الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ ، هَؤُلَاءِ الصَّابِرُونَ ، الَّذِينَ وَصَفَهُمْ وَنَعَتَهُمْ - عَلَيْهِمْ ، يَعْنِي : لَهُمْ ، صَلَوَاتٌ ، يَعْنِي : مَغْفِرَةٌ . وَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، غُفْرَانُهُ لِعِبَادِهِ ، كَالَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : 2328 - اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى . يَعْنِي : اغْفِرْ لَهُمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّلَاةَ وَمَا أَصْلُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ : وَرَحْمَةٌ ، يَعْنِي : وَلَهُمْ مَعَ الْمَغْفِرَةِ ، الَّتِي بِهَا صَفَحَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ وَتَغَمَّدَهَا ، رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَأْفَةٌ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ - مَعَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُعْطِيهِمْ عَلَى اصْطِبَارِهِمْ عَلَى مِحَنِهِ ، تَسْلِيمًا مِنْهُمْ لِقَضَائِهِ ، مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ - أَنَّهُمْ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ، الْمُصِيبُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ ، وَالْقَائِلُونَ مَا يُرْضَى عَنْهُمْ وَالْفَاعِلُونَ مَا اسْتَوْجَبُوا بِهِ مِنَ اللَّهِ الْجَزِيلَ مِنَ الثَّوَابِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاهْتِدَاءِ ، فِيمَا مَضَى ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ لِلصَّوَابِ . وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2329 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ قَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ ، وَرَجَعَ وَاسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ : الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالرَّحْمَةُ ، وَتَحْقِيقُ سَبِيلِ الْهُدَى .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، جَبْرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ ، وَأَحْسَنَ عُقْبَاهُ ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ . 2330 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، يَقُولُ : الصَّلَوَاتُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى الَّذِينَ صَبَرُوا وَاسْتَرْجَعُوا . 2331 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ الْعُصْفُرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مَا أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، وَلَوْ أُعْطِيَهَا أَحَدٌ لَأُعْطِيَهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ : يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 84 ] .