْدِي الظَّالِمِينَ قرأ حفص وحمزة بإسكان الياء مع حذفها لالتقاء الساكنين . والباقون بفتحها . وَاتَّخِذُوا قرأ نافع والشامي بفتح الخاء ، والباقون بكسرها . مُصَلًّى غلظ ورش اللام وصلا فإذا وقف فله التغليظ مع الفتح والترقيق مع التقليل ، والأول أرجح . طَهِّرَا رقق ورش الراء . بَيْتِيَ قرأ نافع وأبو جعفر وهشام وحفص بفتح الياء ، والباقون بإسكانها ولا يخفى أن هذا في حال الوصل ، وأما في حال الوقف فكلهم بالإسكان . فَأُمَتِّعُهُ قرأ الشامي بإسكان الميم وتخفيف التاء ، والباقون بفتح الميم وتشديد التاء . وَأَرِنَا قرأ المكي والسوسي ويعقوب بإسكان الراء ، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها أي اختلاسها ، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل . فِيهِمْ و يُزَكِّيهِمْ و عَلَيْهِمْ قرأ يعقوب بضم الهاء في الثلاثة في الحالين ، ووافقه حمزة في الثالث في الحالين كذلك . وَوَصَّى قرأ المدنيان والشامي بهمزة مفتوحة صورتها ألف بين الواوين مع تخفيف الصاد ، والباقون بحذف الهمزة مع تشديد الصاد . شُهَدَاءَ إِذْ أجمع القراء على تحقيق الهمزة الأولى من الهمزتين المختلفتين في الحركة إذا وقعتا في كلمتين ، واختلفوا في الثانية منهما فذهب البعض إلى تحقيقها وذهب البعض إلى تغييرها ولها صور خمسة ، وهذه إحدى صورها ، وسنتكلم على حكم كل صورة في موضعها إن شاء الله تعالى . أما حكم هذه الصورة فذهب المدنيان والمكي والبصري ورويس إلى تسهيلها بينها وبين الياء ، وذهب الباقون إلى تحقيقها . قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الآية . لا يخفى ما فيها من قراءة نافع في لفظ النَّبِيُّونَ ، وفيها لورش أربعة أوجه : قصر البدل في آمَنَّا و أُوتِيَ معا و النَّبِيُّونَ وعليه فتح ذات الياء وتوسط البدل فيما ذكر وعليه التقليل ومد البدل وعليه الفتح والتقليل . وَهُوَ معا أسكن الهاء قالون والبصري وعلي وأبو جعفر ، وضمه

موقع حَـدِيث