الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : لِكُلِّ صَاحِبِ مِلَّةٍ . 2277 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا قَالَ : لِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ ، وَلِلنَّصَارَى قِبْلَةٌ ، وَلَكُمْ قِبْلَةٌ . يُرِيدُ الْمُسْلِمِينَ .
2278 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْأَدْيَانِ : يَقُولُ : لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَهَا ، وَوَجْهُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ حَيْثُ تَوَجَّهَ الْمُؤْمِنُونَ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 115 ] 2279 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ، يَقُولُ : لِكُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةٌ قَدْ وَلَّوْهَا . فَتَأْوِيلُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ قِبْلَةٌ هُوَ مُسْتَقْبِلُهَا ، وَمُوَلٍّ وَجْهَهُ إِلَيْهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 2280 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا قَالَ : هِيَ صَلَاتُهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَصِلَاتُهُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ . وَتَأْوِيلُ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : وَلِكُلِّ نَاحِيَةٍ وَجَّهَكَ إِلَيْهَا رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ قِبْلَةٌ ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوَلِّيهَا عِبَادَهُ . وَأَمَّا الوِجْهَةُ ، فَإِنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ الْقِعْدَةِ وَ الْمِشْيَةِ ، مِنَ التَّوَجُّهِ .
2287 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . وَمَعْنَى التَّوْلِيَةِ هَاهُنَا الْإِقْبَالُ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ : انْصَرِفْ إِلَيَّ بِمَعْنَى : أَقْبِلْ إِلَيَّ . وَالِانْصِرَافُ الْمُسْتَعْمَلُ ، إِنَّمَا هُوَ الِانْصِرَافُ عَنِ الشَّيْءِ ، ثُمَّ يُقَالُ : انْصَرَفَ إِلَى الشَّيْءِ ، بِمَعْنَى : أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُنْصَرِفًا عَنْ غَيْرِهِ .
وَكَذَلِكَ يُقَالُ : وَلَّيْتُ عَنْهُ ، إِذَا أَدْبَرْتَ عَنْهُ . ثُمَّ يُقَالُ : وَلَّيْتُ إِلَيْهِ ، بِمَعْنَى أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ مُوَلِّيًا عَنْ غَيْرِهِ . وَالْفِعْلُ - أَعْنِي التَّوْلِيَةَ - فِي قَوْلِهِ : هُوَ مُوَلِّيهَا لِلْ كُلِّ .
وَ هُوَ الَّتِي مَعَ مُوَلِّيهَا ، هُوَ الْكُلُّ ، وُحِّدَتْ لِلَفْظِ الْكُلِّ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ ، الْكُلُّ مِنْهُمْ مُوَلُّوهَا وُجُوهَهُمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَرَأُوهَا : هُوَ مُولَاهَا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوَجَّهٌ نَحْوَهَا .
وَيَكُونُ الْكُلُّ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُسَمًّى فَاعِلُهُ ، وَلَوْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ ، لَكَانَ الْكَلَامُ : وَلِكُلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهَةٌ ، اللَّهُ مُوَلِّيهِ إِيَّاهَا ، بِمَعْنَى : مُوَجِّهُهُ إِلَيْهَا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ . وَذَلِكَ لَحْنٌ ، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ .
لِأَنَّ ذَلِكَ - إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ - كَانَ الْخَبَرُ غَيْرَ تَامٍّ ، وَكَانَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ . وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ، بِمَعْنَى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ وَقِبْلَةٌ ، ذَلِكَ الْكُلُّ مُوَلٍّ وَجْهَهُ نَحْوَهَا .
لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَتَصْوِيبِهَا إِيَّاهَا ، وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ . وَمَا جَاءَ بِهِ النَّقْلُ مُسْتَفِيضًا فَحُجَّةٌ ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْحُجَّةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَاسْتَبِقُوا ، فَبَادِرُوا وَسَارِعُوا ، مِنَ الِاسْتِبَاقِ ، وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ وَالْإِسْرَاعُ ، كَمَا : - 2288 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ، يَقُولُ : فَسَارِعُوا فِي الْخَيْرَاتِ .
2291 م - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ، يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا حَضَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَالتَّزَوُّدِ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمُ : اسْتَبِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ رَبِّكُمْ ، وَلُزُومِ مَا هَدَاكُمْ لَهُ مِنْ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَأْتِي بِكُمْ وَبِمَنْ خَالَفَ قِبْلَتَكُمْ وَدِينَكُمْ وَشَرِيعَتَكُمْ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ ، حَتَّى يُوَفِّيَ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ جَزَاءَهُ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ عِقَابَهُ بِإِسَاءَتِهِ ، أَوْ يَتَفَضَّلَ فَيَصْفَحَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَعْنِي : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جَمْعِكُمْ - بَعْدَ مَمَاتِكُمْ - مِنْ قُبُورِكُمْ إِلَيْهِ ، مِنْ حَيْثُ كُنْتُمْ وَكَانَتْ قُبُورُكُمْ وَعَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشَاءُ ، قَدِيرٌ .
فَبَادِرُوا خُرُوجَ أَنْفُسِكُمْ بِالصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ لِيَوْمِ بَعْثِكُمْ وَحَشْرِكُمْ .