الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ، سَيَقُولُ الْجُهَّالُ مِنَ النَّاسِ ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَأَهْلُ النِّفَاقِ . وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سُفَهَاءَ ، لِأَنَّهُمْ سَفِهُوا الْحَقَّ . فَتَجَاهَلَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ ، وَتَعَاظَمَتْ جُهَّالُهُمْ وَأَهْلُ الْغَبَاءِ مِنْهُمْ ، عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَتَحَيَّرَ الْمُنَافِقُونَ فَتَبَلَّدُوا .
وَبِمَا قُلْنَا فِي السُّفَهَاءِ - أَنَّهُمْ هُمُ الْيَهُودُ وَأَهْلُ النِّفَاقِ - قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ : 2142 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ قَالَ : الْيَهُودُ تَقُولُهُ ، حِينَ تَرَكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . 2143 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : السُّفَهَاءُ ، الْمُنَافِقُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 2148 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : نَزَلَتْ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ، فِي الْمُنَافِقِينَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا وَلَّاهُمْ : أَيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ ؟ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : وَلَّانِي فُلَانٌ دُبُرَهُ ، إِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْهُ وَاسْتَدْبَرَهُ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا وَلَّاهُمْ ؟ أَيُّ شَيْءٍ حَوَّلَ وُجُوهَهُمْ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : عَنْ قِبْلَتِهِمْ ، فَإِنَّ قِبْلَةَ كُلِّ شَيْءٍ : مَا قَابَلَ وَجْهَهُ . وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْسَةِ وَالْقِعْدَةِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ . قَابَلْتُ فُلَانًا ، إِذَا صِرْتُ قُبَالَتَهُ أُقَابِلُهُ ، فَهُوَ لِي قِبْلَةٌ وَأَنَا لَهُ قِبْلَةٌ ، إِذَا قَابَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَجْهِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا - إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ - : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ لَكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، - إِذَا حَوَّلْتُمْ وُجُوهَكُمْ عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ الَّتِي كَانَتْ لَكُمْ قِبْلَةً قَبْلَ أَمْرِي إِيَّاكُمْ بِتَحْوِيلِ وُجُوهِكُمْ عَنْهَا شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - : أَيُّ شَيْءٍ حَوَّلَ وُجُوهَ هَؤُلَاءِ ، فَصَرَفَهَا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَهُ بِوُجُوهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ ؟ فَأَعْلَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ قَائِلُونَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ تَحْوِيلِ قِبْلَتِهِ وَقِبْلَةِ أَصْحَابِهِ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَعَلَّمَهُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَوَابِ . فَقَالَ لَهُ : إِذَا قَالُوا ذَلِكَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَقُلْ لَهُمْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةً سَنَذْكُرُ مَبْلَغَهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى صَرْفَ قِبْلَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَأَخْبَرَهُ عَمَّا الْيَهُودُ قَائِلُوهُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ صَرْفِهِ وَجْهَهُ وَوَجْهَ أَصْحَابِهِ شَطْرَهُ ، وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَوَابِ . ذِكْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَمَا كَانَ سَبَبُ صِلَاتِهِ نَحْوَهُ ؟ وَمَا الَّذِي دَعَا الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى قِيلِ مَا قَالُوا عِنْدَ تَحْوِيلِ اللَّهِ قِبْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 2149 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ - شَكَّ مُحَمَّدٌ - ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْكَعْبَةِ - وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ ، عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ - أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ ، وقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ - هَكَذَا قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ ، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ - وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ [ أَبِي ] الْحَقِيقِ ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ ؟ ارْجِعْ إِلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتْبَعْكَ وَنُصَدِّقْكَ! وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا إِلَى قَوْلِهِ : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . 2150 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ الْبَرَاءُ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْكَعْبَةِ . قَالَ : فَبَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ ، فَمَرَّ بِنَا مَارٌّ فَقَالَ : أَلَا هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ ؟ قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ إِلَى هَاهُنَا ، وَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ إِلَى هَاهُنَا - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : فَقِيلَ لَهُ : فِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ ؟ فَسَكَتَ .
فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رُكُوعٌ فَقَالَ : أَشْهَدُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قِبَلَ مَكَّةَ . فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ . وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ .
وَكَانَ الْيَهُودُ أَعْجَبَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ . 2154 - حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 2155 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ الْكَاتِبُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ .
فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ السُّفَهَاءُ : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 2156 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا . 2157 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ الْأَنْصَارَ صَلَّتِ الْقِبْلَةَ الْأَوْلَى ، قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ حِجَجٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْقِبْلَةَ الْأُولَى بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ يُحَدِّثُ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدٍ . ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَجْلِهِ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْكَعْبَةِ . اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2158 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ أَبُو تُمَيْلَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ - وَعَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ - وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا : أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَقْبِلُ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهِيَ قِبْلَةُ الْيَهُودِ ، فَاسْتَقْبَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، لِيُؤْمِنُوا بِهِ وَيَتَّبِعُوهُ ، وَيَدْعُوَ بِذَلِكَ الْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ . فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 115 ] .
2159 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ، يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . قَالَ الرَّبِيعُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُيِّرَ أَنْ يُوَجِّهَ وَجْهَهُ حَيْثُ شَاءَ ، فَاخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِكَيْ يَتَأَلَّفَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، فَكَانَتْ قِبْلَتَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ فِعْلُ ذَلِكَ - مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِه - بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ عَلَيْهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2160 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ [ أَكْثَرَ ] أَهْلِهَا الْيَهُودُ ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . فَفَرِحْتِ الْيَهُودُ .
فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 144 ] الْآيَةَ . فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَقَالُوا : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ .
2161 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَصَلَّتِ الْأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ قُدُومِهِ ثَلَاثَ حِجَجٍ : وَصَلَّى بَعْدَ قُدُومِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَلَّاهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ . ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ مَنْ قَالَ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ .
فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا مَا : - 2162 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا لَهُ : ارْجِعْ إِلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ! يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : مَا ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ الَّذِي مَضَى قَبْلُ .
2163 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ قَالَ : صَلَّتِ الْأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَوْلَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا ، نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدَسِ ، سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ . فَقَالَ فِي ذَلِكَ قَائِلُونَ مِنَ النَّاسِ : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ لَقَدِ اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى مَوْلِدِهِ! فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَقِيلَ : قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْمُنَافِقُونَ .
وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً بِالْإِسْلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2164 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَكَانُوا أَصْنَافًا . فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا بَالُهُمْ كَانُوا عَلَى قِبْلَةٍ زَمَانًا ، ثُمَّ تَرَكُوهَا وَتَوَجَّهُوا إِلَى غَيْرِهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْمُنَافِقِينَ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ، الْآيَةَ كُلَّهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : مَا وَلَّاكُمْ عَنْ قِبْلَتِكُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، الَّتِي كُنْتُمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَى شَطْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ - : لِلَّهِ مُلْكُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَعْنِي بِذَلِكَ : مُلْكَ مَا بَيْنَ قُطْرَيْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ ، وَقُطْرَيْ مَغْرِبِهَا ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَالَمِ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ، فَيُسَدِّدُهُ ، وَيُوَفِّقُهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ - وَيَعْنِي بِذَلِكَ : إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا - وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ ، فَيُضِلُّهُ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ : إِنَّ اللَّهَ هَدَانَا بِالتَّوَجُّهِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِقِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَضَلَّكُمْ - أَيُّهَا الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ وَجَمَاعَةُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ - فَخَذَلَكُمْ عَمَّا هَدَانَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ .